رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبد الله النعمة

مساحة إعلانية

مقالات

120

د. عبد الله النعمة

الآيباد صار «لهّاية» البيت

28 أكتوبر 2026 , 12:00ص

في 3 يوليو 2025 بدأ في فرنسا سريان سطرٍ قصيرٍ أضافه قرارٌ صدر في 27 يونيو إلى الميثاق الوطني لاستقبال الطفل الصغير: يُمنع تعريض الطفل دون الثالثة للشاشة في دور الحضانة. ولم تقف الدولة عند الحضانة، فالصندوق الوطني للتأمين الصحي (Caisse nationale de l›assurance maladie) يتولّى إرسال رسالةٍ تربوية إلى أهل كل طفلٍ دون الثالثة، من بنودها ألّا تُستعمل الشاشة لتهدئة الطفل.

هذا البند الأخير يصف مشهدًا نعرفه في بيوتنا. يقول الصغير: «يبه، أنا متملل»، فيمتدّ إليه الآيباد قبل أن يُكمل جملته. نسمّي ذلك ترفيهًا، وهو في حقيقته «لهّاية» رقمية، أداةٌ لإسكات الطفل لا لإسعاده. والفرق بين التسميتين ليس لفظيًّا: الترفيه موضوعه هو جودة محتواه، أما اللهّاية فهي تمنع الحدوث.

وما تمنعه هو الملل. عاش جيلنا ظُهيراتٍ طويلة بلا قنواتٍ ولا إنترنت، فصنع سياراتٍ من علب المشروبات الفارغة، ونسج حكاياتٍ من نقوش السجّاد، وفكّك المذياع ليرى ما في جوفه. كان العقل إذا وجد نفسه فارغًا اضطُرّ إلى أن يصنع لعبته بدل أن يستهلك لعبة غيره. والطفل الذي لا يُترك ليملّ لا يتعلّم هذه الصنعة، فيكبر وهو لا يحتمل دقيقتين بلا مثير.

ولماذا انتقلت فرنسا من النصيحة إلى المنع؟ لأن العادة سبقت النصيحة. ففي تقرير المجموعة الاستشارية لوقت الشاشة في السنوات المبكرة (Early Years Screen Time Advisory Group)، الذي كلّفت به وزارتا التعليم والصحة في بريطانيا ونُشر في 27 مارس 2026، أن الطفل البريطاني في الثانية من عمره يقضي 127 دقيقة يوميًّا أمام الشاشة، وأن 2% فقط من أطفال هذه السنّ لا يستعملونها يوميًّا. وأوصى التقرير بتجنّب الشاشة قبل الثانية إلا في نشاطٍ مشتركٍ مع الأهل، وبألّا تتجاوز ساعةً في اليوم بين الثانية والخامسة. فإذا صارت الشاشة عادةً شبه شاملة في الثانية، لم يعد الإرشاد الذي يقرأه من شاء كافيًا، ووجب أن يُحمل إلى حيث يصل كل طفل: الحضانة المرخَّصة، ورسالةٌ تصل إلى كل أسرة.

وقطر لم تتأخّر في ملف الطفل الرقمي. فقد وافق مجلس الوزراء في 14 أكتوبر 2026 على مشروع قانون الحماية الرقمية للطفل الذي اقترحه مجلس الشورى، وكلّف وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة باتخاذ ما يلزم في ضوء دراسة السلامة الرقمية للأطفال واليافعين. وتجري الآن حملة «أسرة واعية رقميًّا» بمشاركة 20 جهةً وطنية، تحت شعار «حمايتهم... مسؤوليتكم».

غير أن علّة المشروع كما عرضها مجلس الشورى هي المحتوى الضارّ والتنمّر والاستغلال الرقمي وحماية البيانات، والمرحلة الأولى من الحملة عنوانها الوعي بالمخاطر الرقمية والمحتوى غير الآمن. وهذا كلّه حمايةٌ للطفل ممّا في الشاشة. أما الشاشة نفسها، حين تُناوَل لطفلٍ في الثانية ليسكت، فقد يكون محتواها بريئًا تمامًا، وضررها فيما أخذته من كلامه ولعبه وملله. فالفجوة، فيما أُعلن حتى الآن، ليست في الوعي بالخطر الرقمي، بل في أن السنوات الأولى لا تظهر في خطابه المعلن.

وقد يُقال إن الأهل يحتاجون إلى ساعة هدوء، وإن الدولة لا تدخل البيوت. والمقترح لا يدخل البيت، بل يمنح الأب والأم مرجعًا رسميًّا يستندان إليه حين يقولان «لا»، كما يستندان إلى جدول التطعيمات فلا يجادلهما فيه أحد. والهدوء الذي يُشترى بالشاشة اليوم يُدفع ثمنه غدًا من صبر الطفل وانتباهه.

والمقترح هو مدخلها اللحظة التشريعية الجارية. بأن تتضمّن اللائحة التنفيذية لقانون الحماية الرقمية للطفل حين يصدر - أو دليلٌ رسميٌّ مصاحبٌ له- إرشادًا عمريًّا صريحًا لما دون الخامسة، يُكتب بلغة البيت لا بلغة المختبر. والثانية هي أن يصير منع الشاشة لما دون الثالثة شرطًا من شروط ترخيص دور الحضانة، فالقانون رقم 1 لسنة 2014 الذي ينظّمها يسري أصلًا على الأطفال دون الرابعة، والأداة قائمة تنتظر بندًا. والمقترح الأخير هو مشاركة الجمهور في الإنجازات ومؤشرات تسعد المجتمع أو تضعه في دائرة المسؤولية. 

وحين يقول طفلك غدًا «يبه، أنا متملل»، فأنفع جوابٍ هو الجواب الذي مارسه آباؤنا علينا: «ممتاز، ورّني إيش ممكن تخترع؟».

مساحة إعلانية