رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تلقيت دعوة كريمة من وزارة الداخلية للمشاركة في ملتقـى السـلامة المـرورية الذي انعقد يـوم 24/1/2012 بفندق شيراتون الدوحة، تحت عنوان "السلامة المرورية مسؤولية مشتركة". وقد نشرت جريدة "الشرق" تفاصيل اللقاء في عددها الصادر بتاريخ 26 يناير الماضي.
وكان للحضور الكبير في القاعة دلالة على الاهتمام والمسؤولية التي يرتجيها الجميع في إيجاد حلول جذرية للحد من الحوادث المرورية التي تشهدها طرقنا بشكل يومي. وقد تخلل اللقاء من خطابات ومداخلات من الحاضرين ولقاءات جانبية، بعض الأفكار والتساؤلات التي ارتجيت كتابتها هنا لتعميم الفائدة.
كما يدل عليه عنوان اللقاء، فالمسؤولية بالفعل مشتركة بين إدارات ومؤسسات الدولة كإدارة المرور بوزارة الداخلية وهندسة الطرق بالهيئة العامة للاشغال ووزارة البلدية ممثلة في الهيئة الوطنية للسلامة المرورية وهيئات وافراد المجتمع.
وبرأيي ان لدينا تقصيراً من الجميع في الحد من الحوادث والاستنزاف البشري للثروة الاغلى والاسمى، التي تتصدر خيارات الاستثمار الاستراتيجي التي نوه بها سمو أمير البلاد المفدى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.
والطرفان "الحكومي والمواطنون" مقصران في واجباتهما تجاه المجتمع. فإدارة المرور مقصرة في فرض هيبتها على شوارعنا، وقد ادى ذلك الى بروز فئة في المجتمع تنظر بازدراء للآخرين وحقوقهم على الطرق. واصبحت وقاحتها في القيادة سمة سائدة هذه الايام.
تقود سيارتك على الطرق السريعة بالسرعة القصوى المسموح بها في الشارع وتفاجأ بسائق خلفك يلصق سيارته بسيارتك ويضيء مصابيح السيارة ويضغط على المنبه يريد ان يزيحك عن الطريق بدون ان يمنحك ثواني للتصرف الصحيح مروريا لإفساح المجال له ليتجاوزك، مع ان هناك صفاً من السيارات عن يمينك ورصيفاً بارتفاع متر عن يسارك. لا اعرف ماذا يتوقع منا هذا الوقح ان نفعل.. هل نصعد الرصيف ام نصدم السيارات الاخرى حتى يستطيع حضرته ان ينطلق بسرعة.
وآخر يرى السيارات تقف الواحدة خلف الاخرى بنظام والكل ينتظر دوره للمرور من التقاطع، وتفاجأ بمن يصعد الارصفة او يتخطى الآخرين ليزاحمك بمقدمة سيارته وهو ينظر اليك نظرة احتقار وازدراء وعينه تقول: انا أو يا ويلك!!
وشخص اوقف سيارته في الطريق امام احد المطاعم وتسبب بإغلاق احدى حارتي المرور انتظاراً لاستلام وجبة العشاء. ورغم تسببه في زحمة واختناق مروري وتنبيه الآخرين له ليتزحزح قليلاً لتمكين السيارات من المرور الا انه اعطى ظهره للجميع وكأنه يقف على ملك خاص به!!
وقاحة أخرى من بعض مرتادي المساجد لأداء الصلاة وبالأخص صلاة الجمعة، اذ يقوم البعض للاسف بإيقاف سياراتهم في الشوارع واحيانا يغلقونها بالكامل امام الآخرين. لا ادري ما هو رأي علماء الدين في هؤلاء؟ وهل تقبل صلاتهم وهم يناقضون حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الذي يحث على إماطة الاذى عن الطريق وهم يؤذون الناس بإغلاقهم للطرق أو إيقاف سياراتهم خلف الآخرين خلال اوقات الصلوات!!
هذه مشاهدات شبه يومية لفئة اصبحت للأسف بوقاحتها واستهتارها بأنظمة المرور تسبب الكثير من الحوادث وتسيء لأفراد المجتمع بشكل خاص ولاسم قطر بشكل عام. فئة أمنت العقوبة فأساءت الادب. فئة تعرف ان رجال المرور في الطرق ممثلون في جهاز الرادار فقط. فئة استشرى داؤها فأصبحت بأفعالها مثال يحتذيه السائقون الآخرون.
نحن نحتاج من وزارة الداخلية ورجال المرور ان يفرضوا وجودهم في الطرق وبالاخص الطرق السريعة، وان يفرضوا هيبتهم المنتهكة من قبل القلة المستهترة بالانظمة وبسلوكيات احترام الدولة والناس. ما الذي يمنع قيام الشرطة بإيقاف المخالفين وإصدار المخالفات المرورية اسوة بما هو معمول به في امريكا والدول الاوروبية، وحتى يرى الآخرون ان الشرطة حاضرة وان المخالف سيتم ايقافه؟ لماذا لا نرى الشرطة تتجول بسيارات عادية لضبط المخالفين؟ وبهذه الطريقة سنجعل من تسول له نفسه التفكير 100 مرة قبل ان يقدم على مخالفة انظمة المرور. ففي نظره ستكون كل سيارة من الممكن ان تكون سيارة لشرطة المرور.
والهيئه الوطنية للسلامة المرورية مقصرة في عدم استجابتها بشكل سريع لوضع حلول مناسبة للحد من حوادث الطرق وبالاخص انشاء معابر للمشاة في المناطق ذات الكثافة المروريه وكأنهم ينتظرون وقوع ضحايا اولا. بعض شوارع الدولة قديمة ومتهالكة وتحتاج لإعادة تخطيط مروري نظراً لتغير الطبوغرافيا السكانية للمناطق. ونحن نحتاج لإجابات عن اسئلة من نوع: لماذا لا نبدأ تطبيق مفهوم الطرق ذات الاتجاة الواحد. لماذا تمنح الدولة ترخيصاً لبناء مجمعات تجارية وما حولها من طرق لا يتحمل سيارات بذات الكثافة التي يحتاجها المجمع التجاري.
وفي المقابل لدينا للاسف تقصير من افراد المجتمع (ما ذكرت اعلاه نماذج منها )، وهنا اخص الآباء في المقام الاول واستهتارهم بأرواح ابنائهم ونشأتهم الصحيحة. بعضهم للاسف يسمح لابنه بقيادة السيارات في سن مبكرة وبدون حصوله على رخصة قيادة وكأن قيادة السيارة أحد مستلزمات الرجولة المطلوبة اجتماعياً. وتجد ذلك الاب آخر من يعلم عن سلوكيات ابنه في الشوارع. فهو لا يعلم او يتجاهل العلم ان ابنه يتسكع في الشوارع بالنهار والليل. ففي النهار تجدهم في الاسواق التجارية جلوساً في المقاهي وفي الليل يتسكعون في الطرق. والادهى ان البعض لا يسأل عن ابنه اطلاقا وهو يعلم انه يسهر الليل بطوله ولا يعود الى البيت الا بعد ان يفطر في احد المطاعم المشهورة. ولا استطيع ان اخمن كيف يستطيع هذا المتسكع ان يستوعب شيئا في المدرسة وهو قد سهر الليل كله.
كنت مرة في زيارة الى احدى الدول الاوروبية واحتجت لشراء حاجة لي، فدخلت احد المجمعات التجارية بعد الساعة العاشرة صباحا، وخلال تجوالي رأيت اثنين من الشرطة يستجوبان ثلاثة شباب بشأن عدم وجودهم في مدارسهم. وحسب ما فهمته لاحقا ان القانون هناك يجيز للشرطة القبض على الطلاب اذا تخلفوا عن الالتحاق بمدارسهم لأسباب غير مقبولة. هل رأيتم كم عدد هؤلاء الطلبة يتسكعون في المجمعات التجاريه صباحاً؟!
ونأتي للطامة الكبرى، حين ترى الاب يحمل ابنه في احضانه وهو يقود السيارة، ولا يدري هذا الجاهل ان ابنه سيكون الضحية الاولى لو حدث حادث. فالمعلوم ان السيارة اذا تعرضت لحادث وهي تسير بسرعة ٦٠ كيلومترا بالساعة تدفع من بداخلها — اذا لم يربطوا الاحزمة — الى النافذة بقوة تحطم جمجمة الطفل والسائق وزجاج السيارة.
لدينا حقيقة نتفق عليها وهي مسلسل الوفيات شبه اليومية من جراء الحوادث المرورية ولدينا الاسباب التي ذكرتها إدارة المرور في مؤتمرها والمتمثلة في عدم الالتزام بالإرشادات المرورية، واستخدام الجوالات أثناء القيادة، وعدم ربط حزام الأمان وانشغال السائق بغير الطريق، وتجاوز السرعة المقررة. ولدينا الاسباب الاخرى التي ذكرناها والتي نرى ان علاجها سيقلل من نسبة الحوادث.
وعلينا جميعا ان نتكاتف ونعمل من أجل رفعة مستويات السلامة المرورية لدى الدولة من خلال نشر الوعي العام المروري والاخلاقي بين كافة شرائح المجتمع بهدف المحافظة على مقومات الدولة البشرية والاقتصادية.
رثاء في أخي عبدالعزيز
أكثر من ستة أشهرٍ مضت يا أخي وما زال الغياب يرفض أن يصبح حقيقة. ما زلتُ كلما اجتمعنا... اقرأ المزيد
66
| 07 يونيو 2026
لماذا أخفقت توقعات الـ 200 دولار للبرميل؟
أثقلت كاهلنا توقعات خبراء النفط والمحللين الاقتصاديين المتكررة منذ سنين؛ بأن أي مواجهة عسكرية، أو أزمة سياسية، أو... اقرأ المزيد
66
| 07 يونيو 2026
رفيق كل الدروب
في رحلة الحياة الطويلة، نلتقي بالكثير من الأشخاص. بعضهم يمر كنسمة عابرة لا تترك أثراً، وبعضهم يمر كفصلٍ... اقرأ المزيد
126
| 07 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2802
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2550
| 02 يونيو 2026
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف بين صوتين داخلنا؛ صوت القلب وصوت العقل. أحيانًا يميل الإنسان إلى مشاعره فيتخذ قرارات سريعة بدافع الحب أو الغضب أو الحزن، ثم يكتشف بعد فترة أنه أخطأ التقدير. لذلك قيل دائمًا: “فكّروا بعقولكم وليس فقط بقلوبكم”، لأن العقل هو النور الذي يرشد الإنسان عندما تتشابك المشاعر وتختلط الحقائق. القلب جميل، وبدونه تصبح الحياة جافة وخالية من الإحساس، فهو مصدر الرحمة والحنان والمحبة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القلب وحده هو القائد لكل قراراتنا. فكم من إنسان سامح كثيرًا حتى كُسر، وكم من شخص وثق بمن لا يستحق فقط لأنه استمع لعاطفته، وكم من قرار اتُّخذ في لحظة انفعال فترك أثرًا طويلًا من الندم. المشاعر وحدها لا تكفي لنعيش بأمان، لأن العاطفة قد تعمينا أحيانًا عن رؤية الحقيقة. أما العقل فهو القادر على الموازنة، وعلى رؤية الأمور من جميع الزوايا. العقل لا يعني القسوة كما يعتقد البعض، بل يعني الحكمة والوعي والتفكير قبل اتخاذ أي خطوة. الإنسان العاقل لا يندفع خلف كل كلمة يسمعها، ولا يصدق كل مشاعر يعيشها، بل يتوقف قليلًا، يفكر، يحلل، ثم يقرر. وهذا ما يجعل قراراته أكثر استقرارًا وأقل ألمًا. وكثيرًا ما تظهر أهمية العقل في الأوقات الصعبة، خاصة عند مرض شخص قريب وعزيز على قلوبنا. ففي لحظات الخوف والقلق قد نتخذ قرارات بدافع المشاعر فقط، دون تفكير هادئ أو استشارة صحيحة، ثم نندم لاحقًا عندما تظهر نتائج تلك القرارات. أحيانًا يحكمنا الخوف فنرفض علاجًا، أو نوافق على أمر دون دراسة، أو ننهار نفسيًا فنفقد القدرة على التفكير السليم. لذلك في أوقات الألم نحن بحاجة لأن نتمسك بالعقل أكثر، لا لأننا بلا مشاعر، بل لأن الموقف يحتاج حكمة حتى لا تكون نتائج القرار وخيمة علينا وعلى من نحب. كثير من المشاكل الأسرية أو الاجتماعية بدأت بسبب لحظة غضب لم يتحكم فيها العقل. كلمة قيلت دون تفكير قد تهدم علاقة سنوات، وقرار متسرع قد يغيّر حياة كاملة. لذلك نحن بحاجة لأن نعطي لعقولنا فرصة قبل أن نتصرف. ليس ضعفًا أن نتأنى، وليس برودًا أن نفكر، بل هو نضج يحمي الإنسان من أخطاء كثيرة. وفي المقابل، لا يعني استخدام العقل أن نتخلى عن مشاعرنا أو نصبح بلا قلب. الإنسان المتوازن هو من يجعل العقل قائدًا، والقلب داعمًا. فالعقل يحدد الطريق الصحيح، والقلب يمنح هذا الطريق إنسانية ورحمة. عندما يتعاون الاثنان، يعيش الإنسان بسلام داخلي ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات. في النهاية، القلب قد يقودنا للحب، لكن العقل يحمينا من الألم. والقلب قد يدفعنا للتسامح، لكن العقل يعلّمنا متى نتوقف. لذلك اجعلوا مشاعركم جميلة، لكن لا تسمحوا لها أن تعميكم عن الحقيقة. فالحياة تحتاج قلبًا يشعر… وعقلًا يفكر.
2466
| 02 يونيو 2026