رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تؤثر ظاهرة هبوط أسعار النفط بشكل قياسي في النصف الثاني من عام 2014 على مخصصات النفقات في السعودية للسنة المالية 2015 الأمر الذي يعكس الوضع المالي السليم والقوي للمملكة. لكن تأثير تراجع أسعار النفط واضح فيما يخص الإيرادات من جهة والعجز المتوقع من جهة أخرى.
فقد تم إعداد موازنة السنة المالية 2015 بنفقات قدرها 230 مليار دولار مقابل إيرادات بنحو 191 مليار دولار، وبالتالي رصد عجز متوقع قدر0 39 مليار دولار.. وهذا يعني عدم حصول تغيير لقيمة النفقات المعتمدة وليست بالضرورة الفعلية ما بين 2014 و 2015. وقد جرت العادة حصول تغيير في أرقام النفقات والإيرادات مع نهاية السنة المالية لأسباب لها علاقة بالمتوسط الفعلي لأسعار النفط في السوق العالمية.
الأرقام شبه النهائية لعام 2014 عبارة عن نفقات وإيرادات قدرها 293 مليار دولار و 279 مليار دولار على التوالي، ما يعني رصد عجز في حدود 14 مليار دولار، وعليه، تزيد النفقات الفعلية لعام 2014 بواقع 22 بالمائة عن تلك المعتمدة للسنة المالية 2015.
اللافت أنها المرة الأولى منذ سبعة أعوام والتي يتم فيها إقرار عجز في المالية العامة للمملكة. بالعودة للوراء، تم تسجيل فائض قدره 103 مليارات دولار في السنة المالية 2012 عندما بلغ متوسط سعر النفط 109 دولارات للبرميل. لكن انخفض الفائض إلى 53 مليار دولار في 2013 مع تراجع أسعار النفط إلى 105 دولارات للبرميل وارتفاع قيمة النفقات.
يبلغ متوسط 2014 قرابة 96 دولارا للبرميل نظرا لصمود الأسعار في النصف الأول خلاف ما ظهر عليه الحال في النصف الثاني من السنة. كما تتوقع العديد من الأبحاث لفرضية تسجيل مستوى متدن للأسعار في عام 2015 بناء على المعطيات الموجودة في سوق النفط العالمية. وربما ترتفع أسعار النفط في حال حدوث تطورات سياسية وأمنية خلال 2015 وخصوصا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وهذا لا يمكن استبعاده، وقد تبدأ عملية توازن لأسعار النفط في حال دخول فصل شتاء "قارص".
يشكل القطاع النفطي حجر الزاوية في الاقتصاد السعودي بدليل تشكيله قرابة 90 بالمائة من دخل الخزانة العامة، ما يعني بأن نفقات القطاع العام تعتمد أساسا على إيرادات القطاع النفطي.. وعلى هذا الأساس، تعتمد رفاهية الاقتصاد السعودي بشكل جلي على التطورات التي تحصل في أسواق النفط العالمية.
من جهة أخرى، يقابل تراجع أسعار النفط ظواهر إيجابية في الاقتصاد السعودي.. على سبيل المثال، يتمتع الاقتصاد السعودي بالعديد من مواطن القوى من قبيل شبه غياب عامل التضخم، حيث بلغ متوسط مؤشر الأسعار أقل من 3 بالمائة أو تحديدا 2.7 بالمائة في 2014. ومن شأن ظاهرة تراجع أسعار النفط إبعاد فرضية حصول ارتفاع غير عادي لمؤشر التضخم خلال 2015 لأنه جرت العادة بأن تقوم بعض الدول المصدرة ألمانيا واليابان والصين والهند وكوريا برفع قيم منتجاتها المصدرة في خضم ارتفاع وليس انخفاض أسعار النفط بقصد التعويض.. فهذا ما حدث ما بين عامي 2007 و 2008 وعرف بظاهرة التضخم المستورد عند ارتفاع أسعار النفط لمستويات قياسية.
أيضا، لا توجد معضلة الدين العام في السعودية بدليل تشكليه أقل من 2 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2014.. مما لا شك فيه، أمر جدير نجاح السعودية بتخفيض معضلة المديونية العامة من 82 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2003 لنحو 1.6 بالمائة فقط من الناتج المحلي الإجمالي في 2014. ويعود الأمر إلى إصرار السلطات في توظيف جانب من العوائد النفطية الإضافية للتخلص من أعباء المديونية وهو تصرف يستحق الإشادة. كما تبين إيجابية هذه الخطوة مع هبوط أسعار النفط وبالتالي تقليص العوائد المالية طبعا مع غياب التهديد التضخمي.
حقيقة القول، تتمتع السعودية بأوضاع مالية مريحة تمنحها قدرة تغطية العجز المالي لعام 2014 وقدره 14 مليار دولار وكذلك المعتمد لعام 2015 أي 39 مليار دولار. فلدى السعودية صافي أصول أو ثروة سيادية بقيمة 773 مليار دولار أي أكبر من حجم الناتج المحلي الإجمالي للمملكة وقدره 752 مليار دولار في 2014.
يلاحظ بأن نفقات 2015 تشكل قرابة 31 بالمائة من قيمة الناتج المحلي الإجمالي للمملكة الأمر الذي يعكس الأهمية النسبية الكبيرة للنفقات العامة في الاقتصاد السعودي. تساهم نفقات الحكومة في منح مستثمري القطاع الخاص فرصة التعرف على توجهات القطاع العام خلال فترة الموازنة.
فيما يخص توزيع النفقات، يلاحظ بأن مخصصات التعليم والتدريب تشكل قرابة ربع النفقات العامة لموازنة 2015 أي 58 مليار دولار ما يعكس خيارا وتوجها واضحا لدى صناع القرار في السعودية. كما يعد أمرا مقدرا تخصيص 43 مليار دولار للخدمات الصحية في المملكة المترامية الأطراف. اللافت في هذا الصدد بأن مخصصات مشروع مترو الرياض والمقدرة بنحو 22 مليار دولار خارج مشروع الموازنة العامة، إذ يتم تمويل المشروع الحيوي من مصادر أخرى. يعد المشروع حيويا بالنسبة لعاصمة تتميز بجملة أمور منها شرف أكبر مصدر للنفط الخام في العالم.
لدى المملكة قدرة إنتاجية تصل لحد 12 مليون برميل يوميا في حال تطلب الأمر لكن يوجد بأن يبلغ المتوسط في حدود 9.5 مليون برميل يوميا.. ويبدوا أن إصرار المملكة للحفاظ على حصتها في سوق النفط العالمية دفعها لرفض خيار الحد من مستوى الإنتاج النفي لمنظمة أوبك مع ما لذلك من تداعيات على مستويات الأسعار.
باختصار، تؤكد إحصاءات موازنة السنة المالية 2015 أن الظروف المالية في السعودية ليست مصدر قلق لكن دونما إغفال بعض التحديات مثل هبوط إيرادات الخزانة العامة ورصد عجز في المالية العامة.
آفاق الاقتصاد الخليجي
15 % نسبة ارتفاع النفقات العامة تتوقع المؤسسات الدولية ذات العلاقة والمعنية بالمسائل الاقتصادية في العالم أداء طيبا... اقرأ المزيد
756
| 30 ديسمبر 2018
تكيف المنظومة الخليجية مع أسعار النفط
توجيه دفة الاقتصاد الوطني لتقوية القطاع الخاص يوماً بعد آخر يتبين بالأدلة المادية تمكن اقتصادات دول مجلس التعاون... اقرأ المزيد
583
| 16 ديسمبر 2018
نفقات السائح الخليجي
توجيه الاستثمارات لبناء وتطوير المطارات السائح الخليجي مرحب به في الدول الأوروبية بشكل خاص نظراً لتمتعه بالصفات الحيوية... اقرأ المزيد
819
| 09 ديسمبر 2018
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4245
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3168
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1116
| 28 سبتمبر 2026