رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ألقى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى خطاباً جامعاً من على منبر الأمم المتحدة خلال مشاركته في الجلسة الافتتاحية للدورة 69 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك يوم الأربعاء 24/9/2014. وهو أول خطاب لسموه في الأمم المتحدة. ولقد اتسم الخطاب بالشفافية والموضوعية، وتجاوز إنشائيات الدبلوماسية التي غالباً ما تتسم بها الخطابات في ذاك المحفل.
وكان أول ما أكد عليه الخطاب هو الدعوة للحوار والمساواة، وهما قيمتان ثمينتان تؤكدان الحق في التحاور وتساوي البشر، دونما فرض أو إكراه. وهاتان القيمتان يرتكز عليهما النظام السياسي العالمي، وأيضاً تُشكلان دعامة النظام الاجتماعي بين البشر. ولقد أكد عليهما القرآن الكريم في أكثر من موقع (وشاورهم في الأمر.. وجادلهم بالتي هي أحسن )!. فالحوار لا يتحقق إلا باعتراف طرفيه بالمساواة دونما إشعار أي طرف بالدونية أو إظهار الاستعلاء، أو التهديد في الحوار. كما أَلحقَ سموه هاتين القيمتين بضرورة الإلتزام بأحكام القانون الدولي واحترام مبادئ حقوق الإنسان وحقوق الشعوب. وأعتقد أن العالم العربي والإسلامي — المسكون بالخوف والضجر والتسلط البوليسي — في حاجة إلى الالتفات إلى هذه القيم، لأن عدم الالتزام بأحكام القانون الدولي يجعل من هذا العالم " غابة " يأكل كبيرُها صغيرَها، ويتغّول قويُها على ضعيفِها، وبذلك تضيع حقوق البشر. كما أن حقوق الإنسان — في أغلب بقاع هذا العالم العربي والإسلامي — ما زالت مُنتقصة، ويعتمد التعامل مع الإنسان على المزاجية، وعلى "مقاربات" أكثر ما يمكن أن يُقال عنها أنها تجترئ على حقوق الإنسان، وتخالف القيم والأعراف. كما أن احترام حقوق الشعوب — تعني ضمن ما تعني — حق المواطنة، بكل ما فيها من حقوق وواجبات، وحق العمل وحق تكافؤ الفرص وحق التعبير وحق الأمن وحق التعامل على أساس من المساواة، طبقاً لما نص عليه الإعلانُ العالمي لحقوق الإنسان. ولقد وُفقَ سموه حفظه الله في الإشارة إلى هذه القيم التي تحتاجها بقاعٌ شتى من العالم العربي والإسلامي.
ولقد أشار سموه إلى القضية الإنسانية العادلة للشعب الفلسطيني، وضرورة وقف حرب القوة التي تمارسها إسرائيل في (غزة) واستهداف المدنيين بلا رحمة، والدمار الشامل الذي أحدثه العدوان على (غزة) أمام مرأى من العالم، ولم تتحرك القوى الفاعلة للضغط على إسرائيل وكبح جماح آلة العدوان ضد الشعب الفلسطيني الأعزل. وطالب سموه مجلسَ الأمن بأن يتحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، ويبتعد عن " الانتقائية" التي اتسمت بها معالجاتُ هذا المجلس للقضية الفلسطينية. كما طالب بتطبيق بنود الفصل السابع من الميثاق بإلزام إسرائيل بإنهاء احتلال عام 1967 وتنفيذ حلِّ الدولتين حسبما توافق عليه المجتمع الدولي.
وفي حقيقة الأمر، فإن القضية الفلسطينية ما زالت تعيش في وجدان المخلصين من العرب — الذين لم يتخذوا من القضية " تجارة " لبناء القصور في المنافي — الذين يطالبون بأدنى ما يُمكن تحقيقه، وهو عودة الحق لأصحابه وفقَ ما توافق عليه المجتمع الدولي من خلال قرارات مجلس الأمن ذات الصلة. وما زالت المطالبات تتكرر نحو تفعيل تلك القرارات بما يضمن عودة تلك الحقوق لأصحابها، ووقف عنف آلة الحرب العسكرية الإسرائيلية، وأن يعيش الشعب الفلسطيني بكرامته مثل بقية الشعوب، وتنتهى آخر حلقات الاستعمار الحديث. وهذا ما توكد عليه ليس المواثيقُ الدولية فحسب، بل تطالبُ به كلُ الشعوب المتطلعة للحرية والكرامة.
القضية الأخرى التي تطرَّق إليها خطاب سمو الأمير كانت القضية السورية، وهي مأساة شعبٍ أراد أن يعش بحرية وكرامة مثل بقية الشعوب!. ولا يجوز " تأثيم" هذا الشعب عندما رفع رأسه مُطالباً بتلك الحرية وتلك الكرامة. لكن المأساة قد تجاوزت الحد، بعد ثلاث سنوات من العنف الذي مارسته آلةُ الحرب الرسمية، وتدُّخل الأطراف الأخرى في الساحة السورية. حيث حصدت الحربُ أكثر من 200 ألف شخص، وشرَّدت الملايين — ما يقارب نصف الشعب السوري داخل وخارج سوريا — وتأخر المجتمع الدولي ثلاث سنوات ليتداعى في هذا الشهر بتكوين تحالف دولي لتوجيه ضربات لعناصر الدولة الإسلامية (داعش) في سوريا، نظراً لارتكابهم أعمالاً وحشية لا يُقرها القانون ولا القيم ولا المنطق. ذلك أن اختلال الأمن في سوريا أتاح الفرصة للخلايا النائمة وانتعشت " شرنقات" الإرهاب وذاق الشعبُ السوري ويلات تلك الممارسات ضد الإنسانية، الأمر الذي أوصل هذا الشعب إلى مأساة حقيقية وصفها سمو الأمير بأنها " كماشة إرهاب النظام وإرهاب القوى المتطرفة التي نَمت في مستنقع العنف ". كما طالب سموه مجلسَ الأمن بأن يتحمل مسؤوليته القانونية والإنسانية على وجه السرعة لدعم الشعب السوري ضد الخطرين المُحْدقين به، خطر إرهاب النظام وخطر القوى الإرهابية، وفي ذلك رسالة واضحة بأن المجتمع الدولي لم يعد يستحمل ممارسات ذاك النظام أو سوءَ موقفه من شعبه، ولا بد — بعد 3 أعوام من تلك الممارسات وحرب براميل النار والأسلحة الكيماوية وتدمير البيوت على رؤوس أهليها — من تدَّخل دولي، وقرار واضح من مجلس الأمن يُجبر النظام الاستجابةَ لتطلعات الشعب السوري وخياراته العادلة لنَيل حقوقه الأساسية وكرامته المُنتهكة.
الموضوع الهام الذي تطرق إليه سمو الأمير في خطابه الشامل هو موضوع الإرهاب، الذي ظهر بأشكال ونماذج عدة، طالت حالات التفكير والاعتقاد والحياة ؛ لدرجة المساس بالمعتقدات الإسلامية السمحاء، واتخاذ ذلك مطية لارهاب الناس وترويعهم وقتلهم دون حق وتأليب الرأي العام العالمي ضد كل ما هو إسلامي. وفي حقيقة الأمر، فإن إدخال الدين في السياسة، كان من أكبر الأخطاء التي أقدمت عليها الجماعات المتطرفة، والتي انتهجت العنفَ طريقاً لزعزعة الأمن والاستقرار في عدة مناطق في العالم، لعل أبرزها في العراق وسوريا. ولقد أتى سمو الأمير بمعادلة واضحة عندما أشار إلى أن المجتمعات يجب ألاّ " نُخيّرها بين الارهاب والاستبداد، أو بين الارهاب والتمييز الطائفي "!؟. وكانت هذه من المحطات الهامة في خطاب سموه، إذ أن الاستبداد وسوء استخدام السلطة من عوامل نشوء الارهاب وانتعاشه؛ مهما طال أمدُ (صبر الشعوب ). كما أن (التمييز الطائفي) أو الفصل العنصري — مهما كانت أشكاله — وهو أمر مُطبَّق وبائن في العديد من الأنظمة العربية والإسلامية، يُهيئُ المناخات لظهور الحركات الارهابية التي تقضُّ مضجعَ الشعوب والدول على السواء، وتعرقل خِطط الدول نحو إقامة الدولة العصرية وتحقيق التنمية للشعوب. وهذا ما عناه سمو الأمير في إشارته إلى العراق، وضرورة وقوف المجتمع الدولي " بحزم إلى جانب العراق الشقيق لمواجهة الإرهاب، للخروج من محنته والحفاظ على سيادته ووحدة أراضيه وتنوع طوائفه". ودعا سموه إلى " نزع فتيل الصراع المذهبي وتحقيق المصالحة العراقية ". ونعتقد بأن هذا هو الحل الأمثل لعودة العراق سالماً معافى إلى أهله وعروبته. كما أن الاحتكام غير العاقل لـ " أوزار" التاريخ وأخطاء الماضي، وإلزام المجتمع العراقي (المتعدد الطوائف) على العيش بـ " الاستلذاذ" بتعذيب الذات بتكرار تلك الأوزار والأخطاء، من الممارسات الخاطئة وغير الحضارية لشعب متحضر، وهي لا تخدم لا العراق ولا العراقيين.
تطرق سمو الأمير أيضاً إلى الأوضاع في كل من ليبيا وتونس واليمن، وأشار سموه إلى خطوات دولة قطر في برامج التنمية استناداً إلى خطة 2015 ورؤية قطر 2030، الهادفة لتحقيق التنمية في شتى المجالات على المستوى الداخلي. وفي هذا الشأن لابد من الإشارة إلى تبوؤ دولة قطر المراكز المتقدمة في قوائم الرخاء الاقتصادي وارتفاع معدلات التنمية. وحرص الدولة على تقديم المساعدات للشعوب الأخرى، حيث بلغت المساعدات الإنسانية الحكومية 2ر2 مليار دولار، والمساعدات غير الحكومية 390 مليون دولار، وهو جزء يسير من إلتزام دولة قطر بمساعدة الشعوب الأخرى، ورفع معدلات التنمية فيها. وهذا يردُّ على العديد من " أبواق الضجيج" التي تنعت دولَ الخليج بأنها " نادي للأغنياء " فقط.
خطاب سمو الأمير حفظه الله لم يكن عادياً، ولمسَ جوانبَ عدة مما تأمله الشعوب المُحبة للسلام والأمن والرخاء، ووضعَ الخطابُ الأمورَ في مكانها المناسب بكل شفافية ومسؤولية.
الوكالات التجارية والالتزامات الوطنية
جاء التطور الاقتصادي للدولة على شكل تشريعات مرحلية تهدف إلى تعزيز كفاءة السوق وفتح أبواب جديدة للنمو، ومن... اقرأ المزيد
144
| 27 فبراير 2026
القيادة الرشيدة.. اهتمام وأولوية لحماية البيئة
يمثل يوم البيئة القطري، الذي يوافق 26 فبراير من كل عام، مناسبة وطنية مهمة، وهو يعكس ادراك الدولة... اقرأ المزيد
78
| 27 فبراير 2026
السياسة بالمدفع.. هل يُقتل الفكر بالرصاص؟
السودان اليوم ليس مجرد ساحة حرب مفتوحة، بل مرآة موجعة لأسئلة قديمة تتكرر كلما عجزت السياسة عن إدارة... اقرأ المزيد
78
| 27 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما زالت تتساقط في فضاء واقع ما زالت فيه ترسبات أحداث الإبادة في غزة حاضرة في الذهنية الإنسانية وجاءت إفصاحات ابستين لتتعالق معها وتخلق علاقات كانت خافية على المراقبين ومغلفة في عالم المصالح والمنافع، هذا التهاوي وترسباته يعطي دلالات على عالم يباد وعالم ينشأ من خلال الأحداث وتداعياتها ليتكوّن على ارض واقع جديد، فما حدث لأطفال أمريكا لا يختلف عما حدث لأطفال غزة تشويها وقتلا من قبل عقلية ترى انهم غير بشر وسترى البشرية أن عقلية وذهنية ما قام به ابستين وشركاؤه مماثل لما يحدث في فلسطين وأطفال ونساء غزة من إجرام وقتل وإبادة وفي الكثير من الأحيان في احتفالات تبرز نفسيات عدمت الإنسانية. تساقط فتات الإفصاحات والفيديوهات كما يتساقط فتات الأحياء المائية في وسط المياه ليتراكم ويخلق شعابا في الطبيعة هي مأوى للكائنات الحية المائية ولكن فتات إفصاحات ابستين والكيان يكوّنان حطاما لشعاب سامة شيطانية مظلمة لا يعيش فيها إلا الشياطين. أين سيتموضع العالم وإلى أي مدى سيعاد تشكيل الضمير العالمي وكيف ستتشكل المفاهيم وتتحول العداءات من الإسلاموفوبيا إلى محبة، كيف ستتمحور مفاهيم الإسلاموفوبيا والهولوكوست ومعاداة السامية وغيرها وفلسطين والفلسطينيين وكيف سيرى الناس معاناة فلسطين وغزة والضفة، من سيسقط ومن سيحاكم، وكيف سيتعامل الناس مع الدين والمبادئ، ولتقع ترسبات فظائع ابستين والنخبة أينما تقع فبعد أن تبددت هالة الظلام والهيمنة ستكون تداعياتها هي المحرك للتغيير في ذهنية العالم لتنشئ وعيا أمميا جديدا ينهي زمن الظلام. تزامن هذا التكاثف مع حشد عظيم في منطقة الخليج وجهود إبراز عظيم القوة حتى تتمكن الإدارة الأمريكية من الحصول على أفضل صفقة مع إيران. جمعت الإدارة الأمريكية كل ما لدى أمريكا من قدرات وإمكانات وبعثتها للخليج في موجات الموجة الأولى مع التهديد والوعيد إلى الغزو والنفير، وبعد ذلك التهديد والوعيد اصبح طريق التفاوض ممهدا بعد ان كان بعيد المنال، فكانت المرحلة الأولى في تحديد الموقع والمكان ووضع إطار للمفاوضات يبدو أن الإيرانيين قادرون على تحديد المكان مثل عمان، ففي الإطار التفاوضي ما زالت إيران تقول إن التفاوض والحديث عن النووي فقط كإطار عام وما زالت الخارجية الأمريكية تتحدث عن أربعة مطالب النووي وبرنامج الصواريخ البالستية واحترام سيادة الدول وعدم دعم الميليشيات. وان كانت الإدارة الأمريكية قد استفادت من رفع الضغوط على الإيرانيين وعلى نتنياهو وعلى كل من في المنطقة وصرفت الأنظار عن ملفات ابستين ففي ذهن الإدارة الأمريكية تكون قد حققت ما تصبو اليه من العودة للتفاوض وتجاوز ابستين ومن ثم أيضا سحب القوات الأمريكية إلى الولايات المتحدة فتكون مناطق النفوذ والجغرافيا قد حددت ما بين الولايات المتحدة وجغرافيا أمريكا الشمالية والجنوبية والصين وتايوان وروسيا والدونباس فإعادة رسم الخرائط قد يكون أساس التفاهمات والمواجهة الأمريكية الإيرانية لتحديد الخط الأهم خط الردع في منطقة الشرق الأوسط منطقة النفوذ ونكون على أبواب إعادة تشكيل النظام العالمي ليكون متعدد الأقطاب وقد نرى ضغطا من قبل الصين وروسيا على الولايات المتحدة للعودة للالتزام بالقانون الدولي ومنظمات الأمم المتحدة وتطبيق القانون الدولي مع تحملهم التداعيات المالية وهذا يعني الضربة النهائية في كفن الكيان.
9024
| 23 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
1701
| 25 فبراير 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
1389
| 27 فبراير 2026