رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يوم 26 يناير عام 1952 جمع فاروق الأول ملك مصر ضباط الجيش المصري في قصر عابدين ليهدي إليهم ابنه الأمير أحمد فؤاد، ووقتها كانت القاهرة تحترق في أعقاب المواجهة الدامية بين رجال الشرطة والجيش البريطاني في الإسماعيلية والتي جرت يوم 25 يناير.
عناصر التكرار غريبة، 25 يناير يوم المواجهة مع قوات الاحتلال البريطاني، و26 يناير الملك والأمير والجيش. والقاهره تحترق، بينما بلوكات النظام (أي جنود الشرطه) يعلنون الإضراب احتجاجا على حوادث الإسماعيلية.
وإن ربطنا ماجرى عام 52 بالوقائع الجاريه منذ 25 يناير 2011 في مصر، لوجدنا العديد من المتشابهات ولكن التشابه في الملك والأمير وإضراب البوليس ووجود الجيش قائم إلا أن حريق القاهره يختلف من حيث الزمن فيمتد لمدة 60 يوما، ومن حيث المكان يمتد ليشمل أغلب المؤسسات المصرية وأبعد من القاهرة وحدها، وفارق آخر أن حريق القاهرة عام 1952 كان قبل ثورة يوليو، وحرائق القاهرة ومصر عام 2011 جاءت بعد ثورة يناير.
إئتمنت الثورة مؤسسة الجيش في إدارة مصر، ولم تفوض أشخاصا، ولكن التداعيات توالت، تحمل غير هذا، لنجد الأمر يخرج إلى أفراد لا علاقة للثورة بهم، ولم تفوضهم، حتى إذا تحدثنا عن الدكتور عصام شرف، فترشيحه من قبل البعض لم يكن تفويضا، بل ترشيح لرئيس وزارة انتقالية، وعلى ذلك فالمسؤولية يتحملها المجلس الأعلى العسكري وحده.
انطلق الأمل في أعقاب خلع الرئيس المصري أن الثورة الشعبية تقترب من تحقيق هدف هدم النظام المستبد وبناء نظام جديد لمصر، غير أن حديثا يتردد الآن بشدة حول تحركات مضاده للثورة، وتصدر التصريحات من رجال الحكومة الانتقالية والإعلام ومن رجال المؤسسة العسكرية، ويترتب على ذلك اقتراحات بقوانين أقل ما يقال فيها إنها قوانين مكبلة لحركة الشعب. وغير هذا فإن مواجهات بالعنف جرت ضد تحركات جماهيرية وطلابية، وتم فيها اقتحام جامعة القاهرة وإخلاء كلية الإعلام من اعتصام الطلبة المطالبين بإقالة عميد الكليه لكونه أحد الوجوه الحزبية للنظام السابق ولأنه هاجم حركة الثورة، كما كشفت أوراق ووثائق علاقته بجهاز أمن الدوله المنحل.
كلا الأمرين، الاقتراحات بقوانين والعنف في مواجهة الاعتصامات يساق في شأنه مبرر واحد وهو الرغبة في الاستقرار والحيلولة دون نجاح المخططات المضادة للثورة وتحقيق غاياتها في إثارة الفوضي.
والغريب أن هناك تناقضا بين الحديث عن الحركة المضاده للثوره، وإعلان أن وراءها بقايا النظام السابق وحزبه وأعضاء المجالس المزورة، وفي نفس الوقت عدم اتخاذ موقف منهم سواء بحل الحزب، أو حل المجالس المحلية المزورة، أو تغييرالمحافظين، أو التحفظ على العناصر المثيرة للاضطرابات وقياداتها وتقديمها للمحاكمة السريعة. بل إن مواجهة حادة في الإعلام والصحافه مازالت دون التصدي لها بالتطهير، ومن جرى تفويضه بالتعامل في الأمر صار محل شك عام من كافة القوى السياسية، بل والرأي العام الشعبي وهو نائب رئيس الوزراء د. يحيي الجمل. ومن ناحية أخرى يخرج نبأ بأنه سيتم حل المجالس المحلية، ولكن مع تفويض المحافظين في تشكيل مجالس مؤقتة، وهو أمر غريب أنه بدلا من تغيير المحافظين يجري تفويضهم، وكأن المجالس المحلية ضرورة حياه، بينما الهدف الأساسي من حلها هو منع أعضائها من التأثير في المجتمع بالإفساد السياسي، أو باتخاذ مواقف معادية للثورة في مواقعهم.
في أعقاب إسقاط الرئيس خرجت نغمة ضرورة الاستقرار، وليتم الاستقرار يجب إخلاء ميدان التحرير، ومن ثم منع التجمع في الميدان وجرى التعامل بالعنف مع من كانوا بالميدان يوم 9 مارس، والآن يجرى الحديث عن الحركة المضادة للثورة.
وكشف الاستفتاء على التعديلات الدستورية عن حركات أخرى تسعى للانقضاض على الثورة تحت دعاوى الدين، وبديل الرجوع بمصر إلى سيطرة النظام السابق، تسعى إلى خطفها لصالح جماعات دينية لا وجود سياسي لها وبلا دور في ثورة الشعب، بل عادتها وتنصلت منها واتهمتها بالخروج عن الشرعية، واتفق أعداء الأمس السلفيون والإخوان، في دعوة الشعب بأن الاستفتاء "بنعم" واجب شرعي، وبلغ بهم الأمر إلى المغامرة بإثارة الفتنة الطائفية عندما كانوا يدعون المواطنين بأن المسلمون يصوتون على اللون الأخضر "نعم"، والمسيحيون يصوتون على اللون الأسود "لا"، وجرى تصوير الأمر أنه صراع على الدين بين المسلمين والمسيحيين، مغامرين بالوطن غير واعين بدلالة الخيارات السياسية في الاستفتاء، وتصويرها خداعا وكذبا إنها استفتاء على الدين، ويبلغ الأمر بأحد الشيوخ أن يخرج على الناس مدعيا أنه النصر المبين في "غزوة الصناديق" ويطالب ممن قالوا "لا" أن يتركوا مصر إلى أمريكا وكندا وسط تكبيرات العيد من اتباعه!! وليس مفهوما حتى لماذا أمريكا وكندا، ، وعند مراجعته وإدانة تصرفه هذا، خرج على الناس بأن الموقف كان "هزار"!، إلى هذا الحد جرى الانحدار بالقيم الوطنية ومصير الوطن.
القوى الشعبية الممثلة لطاقة الثورة جرى إبعادها، ولأنها قوى بناء، لم تجد غضاضة في إئتمان المجلس العسكري على الأمر.
وفي المواجهة قوى من فلول النظام السابق والمستفيدون منه، تسعى للقضاء على الثورة وحصارها. وإلى جوارها قوى تحاول الانقضاض على الثورة والاستيلاء على الإرادة الوطنية والانحراف بأهدافها وتمثلت في السلفيين والإخوان.
قوى الثورة مطالبة بالانفضاض لدواعي الاستقرار، والقوي المعادية للثورة أو الراغبه في سرقتها لصالح أهداف محدودة لا تمثل إرادة الوطن، حرة الحركة ومطلقة يمكنها أن تفعل ما يعن لها.
ومع كل ذلك تخرج الحكومة الانتقالية بمشروع قانون لمنع الاعتصامات الفئوية، ويركن وزير العمل إلى أن مشروعية القانون مستمدة من المعاهدات الدولية، وكأنه ممثل لهيئات خارجية وليست مصر هي سبب وجوده في كرسيه. وينضم إليه وزير العدل أيضا ويضيف إلى هذا القانون تصورا آخر أكثر ريبة، ويعلن أنهم يدرسون قانونا للتصالح مع من نهبوا أموال الشعب، على أن يعيدوا الأموال مقابل إسقاط المساءلة الجنائية إن كانوا لم يجرموا في جمعهم للأموال !! وهو الأمر الذي كان قد عقب عليه النائب العام من قبل عندما قال إن الشق الجنائي هو حق للمجتمع لا تملك النيابة العامة التغاضي عنه، وكأن وزير العدل يحاول حصار النائب العام وغل يده عن توجيه الاتهامات بالفساد الاقتصادي، ويتواكب مع مطالبات من المحبوسين احتياطيا بأن يدفعوا أموالا ويخرجوا من قضايا النهب والفساد الاقتصادي.
ويمتد المشهد وبديلا لإقامة نظام جديد تم نصب "خيمة سيرك"، تتعدد فيها الألعاب البهلوانية وعروض الحيوانات، وخرج علينا الإعلام بخبر أن الحوار الوطني حول مستقبل البلاد سيبدأ يوم الأربعاء 30 مارس، وهو تاريخ يذكرنا ببيان 30 مارس الذي كان ركيزة التغييرات السياسية في أعقاب هزيمة 1967 ومظاهرات فبراير 1968، ويستطرد الخبر أن المدعوين هم 160 شخصا والأغرب أن د.يحيي الجمل هو المسؤول عنه، مما يفقد الحوار جدواه، بالإضافه إلى أن المدعوين للحوار ليسوا تمثيلا طبيعيا للمجتمع وقواه الحية، وشأنه كلجنة التعديلات الدستورية التي تمت بليل وخرجت بأعضائها من قائمة المؤتمنين على قضايا التغيير إلى وضع اللجان الفنية أو ما يطيب للساسة من المصريين بإطلاق لفظ الترزية عليهم.
وتشهد خيمة السيرك وقائع متعددة، جميعها يؤكد أن الثورة الشعبية محل المصادرة، وأن السعي إلى دستور جديد حديث مؤجل ويتبع هوي مرشحي الرئاسة، وأن القضايا الوطنية محل التعامل الجزئي.
يخرج علينا المستشار هشام البسطويسي بأنه حال نجاحه في انتخابات الرئاسة، سيوقف تصدير الغاز إلى إسرائيل !! ولكننا لم نجد برنامجا سياسيا من الرجل بعد.
ويخرج حمدين صباحي في مزاد الحصص، ويعلن أنه سيعين ثلاثة نواب له، مسيحيي وامرأة وشاب، وكأن الدول تقدر نظمها السياسية بهوى المرشحين، وبما يمكن أن نطلق عليه نفاق الكتل الشعبية دون وجوب سياسي.
ويحارب عمرو موسى معركة الدفاع عن كونه من عناصر النظام الذي أسقطه الشعب، ويجري تداول خبر أن لجنة إدارة الانتخابات التابعة له تجري اتصالا بعناصر للحزب الوطني بإحدى المحافظات دون باقي القوى، وتنفي اللجنة، ويتداول النشطاء أنه يتكلم ولا يقول شيئا.
ويظل البرادعي في حالة القصف المركز من أجل أهداف الثورة، ويتحدث عن أن أعمال البلطجة مدبرة، ويرفض التعديلات، ويقول: أشعر بالقلق الشديد على مسار الثورة: معالم الطريق مازالت ملتبسة. أين الشفافية والحوار مع الشعب ؟ إعلام النظام السابق مازال قائمًا: البلطجة الفكرية أقوى أسلحة إجهاض الثورة.
تحدث واقعة مثيرة لعلامات الاستفهام يوم الأحد 27 مارس، حيث تصدر إحدى الجرائد المستقلة بمانشيت أن انتخابات الرئاسة في يونيو 2012 أي بعد 15 شهرا، بينما الانتخابات النيابية بعد ستة أشهر فقط، وتتحدث عن لجان متعددة لصياغة الإعلان الدستوري الذي سيصدره المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وفي نهاية اليوم يصدر تكذيب من المجلس الأعلى ينفي فيه ما نشر، إلى هذا الحد تفتقد حتى الصحافة الأصول المهنية ، أم أن شيئا آخر قد حدث وجرى تعديل الأمر.
هكذا يزداد الضجيج داخل خيمة السيرك، ضجيج بلا طحن، ويبتعد بنا عن أهداف الثورة، بينما تتزايد الدعوة إلى مليونية إنقاذ الثورة في أول إبريل، فهل تجدي؟.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2802
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2550
| 02 يونيو 2026
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف بين صوتين داخلنا؛ صوت القلب وصوت العقل. أحيانًا يميل الإنسان إلى مشاعره فيتخذ قرارات سريعة بدافع الحب أو الغضب أو الحزن، ثم يكتشف بعد فترة أنه أخطأ التقدير. لذلك قيل دائمًا: “فكّروا بعقولكم وليس فقط بقلوبكم”، لأن العقل هو النور الذي يرشد الإنسان عندما تتشابك المشاعر وتختلط الحقائق. القلب جميل، وبدونه تصبح الحياة جافة وخالية من الإحساس، فهو مصدر الرحمة والحنان والمحبة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القلب وحده هو القائد لكل قراراتنا. فكم من إنسان سامح كثيرًا حتى كُسر، وكم من شخص وثق بمن لا يستحق فقط لأنه استمع لعاطفته، وكم من قرار اتُّخذ في لحظة انفعال فترك أثرًا طويلًا من الندم. المشاعر وحدها لا تكفي لنعيش بأمان، لأن العاطفة قد تعمينا أحيانًا عن رؤية الحقيقة. أما العقل فهو القادر على الموازنة، وعلى رؤية الأمور من جميع الزوايا. العقل لا يعني القسوة كما يعتقد البعض، بل يعني الحكمة والوعي والتفكير قبل اتخاذ أي خطوة. الإنسان العاقل لا يندفع خلف كل كلمة يسمعها، ولا يصدق كل مشاعر يعيشها، بل يتوقف قليلًا، يفكر، يحلل، ثم يقرر. وهذا ما يجعل قراراته أكثر استقرارًا وأقل ألمًا. وكثيرًا ما تظهر أهمية العقل في الأوقات الصعبة، خاصة عند مرض شخص قريب وعزيز على قلوبنا. ففي لحظات الخوف والقلق قد نتخذ قرارات بدافع المشاعر فقط، دون تفكير هادئ أو استشارة صحيحة، ثم نندم لاحقًا عندما تظهر نتائج تلك القرارات. أحيانًا يحكمنا الخوف فنرفض علاجًا، أو نوافق على أمر دون دراسة، أو ننهار نفسيًا فنفقد القدرة على التفكير السليم. لذلك في أوقات الألم نحن بحاجة لأن نتمسك بالعقل أكثر، لا لأننا بلا مشاعر، بل لأن الموقف يحتاج حكمة حتى لا تكون نتائج القرار وخيمة علينا وعلى من نحب. كثير من المشاكل الأسرية أو الاجتماعية بدأت بسبب لحظة غضب لم يتحكم فيها العقل. كلمة قيلت دون تفكير قد تهدم علاقة سنوات، وقرار متسرع قد يغيّر حياة كاملة. لذلك نحن بحاجة لأن نعطي لعقولنا فرصة قبل أن نتصرف. ليس ضعفًا أن نتأنى، وليس برودًا أن نفكر، بل هو نضج يحمي الإنسان من أخطاء كثيرة. وفي المقابل، لا يعني استخدام العقل أن نتخلى عن مشاعرنا أو نصبح بلا قلب. الإنسان المتوازن هو من يجعل العقل قائدًا، والقلب داعمًا. فالعقل يحدد الطريق الصحيح، والقلب يمنح هذا الطريق إنسانية ورحمة. عندما يتعاون الاثنان، يعيش الإنسان بسلام داخلي ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات. في النهاية، القلب قد يقودنا للحب، لكن العقل يحمينا من الألم. والقلب قد يدفعنا للتسامح، لكن العقل يعلّمنا متى نتوقف. لذلك اجعلوا مشاعركم جميلة، لكن لا تسمحوا لها أن تعميكم عن الحقيقة. فالحياة تحتاج قلبًا يشعر… وعقلًا يفكر.
2250
| 02 يونيو 2026