رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نصف مليون قتيل وتفشي المجاعة وضيق المجتمع الدولي عجلا بالاتفاق
ما زال أمام المسؤولين تحديات كبرى حول اقتسام السلطة وبناء السلام
هل نجحت "الخلوة الروحية" هذه المرة في إصلاح ذات بين فرقاء دولة جنوب السودان بعد أن حصد الصراع بينهما حياة نحو نصف مليون مواطن وذاق بقية السكان ويلات مجاعة سارت بها الركبان وشهدت قارة إفريقيا أكبر أزمة لاجئين منذ الإبادة الجماعية في رواندا في عام 1994؟.
قبل نحو عام كان كل من رئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت وخصمه اللدود زعيم المتمردين السابق رياك مشار في "خلوة روحية" استمرت ليومين في روما في ضيافة البابا فرانشيسكو بابا الفاتيكان بهدف دعم المصالحة المتعثرة بين الرجلين المتخاصمين رغم التوقيع على اتفاقية سلام بينهما في سبتمبر 2018. في الأسبوع الماضي اتفق الأثنان على تشكيل حكومة انتقالية في البلاد بحلول الموعد النهائي الموافق اليوم السبت، بعد أن تم تأجيل ذلك مرتين حيث كان ذلك مقررا في 12 نوفمبر من العام الماضي، بسبب عدم الوفاء بمعايير رئيسية لاتفاقية السلام.
بيد أن طبيعة الصراع المعقد والتجارب المريرة خلال الفترة القصيرة التي أعقبت انفصال الدولة الوليدة عن السودان في العام 2011 فضلا عن فشل المصالحات السابقة أمر لا شك يفت في عضد المتفائلين ويعزز من توقعات المتشائمين وأول المتشائمين هي منظمة الأمم المتحدة فقد حذر تقرير أصدرته حديثا من أن السلام الحالي في جنوب السودان هش للغاية، وقالت مفوضية حقوق الإنسان هناك في تقرير لها أن الفساد متفش وأن المليشيات يتم تسليحها، وقالت المفوضية أن أكثر من نصف السكان البالغ عددهم 12 مليونا يواجهون خطر المجاعة. فرغم الاتفاق ومظاهر الاحتفاء ما زالت عدد من القضايا المختلف عليها دون حل بما في ذلك تقاسم السلطة وإدماج المقاتلين المتمردين في الجيش، لكن الجانبين اتفقا على تشكيل حكومة وحدة أولا ومن ثم الإلتفات إلى شيطان التفاصيل في وقت لاحق.
وقد بدأ الصراع الدموي بعد عامين من مشوار الاستقلال عن السودان عندما أقال الرئيس سلفاكير نائبه آنذاك رياك مشار الذي تحول إلى قيادة المتمردين. واتهم سلفاكير (وهو من قبيلة الدينكا) مشار (المنتمي لقبيلة النوير) بالتخطيط لانقلاب ضده وهو ما ظل ينفيه مشار. لكن المعروف أن مشار كان قد أعلن الترشح لرئاسة الدولة منافساً سلفا كير.
يشير الواقع في دولة جنوب السودان إلى أن البلاد تتألف من (60) مجموعة قبلية أكبرها مجموعة (الدينكا) التي ينتمي إليها رئيس الدولة سلفا كير، وهم يشكلون ما نسبته (40%) من مجمل تعداد السكان، وتعتبر ثاني أكبر قبيلة في أفريقيا بعد قبيلة الزولو في جنوب إفريقيا. وتأتي قبيلة النوير التي ينتمي إليها مشار في المرتبة الثانية من حيث التعداد إذ يبلغ تعدادها ما يفوق المليون نسمة. وليس الصراع بين القبيلتين صراع جديد بل هو صراع زعامة على الأرض والموارد له امتداداته التاريخية المعلومة. وتتميز دولة جنوب السودان بأنها دولة متعددة القبائل واللغات والإعراق والأديان لكن بدلا من أن يكون هذا التنوع مصدر قوة إلا أن النظام السياسي الحاكم فشل في إدارته فتحول هذا التعدد إلى عامل ضعف.
نظام الحكم الوليد لأحدث دولة في العالم لم يراع في بدايته خصوصية هذه التركيبة، ويصف الدستور نظام حكم البلاد بأنه (نظام رئاسي، جمهورية فدرالية، ديمقراطية تمثيلية). وعليه فقد تواضعت النُخبة الحاكمة وهي الحركة الشعبية (الحزب الحاكم) على أن يكون رئيس البلاد من قبيلة الدينكا ونائبه من قبيلة النوير فيما يتم تقسيم (كيكة) السلطة على القبائل الأخرى بنسب تراعي أوزانها القبلية فهذه هي المعادلة السياسية التي جنبت البلاد صراعاً قلبياً كان يمكن أن يحدث مباشرة بعد الانفصال.
وبعد حرب أهلية استمرت لنحو 7 سنوات سببها الاخلال بتلك المعادلة تأكد للمتصارعين أن الحل المتاح في الوقت الحاضر هو الرجوع لتلك المعادلة لتجنيب البلاد استمرار الحرب الأهلية في ظل تجذر الثقافة القبيلية التي يمكن أن تحل محلها في المستقبل المرجو ثقافة مدنية تستوعب الآخر في اطار تنوع وتبادل ديمقراطي للسلطة، فعاد سلفا كير اليوم وقبل بمشار نائباً له متداركا خطأ إقالته له، وفي ذات الوقت على مشار ألا يتطلع لمنصب رئيس الدولة ويقبل بمنصب نائب الرئيس ويعالج خطأ إعلانه الترشح لرئاسة الدولة منافساً سلفا كير.
وتنص الاتفاقية، الموقعة بين الطرفين على فترة انتقالية مدتها 36 شهرا، ثم إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية. وبناءً عليها أدى مشار، اليمين الدستورية نائبا أول لسلفا كير. وأقسم مشار على احترام القانون والإخلاص لجمهورية جنوب السودان، وشهد الاحتفال مصافحة بالأحضان بين مشار وسلفاكير.
وسواء كانت لـ"الخلوة الروحية" بين جدران الفاتيكان أثرا ايجابيا في دعم هذا الاتفاق أم لا وسواء رفع المسيحيون في العالم الصلوات من أجل جنوب السودان كما طلب منهم - حينها - المتحدث باسم سلفا كير إلا أنه من الصعوبة بمكان التحقق من تطبيق اتفاق السلام روحا وجوهرا. ومن الحقائق التي تغفل عمدا أن النظم السياسية التقليدية في إفريقيا ما قبل الاستعمار والتدخلات الأجنبية، كانت نظماً مستقرة وملائمة لطبيعة القارة ولا نقول ديمقراطية بالمفهوم الغربي إذ لم ينتج عنها تلكم الاشكاليات الماثلة اليوم في القارة.
وكتب بعض أبناء القارة من المتعلمين كتبوا مشيدين بالنظم التقليدية؛ ردا على نظرائهم من المستعمرين الذين حاولوا إيجاد مبررات أخلاقية للاستعمار مثل جون استيوارت ميل الذي كان يرى الاستعمار من باب الحسنات اينما وجد الاستبداد في الحكم وهو أمر وصمت به النظم السلطوية التقليدية في إفريقيا زوراً وبهتاناً في نظر أبنائها. وقد ساد في إفريقيا ما قبل الاستعمار نمطان أساسيان للسلطة والحكم: النمط الأول؛ قبائل ذات كيانات متعددة بنظم سياسية مختلفة تحكم نفسها بنفسها. أما النمط الثاني؛ قبائل تخضع لحكم أو حماية قبائل أخرى، سواء طوعاً أو كرهاً. صحيح أن الصراعات القبلية تكاد تكون ثقافة إفريقية متوارثة، إلا أن التدخلات الأجنبية تزيد من اشتعال أوارها، بل تحول دون عمل آليات التهدئة التقليدية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8697
| 27 أكتوبر 2026
قد يبدو مستغرباً أن تشتري قطر، وهي من أكبر منتجي الغاز الطبيعي المسال ومصدريه في العالم، الغاز من الولايات المتحدة بعقود تمتد لعقود. فهل تحتاج دولة تمتلك احتياطيات هائلة إلى الغاز المستورد؟ أم أن الصفقة تعكس تحولاً أعمق في طريقة إدارة تجارة الطاقة؟ في تقديري، لا تكمن أهمية هذه الخطوة في الشراء نفسه، بل فيما قد تضيفه إلى قدرة قطر للطاقة على الوصول إلى الأسواق والوفاء بالتزاماتها. ففي صناعة الغاز، لا تكفي وفرة الاحتياطيات وحدها؛ إذ تكتسب مرونة التوريد وإدارة المخاطر أهمية متزايدة إلى جانب الإنتاج. ففي 22 أكتوبر 2026، أعلنت قطر للطاقة توقيع اتفاقيتين طويلتي الأجل مع شركة شينيير إنرجي الأمريكية لشراء ما يصل إلى أربعة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً، بدءاً من عام 2031 وحتى نهاية عام 2054. وتتوزع الكميات بالتساوي بين منشأة سابين باس في ولاية لويزيانا ومنشأة كوربوس كريستي في ولاية تكساس، بواقع مليوني طن سنوياً من كل منهما. غير أن مليون طن من كميات سابين باس مشروط باتخاذ قرار استثماري نهائي بشأن توسعة المنشأة، ولذلك لا ينبغي التعامل مع كامل الكمية المعلنة باعتبارها مضمونة دون تحفظ. ويرتبط سعر الشراء بمؤشر هنري هب الأمريكي، مضافاً إليه رسم ثابت لم تُعلن قيمته. أما التسليم فيتم على ظهر السفينة في الموانئ الأمريكية، وفق نظام (FOB). وهذا يمنح قطر للطاقة دوراً مباشراً في ترتيب نقل الشحنات، وقد يتيح مرونة في توجيهها إلى الأسواق، في حدود ما تسمح به العقود. وتشير طبيعة الاتفاقيتين إلى أن الغاز المشترى ليس بالضرورة موجهاً للاستهلاك المحلي، بل يمكن أن يدخل ضمن محفظة قطر للطاقة التجارية، ويعاد تسويقه إلى عملائها في آسيا وأوروبا وغيرها. وبذلك تجمع الشركة بين إنتاج الغاز من مواردها المحلية وإدارة إمدادات تحصل عليها من منتجين آخرين.وهنا يبرز سؤال اقتصادي مهم: هل يمكن أن يكون شراء الغاز من الخارج أكثر جدوى من الاعتماد على التوسع في الإنتاج المحلي وحده؟قد يبدو الإنتاج المحلي الخيار الطبيعي لدولة تمتلك احتياطيات ضخمة وخبرة واسعة في هذه الصناعة. غير أن المقارنة ليست بهذه البساطة؛ فزيادة الإنتاج تتطلب استثمارات كبيرة في تطوير الحقول ومنشآت التسييل والبنية التحتية، بينما تتيح عقود الشراء الحصول على إمدادات إضافية دون تحمل التكلفة الرأسمالية الكاملة لإنشاء طاقة إنتاجية مماثلة. ولا يعني ذلك أن الشراء أقل تكلفة أو أكثر ربحية بالضرورة، فلكل خيار التزاماته ومخاطره. لكن الجمع بين الإنتاج والشراء قد يمنح الشركة مرونة أكبر في توظيف رأس المال وتوزيع المخاطر والاستفادة من الفرص التجارية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء الاضطرابات التي شهدتها المنطقة، والتي أظهرت أن امتلاك الغاز لا يضمن دائماً القدرة على تصديره. فقد تتأثر منشآت الإنتاج أو التسييل، أو تتعطل الممرات البحرية، بما ينعكس على انتظام الإمدادات. ومن هنا، فإن تنويع مصادر الغاز قد يوفر بدائل إضافية تعزز قدرة الشركة على التعامل مع الظروف غير المتوقعة. ومع ذلك، فإن الاتفاقيتين لا تمثلان حلاً فورياً لأي نقص حالي، لأن الإمدادات لن تبدأ قبل عام 2031. ولهذا تبدو قراءتهما ضمن تخطيط طويل الأمد أكثر اتساقاً مع طبيعتهما ومدتهما، دون الجزم بأن الاضطرابات الأخيرة كانت السبب المباشر وراء توقيعهما. ومن الناحية التجارية، قد تستفيد قطر للطاقة من اختلاف أسعار الغاز بين الأسواق. فالشراء وفق مؤشر هنري هب الأمريكي، ثم البيع في أسواق ترتبط بمؤشرات سعرية أخرى، قد يوفر فرصاً لتحقيق عوائد مجزية، متى غطت أسعار البيع تكاليف الشراء والنقل والتمويل والمخاطر. غير أن تحديد الربحية الفعلية يتطلب معرفة تفاصيل مالية وتعاقدية لم يُعلن عنها. وتبرز هنا ميزة اقتصادية أخرى للاتفاقيتين، تتمثل في الجمع بين فرص تحقيق العوائد التجارية ومرونة إدارة الإمدادات. فتنوع مصادر الغاز يمنح قطر للطاقة خيارات أوسع في توجيه الشحنات إلى الأسواق المختلفة، والاستفادة من فرص الأسعار والطلب، مع تعزيز قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وبذلك لا تقتصر القيمة المحتملة للصفقة على العائد المباشر من بيع الغاز، بل تمتد إلى تحسين كفاءة المحفظة التجارية وتعزيز القدرة التنافسية للشركة على المدى الطويل. ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن استثمارات قطر للطاقة في الولايات المتحدة، ومنها مشروع غولدن باس للغاز الطبيعي المسال في ولاية تكساس. فالجمع بين الاستثمار في مشاريع الإنتاج والتسييل وشراء الغاز من منتجين آخرين يعزز حضور الشركة في أسواق الطاقة العالمية، ويوسع الخيارات المتاحة أمامها. وفي رأيي، فإن هذه هي الدلالة الأهم للصفقة. فقد بنت قطر مكانتها العالمية على تطوير حقل الشمال والاستثمار في منشآت التسييل والتصدير، لكنها قد تكون اليوم بصدد إضافة بعد جديد إلى نموذج أعمالها، يقوم على إدارة محفظة عالمية من إمدادات الغاز، بدلاً من الاعتماد على تسويق إنتاجها المحلي وحده. غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب إدارة دقيقة للأسعار والنقل والالتزامات التعاقدية، لأن تنويع المصادر لا يضمن تلقائياً ارتفاع الأرباح أو انخفاض المخاطر. فالقيمة الحقيقية للتنويع تتحقق عندما يسهم في تحسين كفاءة العمليات والعائد الاقتصادي، ويمنح الشركة قدرة أكبر على التعامل مع تغيرات السوق. إن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقاس بعدد ملايين الأطنان التي تشتريها الشركة، بل بقدرتها على تحويل تلك الكميات إلى قيمة اقتصادية حقيقية، من خلال تحقيق عوائد مناسبة، وتعزيز موثوقية الإمدادات، وتقليل التعرض للمخاطر الجغرافية والتجارية. ولعل المفارقة الأهم أن قطر قد تشتري الغاز الأمريكي، لا لأنها تفتقر إلى الغاز، بل لأنها تسعى إلى تطوير قدرتها على إدارة تجارته عالمياً. فامتلاك الغاز يمنحها قوة الإنتاج، أما تنويع مصادره وحسن إدارة تدفقاته فيمنحانها مرونة أكبر في المنافسة والاستمرار. وفي صناعة تتغير فيها الأسواق والمخاطر بسرعة، قد تصبح القدرة على إدارة الغاز بقدر أهمية القدرة على إنتاجه.
1473
| 25 أكتوبر 2026
قد تبدأ مشكلات المؤسسة قبل أن يتخذ الموظف أول قرار خاطئ، وقبل أن يتعثر أول مشروع، بل حتى قبل أن يباشر الموظف عمله. فقد تكون البداية قرار توظيف اتُّخذ على عجل، أو وظيفة استُحدثت دون حاجة حقيقية، أو شخصاً وقع عليه الاختيار لأسباب لا علاقة لها بالكفاءة. وما يبدو اليوم قراراً إدارياً بسيطاً قد يتحول بعد سنوات إلى مشكلة يصعب علاجها. وأذكر أن السيد فيصل محمد السويدي، الذي كان مديري المباشر عندما كان يتولى منصب الرئيس التنفيذي لشركة قطر للأسمدة الكيماوية (قافكو)، قال لي ذات مرة عبارة قصيرة بلهجتنا القطرية، لكنها بقيت عالقة في ذهني حتى اليوم: «اقبض باب التوظيف». ومع مرور السنوات، أدركت أن هذه الكلمات القليلة تختصر جانباً مهماً من الحكمة الإدارية. فقرار التوظيف من أسهل القرارات التي يستطيع المدير اتخاذها، بينما قد يكون تصحيح خطئه من أصعبها. ولم أفهم العبارة على أنها دعوة إلى إغلاق باب التوظيف أو حرمان المؤسسة من الكفاءات، وإنما دعوة إلى ضبطه، لأن إضافة موظف جديد ليست مجرد زيادة في عدد العاملين، بل التزام مالي وإداري قد تمتد آثاره سنوات طويلة. والمشكلة أن بعض المؤسسات تنظر إلى زيادة عدد الموظفين باعتبارها دليلاً على التوسع والنجاح، بينما قد تكون أحياناً مؤشراً على ضعف التنظيم أو سوء توزيع العمل. فقد تطلب إدارة تعيين موظفين إضافيين لمعالجة تراكم الأعمال، في حين أن المشكلة الحقيقية تكمن في إجراءات معقدة، أو تداخل الصلاحيات، أو ضعف استخدام التقنية. وهنا يصبح التوظيف علاجاً لأعراض المشكلة لا لأسبابها، وتجد المؤسسة نفسها بعد سنوات أمام جهاز إداري أكبر، دون تحسن مماثل في الإنتاجية. والأكثر إثارة للتأمل أن بعض المديرين يطلبون موظفين إضافيين لأنهم لا يعرفون كيف يرفعون إنتاجية الموظفين الموجودين. فبدلاً من مراجعة أساليب العمل، وإزالة الإجراءات غير الضرورية، وتحسين توزيع المسؤوليات، يلجأ المدير إلى الحل الأسهل: زيادة عدد العاملين. وبذلك قد يتحول التوظيف إلى وسيلة لإخفاء ضعف الإدارة، بدلاً من أن يكون أداة لتعزيز كفاءة المؤسسة. ولهذا فإن أول سؤال ينبغي أن تطرحه الإدارة قبل الإعلان عن أي وظيفة ليس: من سنوظف؟ بل: هل نحتاج فعلاً إلى هذه الوظيفة؟ ومن المفيد ألا تُعتمد وظيفة جديدة قبل أن توضح الإدارة النتائج التي ستضيفها، ولماذا لا يمكن تحقيقها بالموارد الحالية، سواء من خلال تحسين الإجراءات أو تطوير التقنية أو إعادة توزيع العمل بصورة عادلة. وهذا لا يعني تحميل الموظفين أعباء تفوق طاقتهم، بل التأكد من أن التوظيف يعالج حاجة حقيقية، لا خللاً إدارياً كان يمكن إصلاحه بطريقة أخرى. أما إذا ثبتت الحاجة إلى التوظيف، فإن السؤال التالي يصبح أكثر أهمية: كيف نضمن اختيار الشخص المناسب؟ هنا تقع مؤسسات كثيرة في خطأ لا تظهر نتائجه فوراً، وهو الخلط بين المرشح الذي يجيد الحصول على الوظيفة والمرشح الذي يجيد أداءها. فبعض المتقدمين يمتلكون قدرة كبيرة على الحديث بثقة وتقديم إجابات جذابة في المقابلات الشخصية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنهم الأكثر قدرة على الإنجاز. وفي المقابل، قد يكون المرشح الهادئ، الأقل براعة في تسويق نفسه، أكثر كفاءة وانضباطاً وقدرة على معالجة المشكلات. وقد تناولت الأبحاث الإدارية هذه المسألة، وأظهرت أهمية المقابلات المنظمة التي تعتمد على أسئلة ومعايير تقييم موحدة، بدلاً من ترك القرار للانطباعات الشخصية. كما أن الاختبارات العملية المرتبطة بطبيعة الوظيفة تساعد على معرفة ما يستطيع المرشح فعله، لا ما يستطيع قوله عن نفسه. فإذا كانت المؤسسة تبحث عن مدير للمشتريات، مثلاً، فمن المفيد أن تعرض عليه مشكلة تتعلق بتأخر توريد مواد أساسية، وتطلب منه توضيح كيفية التعامل معها. هل يبحث عن بدائل؟ هل يراجع شروط العقود؟ هل يوازن بين التكلفة والجودة والوقت؟ مثل هذا التقييم قد يكشف عن طريقة تفكيره وقدرته على اتخاذ القرار أكثر مما تكشفه أسئلة عامة عن خبراته السابقة. ولا تقل خطورة عن ذلك المبالغة في تقدير الشهادات والألقاب الوظيفية. فليس كل من يحمل مؤهلاً عالياً يمتلك بالضرورة القدرة على تطبيق معرفته، وليس كل من أمضى عشرين عاماً في العمل قد اكتسب خبرة تعادل عشرين عاماً من التعلم والتطور. فقد يكرر الإنسان الأسلوب نفسه طوال تلك السنوات، دون أن يضيف إلى معرفته شيئاً يُذكر. كما أن النجاح في مؤسسة معينة لا يضمن النجاح في مؤسسة أخرى. فالمدير الذي حقق نتائج ممتازة في شركة كبيرة ذات أنظمة مستقرة قد يواجه صعوبة في شركة تحتاج إلى بناء أنظمتها وإعادة تنظيم أعمالها. ولذلك ينبغي ألا تكتفي لجنة التوظيف بالسؤال عن المناصب السابقة، بل تبحث في طبيعة الإنجازات، والظروف التي تحققت فيها، والدور الفعلي الذي قام به المرشح. وتزداد المشكلة تعقيداً عندما تتدخل العلاقات الشخصية في قرارات التوظيف. فالمعرفة السابقة بالمرشح ليست عيباً في ذاتها، وقد تكون مفيدة في تقييم سلوكه وخبرته، لكنها تصبح خطراً عندما تحل محل المعايير المهنية. والأخطر أن الموظف الذي يُعيَّن بالمجاملة قد يصبح من الصعب تقييم أدائه أو مساءلته، لأن الاعتراف بضعفه قد يُفسَّر باعتباره اعترافاً بخطأ من اختاره. وهكذا تتحول مجاملة عابرة إلى مشكلة مؤسسية مستمرة. ومن الأخطاء التي لا تحظى بالاهتمام الكافي أن بعض المديرين يفضلون توظيف من يوافقونهم الرأي، ويتجنبون المرشحين الذين يتمتعون باستقلالية التفكير. وقد يشعر المدير براحة أكبر مع فريق لا يعارضه، لكنه يحرم مؤسسته من الآراء المختلفة التي تساعد على اكتشاف الأخطاء قبل وقوعها. فالمدير الناجح لا يبحث عن موظفين يشبهونه، بل عن كفاءات تكمل قدراته وتضيف إلى المؤسسة ما ينقصها. أما تكلفة التوظيف الخاطئ فلا تتوقف عند الراتب والمزايا والتدريب. فقد تشمل تأخر القرارات، وتراجع جودة الخدمات، وضياع فرص تجارية، وانشغال الموظفين الأكفاء بتصحيح أخطاء غيرهم. وفي بعض الحالات، تصبح الخسارة الأكبر رحيل الموظفين المتميزين الذين يفقدون الثقة في عدالة المؤسسة أو كفاءة إدارتها. لكن تجنب هذه النتائج لا يتطلب بالضرورة إجراءات توظيف معقدة أو مكلفة. فالحل يبدأ بوصف وظيفي يعكس احتياجات العمل الحقيقية، وتحديد نتائج واضحة يُتوقع من الموظف تحقيقها خلال سنته الأولى، ثم تقييم المرشحين وفق معايير معلنة ترتبط بهذه النتائج. ومن المفيد أن تتضمن عملية الاختيار مقابلة منظمة واختباراً عملياً مناسباً، وأن يشارك في تقييم الوظائف المهمة أكثر من مسؤول، مع توثيق أسباب القرار. ولا ينبغي أن تنتهي مسؤولية المؤسسة بمجرد توقيع عقد العمل. فالأشهر الأولى فرصة لاختبار مدى نجاح الاختيار، وتحديد احتياجات الموظف من التدريب والتوجيه. وإذا ظهرت مشكلات في الأداء، فمن الضروري التمييز بين موظف يحتاج إلى التأهيل وموظف لا تتناسب قدراته مع متطلبات الوظيفة. فالقرار المهني السليم لا يقوم على التسرع في الاستغناء عن الأشخاص، ولا على التساهل المستمر مع ضعف الأداء. وهناك إجراء أراه مهماً، لكنه لا يحظى دائماً بما يستحقه من اهتمام، وهو مراجعة نتائج قرارات التوظيف بعد مرور سنة. فالمؤسسات تراجع استثماراتها ومشاريعها وميزانياتها، لكنها قد لا تسأل نفسها بالقدر نفسه من الجدية: هل نجح الأشخاص الذين وظفناهم؟ وهل حققوا ما توقعناه منهم؟ وإذا لم ينجحوا، فهل كان الخطأ في الاختيار أم في بيئة العمل أم في الإدارة التي أشرفت عليهم؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تحول التوظيف من ممارسة إدارية متكررة إلى عملية تتعلم منها المؤسسة وتطور قراراتها باستمرار. ولعل أهم ما تعلمته من مقولة «اقبض باب التوظيف» أن حسن الإدارة لا يُقاس بعدد الوظائف التي تُستحدث، ولا بسرعة ملء الشواغر، وإنما بقدرة المؤسسة على معرفة متى تحتاج إلى موظف جديد، وما القيمة التي تتوقع أن يضيفها، وكيف تختار الشخص القادر على تحقيقها. فالمؤسسة التي تتساهل في التوظيف قد تجد نفسها متشددة في خفض التكاليف لاحقاً، والمؤسسة التي تتجاهل الكفاءة عند الاختيار قد تنفق سنوات في محاولة معالجة نتائج ذلك التجاهل. وفي النهاية، فإن المؤسسة لا تدفع ثمن الموظف غير المناسب وحده، بل تدفع أيضاً ثمن الكفاءة التي لم توظفها، والقرارات التي تأخرت، والفرص التي ضاعت، وربما الموظفين المتميزين الذين غادروها. ولذلك فإن التوظيف ليس مجرد باب للدخول إلى المؤسسة، بل أحد الأبواب التي يتحدد عندها مستقبلها.
1293
| 27 أكتوبر 2026