رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
النظم المستبدة التي ثارت شعوبها عليها لا يدافع عنها إلا الانتهازيون
النظم المستبدة التي ثارت شعوبها عليها لا يدافع عنها إلا الانتهازيون الذين ينسبون في الأصل لها وينتفعون منها وكثير منهم لا يملكون بدونها حسبا ولا نسبا ولا عدلا ولا صرفا .. فلا غرابة في ذلك ولا عجبا فهم الأنظمة وهي هم .. لكن العجب أن ينبري للدفاع عن هذه النظم علماء دين وفقهاء شريعة ومن يفترض أنهم أئمة الهدى المؤتمنون على عقيدة الأمة وسلوكاتها ! والعجب بل العيب أن يحبسهم البؤس الفكري والأخلاقي عما بلغه الناس من وطنية وتضحية في سبيل الإصلاح والتغيير ! والعجب بل العيب أن تسبقهم في المروءة ومواجهة المخاطر النساء والصبيان ! والعجب بل العيب أن يقعدوا مع الخوالف ممن ( طبع على قلوبهم فهم لا يفقهون ) ؟! فهم حينئذ إنما يصدقون على الإسلام مقولة الملحدين الذين طالما حاولوا ترويج أن "الدين أفيون الشعوب " .. وهنا بالضبط يجدر الرد عليهم ويصير تفنيد آرائهم وبيان تهرئهم الفكري والنفسي واجبا دينيا حتى لا يظن البسطاء ذوو النيات الطيبة من دهماء الناس أنهم علماء وأنهم يتكلمون باسم الدين لا باسم ضعفهم وبؤسهم ومنافعهم ومناصبهم وحساباتهم الصغيرة ..
وبما أن لكل نظام مطبليه ومروجي باطله من هؤلاء ولم نقصد تجريحهم ابتداء فلا أجد وجها لتخصيص أحد منهم بعينه .. " واحد منهم " وفي ندوة جمعته على منصة واحدة مع أنصار الحزب اللاديني الحاكم المستبد الذي يحكم بلده ويذيق أهله ومواطنيه القتل والتشريد والإرهاب ألوانا وأشكالا .. قسّم الثوار – كما يفعل نظامه - إلى " ملقن من بعيد " ومنفذ تابع مغرر به في الداخل ، ثم قال مخاطبا الذي في الداخل : طالبتم قي البداية بالإصلاح ووعدتم به ، ثم طالبتم بالحرية ووعدتم بها ؛ فما بالكم تطالبون بإسقاط النظام ؟ وإلى أين يذهب بكم أولئك ؟ وأضاف : تخرج فئة صالحة في مظاهرة " محقة " ثم يدخل بينهم من يغير الشعارات ويستولي على مظاهرتهم فيتحول النزول للشارع من حق إلى باطل وإلى ذريعة فساد وباب للضرر .. ويصبح حينئذ هذا النزول حراما .. وحاول أن يعطي رأيه قيمة دينية فساق مجموعة من الأحاديث النبوية المطهرة الواردة في الفتن أو المانعة من الخروج على أئمة الهدى ومن صحت البيعة العامة لهم .. فأخرجها عن سياقها واستدل بها في غير دلالتها .. وذكر حديث " وعليك بخاصة نفسك " وحديث " وليسعك بيتك " وحديث " دع كل تلك الفتن " وحديث " من خرج على أمتي لا يفرق بين برها وفاجرها فليس مني ولا أنا منه " وأردف بقوله مستنتجا ومخاطبا الثائرين : " فإن أردتم أن تقطعوا الصلة بالله ورسوله فأعلنوها حتى نعرفكم " في إشارة صريحة إلى أن التظاهر ضد الحاكم الذي هو يدافع عنه يعتبر من قطع الصلة مع الله ورسوله ، وأن حق ذلك الحاكم في الطاعة والبر مستمد من حق الله تعالى وحق رسوله صلى الله عليه وسلم في ذلك ..
وأقول : إن أعسر المحاججات ما يُحتاج فيه لتوضيح الواضح والتدليل على الدليل ذاته ، ومناقشة من وطن نفسه على التملص والعناد، وقديما قالوا ( وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل ) .. وحتى لا أغرق القارئ في تفاصيل الخلاف الفقهي حول مسألة الخروج على الإمام أقول ملخصا إن مسألتنا " موضع الخلاف " لا تتعلق بإمام انعقدت له بيعة صحيحة ، ولا حتى بإمام تغلب على الأمة وهو يحكم فيها شرع الله ويتصف بالعدل ويقوم بحراسة الدين ، ولا تتعلق بخروج دموي وفتنة تختلف فيها المعطيات والمخرجات .. ولكنها قضية أمة تطالب بحقها في أن تقيم لنفسها حاكما صالحا يكون منها ولها ، حاكم يقيم فيها شرع الله والعدل الذي تفتقده بدل الفساد والظلم والرشاوى والوساطات ووعود الإصلاح التي لا تساوي الكلمات الإنشائية التي يقدمها وعودا فارغة من أي مضمون واقعي ولا تعبر إلا عن تملص وحربائية .. وهي قضية أمة تطالب بحاكم يحترم إنسانيتها وحقها في الاعتراض عليه وتصويبه وترده إلى الحق عند اللزوم دون أن يسير عليها الدبابات ومن يسمون ب" الشبيحة " أو " البلطجية " ودون أن يذبح أبناءها وشبابها وحتى نساءها في الشوارع وأمام أهاليهم وعوائلهم كما النعاج والدجاج .. وهي قضية أمة تريد أن تتحرر من قبضة أمنية إرهابية أفسدت الذمم وقتلت النخوة وسلمت البلاد واستذلت العباد !! فهل يصح حينئذ أن تساق الأدلة الشرعية لتحصين نظام هذا حاله ؟ وهل يصح أن يقال للمتظاهرين حينئذ " إن أردتم أن تقطعوا الصلة بالله ورسوله فاقطعوها مع هذا النظام ؟
ألم يخرج معاوية بن أبي سفيان ومعه نصف الصحابة الكرام على علي المبشر بالجنة - رضي الله عنهما - ؟ ألم يخرج الحسين سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني أمية وهم يحكمون بالإسلام ؟ ألم يخرج كبار التابعين الذين نابذوا الحجاج بالسيف كالحسن وسعيد بن جبير والشعبي والقرَاء الأربعة آلاف وهم خيار التابعين وفقهاؤهم والذين قاتلوه مع ابن الأشعث بالأهواز ثم بالبصرة ثم بدير الجماجم من ناحية الفرات وهم خالعون بيعة عبد الملك بن مروان الذي غاية الطعن فيه وفي الحجاج أن يتهما بالجور لا بالكفر ؛ فهل كل هؤلاء مقطوعو الصلة بالله كما يقول هذا " العالم " ؟
الحقيقة أن ما يقوم به الناس في تلك البلاد إنما هو تظاهر وتعاون على إبلاغ النظام رسالة الإصلاح بالقوة الشعبية والسلمية والحقيقة أنهم يضحون في سبيل ذلك بالكثير والقليل .. فهل إذا قام النظام بإدمائهم وقتلهم يصير فعلهم هذا وتظاهرهم على النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حراما ؟ إذن فقد عرف النظام كيف يقلب الحلال بل الواجب إلى حرام في كل مرة وعرف كيف يتلاعب بالأحكام نزولا وصعودا من الواجب إلى الحرام ومن الحرام إلى الواجب .. وما المانع أن يطالب الناس بتغيير نظام لا يتغير من ذاته وتعجز الوسائل " الدستورية " عن تغييره ؛ ومن يفترض أنهم يمثلون الدين والشعب ويعول عليهم رده وردعه هم أكابر المجرمين وهم الذين اختارهم النظام على عينه وصنعهم على يده ؟ ولماذا يريدون الأمة لا كما أرادها الله تعالى ( خير أمة أخرجت للناس ) ؟ ولماذا يريدون الخشية من الناس أعظم من الخشية من الله ؟ ولماذا يصير القول للظالم " ياظالم " مكرمة ويصير السكوت على المعروف الذي صار منكرا وعلى المنكر المجاهر به والذي صار معروفا مفخرة ؟
والحقيقة - أيضا - أن أقصى ما يمكن أن يحتج به هذا " العالم " القاعد الطاعم الكاسي وأمثاله من أدعياء العلم ودعاة الحزب اللاديني لتبرير عدم قيامه بواجب البيان ومؤازرة الثورات هو أن يتعلل بالعجز والترخص .. وهنا يقال له : فرق ما بين أن تعتبر تخلفك رخصة وتقدم الاعتذار وتطلب الإعذار وأن تسكت لكن بعض الشر أهون من بعض .. وفرق بين أن تسكت - ومن مثلك لا يقبل السكوت - وأن تتهم المجاهدين الثائرين المضحين بأنفسهم وأبنائهم وأموالهم بما يقارب الكفر .. وحتى التعلل بالرخصة في السكوت لا نسلم لك به ، فما كان يقبل من ترخص بذلك في البداية حيث الناس يخافون الخروج ويتوقعون الأسوأ وحيث يغلب على ظن المصلحين أنهم قلة معزولة وأنهم ينادون في واد وينفخون في رماد ؛ لا يصلح رخصة بعد أن اشتدت الثورة وحققت بعض مطالبها ودخلت مرحلة اللاعودة واهتز النظام وكاد يسلم بكل مطالبها .. ولا يصلح رخصة بعد أن خرجت الجماهير وصار التخلف عنها جبنا ولا وطنية ولا أخلاقية ولا يناسب شكل الإسلام ولا مضمونه ، وما يصلح رخصة للعوام والدهماء والضعفاء والجهلة لا يصح ولا يصلح رخصة للدعاة والعلماء والقدوات ؛ وإلا فمن يقوم بأمر الدين وبيانه ومن يحفظ الحق ومن يحمي هيبة الدين ؟ وقد شنع الله تعالى على من فعل مثل ذلك من أحبار أهل الكتاب فقال : (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيِّنُّنه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلاً فبئس ما يشترون) آل عمران:187
آخر القول : مشكلة بعض ال " علماء " ( وأقول البعض فقط ) الذين يدافعون عن النظم الجائرة أنهم اختلطوا من جهة سوء الفهم وأن مصادر فهمهم للواقع الذي يوصفونه ويسقطون الأدلة عليه غير موثوقة وغير مستقلة ، ومعظمها إشاعات ومقولات تروجها الأنظمة ثم ينتهي حالهم إلى عدم التوصل إلى ربط صحيح محكم بين الدليل والواقعة المحكوم فيها " ويتبعون من حيث يدرون أو لا يدرون غير سبيل المؤمنين فيضربون بسيف الباطل كأهله ويعترضون طريق الإصلاح كأعدائه وتلتقي فتاواهم بمقولات الملحدين ولا حول ولا قوة إلا بالله ..
من دخل مدخلا خاطئا يخرج منه
نلتقي أحيانا ببقية ممن لا يزالون يعيشون الخيال الذي رسمه لهم السيسي ، ويؤيدونه على غير وعي بما... اقرأ المزيد
637
| 12 يناير 2017
صديقي أقال أحسن موظفيه !
صديقي أقال أحد الموظفين لديه من العمل .. فجاءني الموظف يستشفع بي لدى صديقي كي يعيده للعمل فالموظف... اقرأ المزيد
943
| 05 يناير 2017
سحب الانقلاب المصري مشروع القرار .. خزي يستحقه !
بعد أن سحبت مصر – الانقلاب - مشروع قرار قدمته إلى مجلس الأمن الدولي لإدانة الاستيطان الصهيوني في... اقرأ المزيد
573
| 29 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً من أن يخرج منهم من يهدد ملكه، فكان يستضعفهم ويستعبدهم في الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام وهو واحد منهم ينشأ داخل قصر فرعون يتنفس هواه ويأكل ويشرب ويتعلم فيه. مفارقة تهز الخيال أتوقف هنا معكم أمام سُنة عجيبة من سنن التاريخ، فقد تنشغل قوة عظمى بما يحدث خارج أسوارها بينما التغيير الحقيقي ينمو ببطء داخل أسوارها. وهنا تبدأ القصة فهل يا ترى هناك تشابه؟ فمنذ مطلع هذا القرن ارتبط اسم الولايات المتحدة بحروب وصراعات امتدت عبر رقعة واسعة من العالم الإسلامي أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن وليبيا وغيرها هذا ما ظهر لنا وما خفي عنا أعظم. سقط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في حروب ما بعد 11 سبتمبر وتشير التقديرات إلى أن مجموع الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتلك الحروب بلغ ملايين البشر. دول دُمرت وشعوب شُردت لكن في الجانب الآخر من المحيط وفي داخل أمريكا نفسها كان مشهد مختلف تمامًا يتشكل ببطء بهدوء ومن داخل النظام نفسه كان أبناء الفئات التي ظلت طويلًا بعيدة عن مركز السلطة يكبرون داخل القصر، ففي زمن ليس بعيدًا من التاريخ الأمريكي كان الرجل الأسود يناضل من أجل حقه في الجلوس كإنسان حيث يجلس الأبيض، والدراسة حيث يدرس الأبيض، كان محتقراً إلى درجة أنه لا يسمح له بدخول المدن والجامعات والأحياء التي يعيش فيها البشر بزعمهم. ثم جاء عام 2008 ودخل رجل أسود البيت الأبيض، ليس عاملًا فيه ولا زائرًا، بل رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية (باراك حسين أوباما). صحيح أن أوباما مسيحي وليس مسلمًا ولكن علينا ألا نفقد رمزية المشهد، رجل أسود أبوه أفريقي مسلم النشأة واسمه الأوسط (حسين) وصل إلى المنصب الذي كان محتكراً تاريخيًا على رجال بيض يبدو جزءًا ثابتًا من صورة أمريكا. كان ذلك أول شرخ كبير في الصورة التقليدية لمن يمكنه أن يحكم أمريكا، ثم جاءت مرحلة أصعب (11 سبتمبر). تحول المسلم بعدها في الخطاب الأمريكي إلى موضع خوف وشك، أصبح الإسلام حاضرًا يوميًا تقريبًا في ملفات الإرهاب والأمن والحروب والهجرة. وبعد ربع قرن تقريبًا من حادثة برجي التجارة حدث ما كان يبدو مستحيلًا، مسلم يحكم نيويورك !! زهران ممداني ليس مدينة هامشية صغيرة، بل نيويورك نفسها المدينة التي تحمل في ذاكرتها هجمات 11 سبتمبر. دخل ممداني من الباب الذي لا يستطيع أحد إغلاقه في وجهه ورغم أنوف المعارضين هل توقفت القصة هنا؟ لا لم تتوقف ففي ميشيغان قريباً هنا خرج اسم آخر عبدالرحمن السيد اسم عربي واضح مسلم من أصول مصرية فاز قبل بضعة أيام بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب في مواجهة الجمهوري مايك روجرز على مقعد له أهميته في تحديد ميزان القوة داخل مجلس الشيوخ وسن تشريعات الولايات المتحدة الأمريكية بكل حدودها. وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأشخاص الثلاثة منفصلين أوباما ممداني عبدالرحمن السيد ضعهم على خط زمني واحد وستجد أمامك شيئًا أكبر من ثلاث قصص نجاح انتخابية. ستجد أمريكا تتغير، ليس لأن المسلمين أصبحوا أغلبية فهم ما زالوا أقلية صغيرة وليس لأن العنصرية أو الإسلاموفوبيا انتهتا لا فهما موجودتان وليس لأن السياسة الخارجية الأمريكية تغيرت تجاه العالم الإسلامي. المفارقة أعمق من ذلك، فأمريكا التي كانت قوتها العسكرية تقاتل خارج أسوارها في عواصم ومدن كثيرة إسلامية وغير إسلامية وعربية وغير عربية كان المسلمون وأبناء المهاجرين داخلها يتحركون في الاتجاه المعاكس نحو مؤسساتها نحو جامعاتها نحو إعلامها نحو مجالسها المحلية نحو الكونغرس، نحو مواقع صناعة القرار والأرقام تقول إن هذا التحول لم يصل نهايته بعد فالتقديرات الديموغرافية تتوقع استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة ووزنهم الاجتماعي والسياسي سيكبر معه. وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا !! ماذا سيحدث عندما يكبر الجيل الثاني والثالث والرابع من المسلمين الأمريكان؟ هؤلاء ليسوا مهاجرين يقفون أمام بوابة أمريكا ينتظرون فيزة دخول إنهم أمريكيون ولدوا فيها درسوا في مدارسها يتحدثون لغتها بلهجات ولاياتها يدفعون ضرائبها يدخلون جيشها وجامعاتها ومحاكمها وإعلامها ثم يترشحون لمناصبها وهذا تحديدًا ما يجعل قصة عبدالرحمن السيد مهمة حتى لو خسر انتخابات نوفمبر المقبلة لأن المسألة ليست عبدالرحمن وحده إذا خسر سيأتي غيره وإذا خسر الآخر سيأتي ثالث فالتغيرات الاجتماعية الكبرى لا تقاس بانتخابات واحدة وإنما بالاتجاه الذي تسير إليه الأجيال قبل عقود كان السؤال هل يمكن أن يحكم رجل أسود أمريكا؟ وحدث ثم جاء السؤال هل يمكن لمسلم أن يحكم نيويورك؟ وحدث والسؤال اليوم هل يستطيع مسلم اسمه عبدالرحمن السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ؟ نعم بات ذلك ممكنا لكن السؤال الذي يأتي بعد كل هذه الأسئلة أخطر وأكبر؟! هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يحكم فيه مسلم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؟ اليوم قد يضحك البعض من السؤال لكن التاريخ مليء بأشياء ضحك الناس من مجرد تصورها قبل أن تصبح واقعًا وهنا نعود بالذاكرة إلى ذلك الطفل الذي كان يكبر داخل قصر فرعون بينما جنود فرعون يبحثون عن أطفال بني إسرائيل خارجه أحيانًا تنشغل الإمبراطوريات بما تخشاه خارج أسوارها بينما يكون المستقبل قد بدأ بالفعل داخلها. وربما بعد خمسين عامًا عندما يقرأ مؤرخ ما قصة أمريكا في بداية القرن الحادي والعشرين لن تكون المفارقة الكبرى عنده فقط أن أمريكا حاربت طويلًا بلاد المسلمين قد يكتب جملة أكثر إثارة: بينما كانت أمريكا تخوض حروبها في العالم ومع الإسلام كان أبناء المسلمين وغيرهم يشقون طريقهم بصمت إلى قلب الولايات المتحدة.
7215
| 11 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1719
| 09 أغسطس 2026
منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد بألم، وتلحّ عليّ الرغبة في أن أكتب عنها، ثم أتردد. فبغداد اليوم محاطة بألغام السياسة والطوائف والمصالح والتدخلات، وما إن تقترب الكلمة من جرح حتى تكاد تفتح جراحًا أخرى. وكنت أخشى، كلما أمسكت بالقلم، أن أفجّر لغمًا وأنا أبحث عن بغداد. ثم قلت: ولماذا أبحث عنها في السياسة وحدها؟ لبغداد أبواب أخرى ندخل منها؛ باب التاريخ، وباب الأدب، وباب الشعر، وأوسعها جميعًا باب الوجدان. يكفي أن تقول بغداد، حتى ينساب دجلة في الذاكرة، ويطل الرشيد من شرفة التاريخ، وتُفتح أبواب بيت الحكمة، ويعود الورّاقون إلى حوانيتهم، والعلماء إلى مجالسهم، والشعراء إلى قصائدهم. مدينة كانت الكتب فيها جسورًا بين الحضارات، والعلم لغة يتخاطب بها القادمون من جهات الأرض. لم تكن بغداد عاصمة لدولة فحسب؛ كانت، في زمن من الأزمنة، عاصمة للعالم. فيها تُرجمت كتب الفلسفة والطب والفلك، ومنها خرج إلى الدنيا من أروع ما أنتجه العقل العربي والإسلامي. ولبغداد مع الشعر صحبة قديمة. قال فيها علي بن الجهم: «عيونُ المها بين الرصافة والجسرِ جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري» وبعد قرون ظل سحرها حاضرًا، حتى قال نزار قباني: «عيناكِ يا بغدادُ منذ طفولتي شمسانِ نائمتانِ في أهدابي» وبين الرصافة والجسر، وبين بغداد التي نامت في أهداب شاعر حديث، قرون طويلة، وبقيت المدينة قادرة على أن توقظ الشعر. ولعل ذلك يفسر شيئًا من علاقتنا بها؛ فكثير منا عرف بغداد قبل أن يزورها، وسكنت مخيلته قبل أن تطأ قدماه أرضها. عرفناها في التاريخ والشعر والكتب، وفي أسماء علمائها وأدبائها. كانت جزءًا من صورة العربي عن زمن استطاع فيه أن يصنع الحضارة، لا أن يكتفي بالحديث عنها. ومن هنا تأتي قسوة المفارقة. فمن أشد مفارقات التاريخ إيلامًا أن بغداد، بكل ما تحمله من مجد عريق، تمر اليوم بمحنة طال أمدها؛ كأنها تعرف جيدًا من أين جاءت، ولا تعرف بعد من أين يكون الخروج. والحديث عن بغداد هنا حديث عن العراق كله. عن بلد كان حضوره في محيطه العربي ثقيلًا بالمعنى، غنيًا بالعلم والثقافة والفكر، يمد المنطقة بالكتاب والشاعر والأستاذ والطبيب والمهندس، ثم عصفت به الحروب وتوالت عليه المحن، حتى غاب كثير من دوره الذي عرفناه، وأصبح الحاضر مثقلًا، والمستقبل محاطًا بالأسئلة. وهنا تبدأ الألغام التي خشيت الاقتراب منها. لكن الخشية من الألغام لا ينبغي أن تصبح ذريعة للصمت عن الحقيقة. لقد تناوبت على العراق سطوة الخارج، من احتلال أمريكي معلن إلى نفوذ إيراني تمدّد عميقًا في الداخل، بدعم فصائل مسلحة موالية له وتسليحها، حتى غدا بعضها قوة تنازع الدولة سلطتها وقرارها، وعقبة أمام استعادة مؤسساتها لسيادتها الكاملة. وبقي القرار العراقي، في الداخل والخارج، أسيرًا لهذا الاحتلال أو ذاك النفوذ. ولم تكن سطوة الخارج وحدها ما أثقل العراق؛ فقد نمت في الداخل أمراض لا تقل خطرًا. طائفية بغيضة مزقت ما جمعه الوطن، حتى ضاقت الهوية الجامعة أمام هويات أصغر منها. والطائفة قد تكون جزءًا من الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تكون وطنًا؛ فالوطن أكبر من الطائفة، وأبقى من الخلاف، ويتسع لأبنائه جميعًا. وأستعيد هنا شيئًا من تجربتي الشخصية. عشت سنوات طويلة بين سفراء عراقيين كانوا زملاء وأصدقاء. كنا نلتقي ونتحاور، نتفق ونختلف، ثم نفترق، ولم يخطر لي يومًا أن أسأل واحدًا منهم إلى أي طائفة ينتمي، ولم يكن الأمر مطروحًا أصلًا لكي نسأل عنه. كانوا عراقيين، وكان ذلك يكفي. كم تبدو هذه الجملة بسيطة اليوم، وكم تحمل من معنى! ثم جاء الفساد، فلم يعد في مواضع كثيرة تجاوزًا عابرًا تلاحقه الدولة، بل تجذّر حتى أصبح محميًا بذوي النفوذ، يقتطع من ثروة العراق، ويضعف مؤسساته، ويبدد حق أبنائه في وطن يملك من أسباب الثراء ما يكفي لبناء مستقبل مختلف. وحين يجد الفساد من يحميه، يصبح اقتلاعه أصعب من اكتشافه؛ لأنه لا يعود مرضًا في جسد الدولة فحسب، بل يجد لنفسه مكانًا بين أضلاعها. ولعل مأساة العراق أن هذه الآفات الثلاث لم تعش منفصلة: تدخل خارجي انتقص من سيادة الدولة واستقلال قرارها، وطائفية مزقت النسيج الوطني، وفساد تجذّر واحتمى بذوي النفوذ. غذّى بعضها بعضًا، واستمد كل منها أسباب بقائه من الآخر. ولذلك لن تعود بغداد إلى بغداد بزوال واحدة منها وبقاء الأخريين؛ فبقاء آفة واحدة كفيل بأن يعيد الأوكسجين إلى ما حسبناه قد انطفأ من الآفتين الأخريين. عودة بغداد تبدأ حين يسترد العراق قراره، ويتقدم الوطن على الطائفة، وتصبح الدولة أقوى من الفساد ومن حماته. عندها فقط لا تكون بغداد ذكرى لمجد مضى، بل بداية لمجد يمكن أن يولد من جديد. ومع ذلك، لا أكتب هذه الكلمات لأوزع المسؤوليات، ولا لأضيف خصومة جديدة إلى خصومات العراق. يكفي أن نقول إن بلدًا عظيمًا دفع ثمنًا باهظًا حين ضعفت وحدته، وإن الوطن حين ينقسم على نفسه يجد الآخرين أسرع إلى تقرير مصيره منه. العراق ليس فقيرًا كي يعجز، ولا صغيرًا كي يُهمَل، ولا طارئًا على التاريخ كي يُنسى. فيه الماء والأرض والثروة والعقل البشري، وفوق ذلك كله تاريخ حضاري قلّ أن اجتمع مثله لبلد. ولهذا يبدو السؤال أكثر إلحاحًا: كيف اجتمعت كل أسباب القوة، وبقي الخروج من المحنة بهذه الصعوبة؟ ربما لأن خراب السياسة أسرع من بناء الدول، ولأن ما تكسره الفرقة في سنوات قد تحتاج أجيال إلى جمعه. ومع ذلك، لا أستطيع أن أكتب عن بغداد بلغة الرثاء. فالمدن العظيمة قد تمرض، لكنها لا تموت. وبغداد تعرف ذلك أكثر من غيرها. دخلها الغزاة، واحترقت فيها الكتب، وجرى في دجلة ما جرى، ثم نهضت. تبدلت عليها الدول والرايات، وبقي النهر يجري، وبقي اسم بغداد أكبر من الذين مروا بها. ولهذا نؤمن أن مدينة وبلدًا بهذا العمق الحضاري لا يمكن أن يستسلما طويلًا للمحنة. سيعرف العراق، بما اختزن من تاريخ وما يملك من إنسان، كيف يتجاوز محن الفرقة والطائفية والفساد وسطوة الأجنبي، ويسترد وحدته وقراره، لتستعيد بغداد بريقها، ويستعيد العراق دوره ومكانه الذي يليق به. وليس ما نتمناه لبغداد عودة إلى الماضي؛ فالتاريخ لا يعود، ولا ينبغي له أن يعود. ما نرجوه أن تستلهم من ماضيها قوة لمستقبلها، وأن يصبح مجدها طاقة للنهوض، لا مجرد ذكرى جميلة نلوذ بها كلما آلمنا الحاضر. نريد بغداد التي يكون فيها العراقي عراقيًا قبل أن يُسأل عن طائفته، ويكون قرار العراق عراقيًا قبل أن تتنازعه إرادات الآخرين، ويصبح اختلاف أبنائه مصدر ثراء لا بابًا للفرقة، وتعود الدولة وحدها صاحبة السلاح والقرار. نريدها مدينة تنظر إلى دجلة فلا ترى في مائه صور ما مضى وحده، بل ترى ما سيأتي. فبغداد ليست للعراقيين وحدهم في الوجدان. إنها شيء منا جميعًا. وحين غاب العراق عن دوره، افتقد العرب صوتًا وعقلًا وثقلًا لا يعوض بسهولة. لهذا لا نرثي بغداد. نحزن عليها، نعم، ولكننا نراهن عليها. وننتظر ذلك الصباح الذي تستيقظ فيه المدينة من طول محنتها، وتنفض عن كتفيها غبار السنين، وتنظر إلى دجلة، ثم إلى أبنائها، وتقول لهم: طال الليل… أما آن لبغداد أن تعود إلى بغداد؟
1272
| 16 أغسطس 2026