رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(1)
جميل جدا أن نقرأ ونسمع عن مشاريع جوهرية في الإصلاح الاقتصادي لدول الخليج العربي، تنطق بها رؤى قصيرة وبعيدة المدى، تنطلق من أرضية مدركة لعناصر القوة والمهددات على حد سواء.
لا ينكر أحد أن الموضوع مرتبط في أجزاء كبيرة منه بالجانب الاقتصادي، ولكن عالمنا اليوم بات يعيش "عولمة" ليس في الجوانب الثقافية فقط، بل حتى في الجوانب الاقتصادية المرتبطة بالسياسة والأخلاق وغيرها من المكونات الرئيسية لأي نهضة مرتقبة.
لعل عدم إدراك أن أي رؤية اقتصادية لا تدفع بإصلاحات سياسية على الأرض قد تكون قاصرة، بالضبط كمن يتحدث عن معالجات اقتصادية مؤثرة، ولكنه لا يقترب أبدًا من الارتقاء بالمستوى المعيشي للمواطن.
تابعت رؤية المملكة العربية السعودية 2030، فوجدت فيها استحضارا للبعد والتأثير الديني للمملكة، كونها حاضنة للحرمين الشريفين وقلبا نابضا لهذه الأمة.
تابعت خططا إصلاحية أخرى في منظومتنا الخليجية، فوجدتها قد عمدت إلى محاربة الفساد واستئصال شأفته، وعدم السماح لأي هدر أو مشاريع فاشلة أن تؤثر على مستقبل أي رؤية اقتصادية مستقبلية.
لا يمكن حقيقة الولوج في عالم الإصلاح بأسلحة قديمة، وبالإبقاء على عقليات قد لا تتوافق مع الخطط الإصلاحية المرسومة، وهذا ما كان واضحا في الخطط السعودية والقطرية والإماراتية، حيث تنفيذ الاستبدال الفوري الناجح لمن ينفذ خطط الإصلاح أمر طبيعي وضروري.
إذا كان مدرب كرة القدم لديه كم من البدلاء الذين يدفع بهم لضمان فوز فريقه بالمباريات، فهل يعقل أن يتم الإصرار على بقاء وجوه غير ناجحة في المشاريع والرؤى الاقتصادية والسياسية والتعليمية.
مبادئ ومفاهيم أساسية، كمحاربة الفساد المالي والأخلاقي والسياسي والطائفي، والتوزيع العادل للثروة، والعدالة الاجتماعية وحماية الفقراء والطبقة الوسطى في المجتمع، وصولا إلى ترفيه المتقاعدين وتقديرهم، هي أسس لنجاح أي رؤى اقتصادية، وبدونها سنظل نعاني كثيرا حتى ننجح.
مصيبة بعض أنظمتنا الخليجية أنها تندفع للإصلاح في جوانب، وتتراجع في جوانب أخرى، مما ينعكس كثيرا على أي تقدم منتظر.
عدم الجرأة في المحاسبة، وغلبة تنفيذ الإصلاح بعقلية متأثرة بالارتباطات القبلية والمناطقية والطائفية، واختلاط الحكم بالتجارة، باتت مؤثرات تحدّ كثيرا من نجاح خططنا الاقتصادية.
ولعل من يتابع مفردات الأمير محمد بن سلمان الأخيرة، يلاحظ كيف رسم رؤية المملكة القادمة، بعقلية اقتصادية لا تنحاز إلى لقب أو منصب أو جاه، وإنما إلى المواطن فقط لا غير.
إذا نجحت تلك الفلسفة الناجعة في الحكم، وإذا نجحنا في تسويقها لجميع دولنا بلا استثناء، فسوف تتخلص منظومتنا من إرث مُكبِّل لتقدمنا ليس على المستوى الاقتصادي فحسب، بل حتى في الجوانب السياسية والاجتماعية.
العالم يتغير بسرعة، وإذا لم نستحدث الأدوات الجديدة التي تحمي منظومتنا الخليجية سياسيا واقتصاديا، في عالم مليء بالذئاب، فسوف نندثر.
(2)
في ورقة جميلة وأنيقة كتب وزير المالية والتخطيط الكويتي السابق الدكتور يوسف الإبراهيم، دراسة بعنوان: "إصلاح الخلل الإنتاجي بدول مجلس التعاون".
تحدث في تلك الدراسة المستفيضة عن الملامح الحقيقية لخلل الهيكل الإنتاجي في دولنا الخليجية، التي يراها قد سارت على أنماط تنموية اعتمدت على سياسات التنمية الهادفة إلى إعادة توزيع الثروة، الأمر الذي –وبحسب تحليله - أفرز الكثير من الاختلالات التي باتت تهدد مسار عملية التنمية المستقبلية، بسبب تزايد الأعباء المالية وضغطها على الميزانيات العامة.
الإبراهيم يرى اعتمادا مفرطا على النفط، وارتفاع مساهمة قطاع الخدمات في الناتج المحلي للقطاع غير النفطي، واختلال هيكل الإنفاق الكلي، وارتفاع معدلات التسرب من دورة الدخل والإنفاق القومي، وهيمنة القطاع العام على حركة النشاط الاقتصادي المحلي، واختلال هيكل الميزانية العامة، وأخيرا اختلال هيكل السكان وقوة العمل.
الإبراهيم يرى "أن صياغة رؤية الدولة ضمن الإطار التنموي لدول المجلس وتغليب المصلحة الخليجية على المصلحة القُطرية هو المسار الممكن والمجدي ضمن المستجدات العالمية".
في ذات المقال، أشار إلى تداعيات استمرار تلك الاختلالات على دولنا في المستقبل، ثم تطرق إلى بند غاية في الأهمية بعنوان: متطلبات الإصلاح على مستوى الحكومات والمجتمع الأهلي والمواطن.
تحدث فيه عن وضع رؤى واضحة ومتكاملة، ودعم قدرة المؤسسات على إدارة عملية التغيير، كما تحدث عن مشاركة المؤسسات الحاكمة في تحمل أعباء التغيير، إضافة إلى دعم حرية التعبير وتفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني، وتعميق المشاركة الديمقراطية.
تحدث عن أثر تلك الاستحقاقات غير الاقتصادية، كما تحدث عن إستراتيجيات اقتصادية حقيقية، مثل تنويع الهيكل الإنتاجي، ومعالجة الخلل في الميزانيات العامة، وتطوير التعليم وتنمية القوة البشرية. تحدث عن دعم برامج الخصخصة وإعادة صياغة دور الدولة، كما تحدث عن تنسيق السياسات النقدية والمالية وتطوير ودمج أسواق المال.
تحدث عن تفعيل دور مجلس التعاون الخليجي، كما استفاض في حديثه عن ضرورة معالجة اختلال هيكل أسواق العمل في دول خليجنا العربي.
في العام 2015، وخلال منتدى الخليج الاقتصادي بالدوحة، تحدثت السيدة دعاء الحربان مدير الإحصاءات السكانية والاجتماعية بالمركز الإحصائي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، عن مراحل تطور العمل الإحصائي بدول المجلس.
وبينت في ورقتها المهمة حقيقة، أن هناك 11 مشروعا إحصائيا خليجيا مشتركا، هي الحسابات القومية، والإحصاءات النقدية والمالية، وإحصاءات ميزان المدفوعات والأرقام القياسية للأسعار والمؤشرات الاقتصادية والتجارة الخارجية، وإحصاءات العمل والطاقة والبيئة ومؤشرات التنمية والتقدم والاستدامة والتعداد التسجيلي الموحد 2020، وتعزيز استخدام قواعد البيانات الإدارية للأغراض الإحصائية، وجودة البيانات والسياحة وغيرها من التفاصيل.
نعود ونكرر، دولنا بإمكانها أن تتحول إلى مارد اقتصادي قادم، بما تملكه من إمكانات وعناصر قوة، فقط لو امتلكت تلك الرغبة، وتخلصت من أغلال مجاملات القبيلة والمنطقة والطائفة، واتجهت إلى الاتحاد الخليجي الحقيقي، الذي تتوافر جميع أسبابه ومتطلباته، بل وأجزاء كثيرة من أرضيته المشتركة.
الإرهاب
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); حسنا فعل الرئيس التركي أردوغان، وحسنا فعل قبله وزير الخارجية السعودي عادل الجبير،... اقرأ المزيد
545
| 08 فبراير 2017
حوار المنامة .. وجهة نظر أخرى
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); من الجميل أن يحظى حوار المنامة بعد اثنى عشر عاما من انطلاقته بهذه... اقرأ المزيد
604
| 15 ديسمبر 2016
عراقُنا الذي أضعناه..
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); (١)قبل ألف وأربعمائة سنة، كانت هناك المدائن، عرش كسرى شاهنشاه وإيوانه، حَكم العجم... اقرأ المزيد
826
| 08 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4605
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3294
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1266
| 28 سبتمبر 2026