رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما عاد ممكنا السكوت على استمرار التعذيب في مصر، وما عاد مقبولا إعفاء القيادة السياسية من المسؤولية عن استمراره.
(١)
هذه إشارات تثير الانتباه وتستحق الرصد: في ١٢ أبريل الحالي ذكرت جريدة «الوطن» أنه تقرر إجراء تحقيق مع اثنين من المستشارين، بعدما أفادت تحريات جهاز الأمن الوطني أنهما شاركا في وضع مشروع قانون لمكافحة التعذيب داخل السجون وأقسام الشرطة.
في ١٩ أبريل خصصت جريدة «المصري اليوم» ست صفحات استعرضت فيها انتهاكات وزارة الداخلية، وذكر أحد التقارير المنشورة أن جهاز الأمن الوطني الحالي لم يختلف في شيء عن ممارسات جهاز أمن الدولة السابق «في طريقة العمل التي تعتمد على التعذيب لانتزاع الاعترافات من المتهمين». وعن سجن أبو زعبل ذكرت أنه: تعذيب بعلم الوصول.
في ٢٥ أبريل نشرت جريدة «الأهرام» تقريرا صادما ومروعا عما يحدث في أقسام الشرطة، كان عنوانه كالتالي: من لم يمت بالتعذيب، مات بالاختناق.
ومما ذكره التقرير أن الحياة في أقسام الحجز بتلك الأقسام لا تليق بالإنسان ولا حتى بالحيوان!.
وفي ٢٦ أبريل نشرت جريدة «الشروق» مقالة لزميلنا الأستاذ أيمن الصياد انتقد فيها محاولات تسويغ التعذيب وتبرير القمع. ونبه إلى أن التاريخ يحفل بهزائم دول تصورت أنظمتها أن لا قيمة لحقوق الإنسان أو كرامة المواطنين.
حتى إذا كان ذلك التتابع مجرد مصادفة، وهو ما أرجحه، فهي لا تخلو من دلالة جديرة بالملاحظة والإثبات، ورغم ما يشاع في هذا الصدد من أن المعلومات التي خرجت إلى وسائل الإعلام جزء من الصراعات الحاصلة داخل أجنحة وقيادات وزارة الداخلية، إلا أن ذلك لا يلغي الملاحظة الأساسية المتمثلة في اتساع نطاق الانتهاكات وشيوع التعذيب على نحو تجاوز الحدود وأصبح يفوق طاقة الاحتمال، خصوصا حين تعددت حوادث القتل بسبب التعذيب في أماكن الاحتجاز. وهو تطور واكب انطلاق المظاهرات والتوسع في الاعتقالات وتفاقم ظاهرة الإرهاب في مصر على النحو الذي يعرفه الجميع.
في أجواء سقوط حاجز الخوف بعد انطلاق ثورة يناير ٢٠١١، وبعدما أتاح التطور الحاصل في وسائل الاتصال لكل صاحب قضية أن يرفع صوته ويعرض مظلمته، فإن قصص التعذيب ووقائعه ظلت متداولة طول الوقت في محيط متابعي مواقع التواصل الاجتماعي. الجديد في الأمر أن بعض الصحف القومية والخاصة المؤيدة للنظام دخلت أخيرا على الخط وفتحت صفحاتها لعرض المشكلة التي أصبحت رائحتها تزكم الأنوف وسيرتها على مختلف الألسنة، داخل مصر وخارجها. بالتالي لم يعد انتقاد الانتهاكات مقصورا على المنظمات الحقوقية ودوائر النشطاء والضحايا وحدهم، وإنما علت الأصوات في المجال العام، بحيث انكشف الغطاء عما كان محجوبا ومسكوتا عليه، وذلك مؤشر مهم لا ريب.
(٢)
حين ارتدى الفتى محمود محمد (١٨ سنة) قميصا قطنيا (تي شيرت) كتب عليه «وطن بلا تعذيب» تم اعتقاله منذ أكثر من ٤٠٠ يوم، ولا يزال حبسه يتجدد حينا بعد حين. وحين انطلقت حملة بذات الاسم (وطن بلا تعذيب) فإنها لم تسلم من الملاحقة والاتهام، إلا أن مركز النديم لتأهيل وعلاج ضحايا العنف دأب على توثيق وتسجيل عمليات التعذيب التي تصل إليه أو يصل هو إليها. وسبق أن أصدر كتابا من نحو ٣٠٠ صفحة عن «يوميات التعذيب في الفترة من شهر يونيو ٢٠١٣ إلى مايو ٢٠١٤» ــ وكنت قد أشرت في ٧ مارس الماضي إلى أحدث تقرير للمركز وقعت عليه عالج أرشيف التعذيب خلال شهر فبراير من العام الحالي، إلى جانب تقرير آخر أصدرته الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان عن المسار الديمقراطي في عام ٢٠١٤ الذي وصفته بأنه «معتم ومتعثر». وقد استلفت نظري في تقرير أرشيف التعذيب عن شهر فبراير، أن مركز النديم وثق ٨٢ حالة خلال الشهر، كان آخرها ما جرى للمحامي الشاب كريم حمدي (٢٣ سنة) الذي قتله التعذيب البشع الذي تعرض له في قسم المطرية بالقاهرة، كما لفت نظري أنه تم توثيق ١٣ حالة تعذيب في قسم شرطة مدينة المنصورة وحده. وكنت قد تلقيت عدة كتب أصدرتها المجموعة المتحدة التي يشرف عليها الأستاذ نجاد البرعي المحامي، أحدها عنوانه «ضد التعذيب ــ خطة وطنية للقضاء على جريمة التعذيب» ــ والثاني عن المبادرة الوطنية لمناهضة التعذيب ٢٠١٥ ــ ٢٠٢٠، وهي خطة تنفيذية من إعداد الأستاذ عبد الغفار شكر نائب المجلس القومي لحقوق الإنسان. ومؤخرا تلقيت دراسة عن «التعذيب في مصر» تضمنت قراءة لملفات ضحايا التعذيب، تضمنت بعض الملاحظات المهمة. وقبل أن أعرض لأبرز تلك الملاحظات ألفت النظر إلى أن التوسع في ممارسة التعذيب حوله إلى ظاهرة متفشية في السياسة الأمنية، وبالتالي فرضه كموضوع للتحقيق والدراسة من جانب المنظمات الحقوقية.
من الملاحظات التي أبرزتها الدراسة أن التعذيب في السجون وأقسام الشرطة صار قاعدة وليس استثناء. وأنه لم يعد مقصورا على النشطاء السياسيين وحدهم، لأنه تبين أن ٧٦٪ من حالات التعذيب موضوع الدراسة كانت في اتهامات لا علاقة لها بالأوضاع السياسية، بما يعطي انطباعا بأن التعذيب يتم بشكل روتيني ودون سبب واضح، وليس بالضرورة للحصول على اعترافات.
كما بدا أن الضرب هو الوسيلة الأكثر شيوعا، حيث تبين أن ٥٠٪ من الحالات التي تمت دراستها تعرضت للضرب بمختلف الوسائل. كما تبين أن المواطنين البسطاء، الأميين والحرفيين والموسميين والعاطلين عن العمل "الضعفاء والمهمشون بوجه عام"، هم الأكثر تعرضا للتعذيب من جانب رجال الشرطة، ونسبة هؤلاء سبعة أضعاف المهنيين وخريجي الجامعات.
ثمة ملاحظات أخرى سجلتها الدراسة منها إحجام مصر عن التوقيع على الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب رغم الدعوات المتكررة التي وجهت إليها بهذا الصدد. وهي الاتفاقية التي تضع معايير عالمية للحفاظ على إنسانية وكرامة المحتجزين، وتحد من المعاملة القاسية واللاإنسانية التي يتعرضون لها. كما أنها تنص على وضع معايير ونظام عالمي لزيارات دورية من جانب الهيئات الدولية والمحلية لأماكن الاحتجاز للتثبت من الالتزام بالمعايير المقررة.
من الملاحظات المهمة أن الدراسة أكدت على الحاجة الملحة لإعادة النظر في التشريعات التي تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان. وهي الدعوة التي لم تلق استجابة من السلطة طول الوقت.
وعلى سبيل المثال فإن المادة ١٢٦ من قانون العقوبات تضيق من نطاق تعريف التعذيب، إذ تعتبره فقط ذلك الذي يتم بهدف الحصول على معلومات أو انتزاع اعترافات، في حين أنه بات يمارس كسلوك عادي يتم لأغراض أخرى كثيرة، فضلا عن أنه بات مستقرا في مصر أن التعذيب يتم للتنكيل بالمعارضين وترويعهم دون أن تكون لذلك صلة بمسألة الاعترافات.
من ناحية أخرى، فإن المادة ١٢٩ من القانون ذاته تنص على معاقبة من يمارس التعذيب بالحبس سنة أو بغرامة لا تزيد على ٢٠٠ جنيه. وهي عقوبة لا تتناسب على الإطلاق مع خطورة الجريمة التي تنتهك كرامة الإنسان وتهدر حقه.
(٣)
التعذيب ليس معزولا عن حزمة الأساليب والإجراءات التي تستخدم لممارسة القمع والتضييق على الحريات العامة. ولعلي لا أبالغ إذا قلت إنه يمثل أعلى مراتب القمع، لأن مختلف الإجراءات الظالمة التي تتخذ بحق المواطنين قد تبخسهم حقهم أو تقيد حرياتهم أو تؤثر على مصالحهم وأرزاقهم، لكن التعذيب وحده يتجاوز الحط من كرامتهم إلى توقيع عقوبات بدنية تهدر إنسانيتهم وقد تفقدهم حقهم في الحياة، كما حدث في حالات كثيرة ليست بعيدة عن أذهاننا.
في أي مجتمع متحضر يحترم كرامة الناس، يظل أمر التعذيب محسوما من الناحيتين السياسية والثقافية، وغير قابل للمناقشة أو الاجتهاد الذي يسوغه من أي باب. لذلك فإن تناولنا له لا يخلو من مفارقة، من ناحية لأنه يناقش قضية تجاوزها الزمن وأغلق ملفها في ثقافة العصر. ومن ناحية أخرى لأن سقف المناقشة يبدو متواضعا ومنخفضا، لأن موضوعها هو كيف يمكن تحسين الأوضاع في السجون ومراكز الشرطة، وليس لماذا يساق الناس إلى السجون أصلا دون وجه حق.
من ناحية ثانية، فإننا لا نستطيع أن نفصل بين استباحة كرامات الناس وانتهاك إنسانيتهم وبين استباحة حرياتهم، ذلك أن الخلاف بينهما هو في الدرجة وليس في النوع، بمعنى أن «الاستباحة» هي القاسم المشترك بينهما، ولكن التعذيب يمارسها بحق كرامة الإنسان وبدنه، في حين تمارسها الإجراءات والقوانين بحق حريته وأمنه الخاص. وإذا حاولنا التفصيل في هذه النقطة الأخيرة فسوف تبرز أمامنا قائمة طويلة من القوانين والإجراءات المقيدة للحريات التي صدرت خلال العام الأخير، بدءا بإطلاق مدة الحبس الاحتياطي الذي أصبح يستمر لأشهر طويلة وربما سنوات، وانتهاء بقانون الكيانات الإرهابية الذي أصبح سيفا مسلطا على رقاب كل النشاط الأهلي، ومرورا بالتوسع في محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري وبقانون التظاهر وبالتعديلات التي أدخلت على قانون الجامعات لترهيب الأساتذة والطلاب.
الخلاصة أن التعذيب الذي يشكل أعلى مراتب استباحة المواطنين يكمل الدور الذي تؤديه القوانين المقيدة للحريات العامة، وذلك كله يعد ترجمة للسياسة الأمنية المتبعة وهي التي تعول على السلطة بأكثر مما تعول على المجتمع، وعلى الإجراءات والقوانين بأكثر مما تعول على التوافقات والحوار.
(٤)
إذا أردنا أن نكون أكثر صراحة وإنصافا، فلا مفر من الاعتراف بأن مناقشة قضية التعذيب وتجاوزات الداخلية إذا كانت جزءا من تجليات السياسة الأمنية فهي أيضا جزء من السياسة العامة، أعني أنها بما تمارسه لا تفعل أكثر من أنها تنفذ السياسة العامة، لذلك فإن توجيه سهام النقد والاتهام لها دون غيرها يظلمها ويحملها بما لا تطيق، وهي التي تتحمل الكثير في أوضاعنا الراهنة، حيث تتراجع أدوار مؤسسات عدة في الدولة، وتطالب أجهزة الداخلية بأن تتصدى من جانبها لما ينبغي أن يقوم به غيرها، خصوصا في المجال السياسي.
صحيح أن الدولة لا تأمر بالتعذيب، لكن بوسعها أن توقفه بقرار سياسي. ومختلف الإجراءات والقرارات القمعية التي تتخذ والقوانين الجائرة التي صدرت ما كان لها أن ترى النور لولا أنها إذا لم تكن تعبر عن إرادة سياسية، فإنها على الأقل تستجيب للهوى السياسي. ومما لاحظته في الكثير من المعالجات التي تناولت انتهاكات حقوق الإنسان أنها دأبت على مخاطبة وزارة الداخلية والدوائر التي تشارك في مطبخ القوانين، وهي العناوين الغلط في هذه الحالة، لأن الإرادة السياسية هي العنوان الصحيح الذي ينبغي أن يتجه إليه الخطاب.
أدري أن القيادة السياسية لا ينبغي أن تحاسب على كل كبيرة وصغيرة في البلد، لكن السياسات العامة وحقوق وكرامة المواطنين هي من صلب مسؤولياتها التي لا تستطيع التحلل منها. وإذا كان الخليفة عمر بن الخطاب قد ذكر أنه إذا عثرت بغلة في بغداد، فإن الله سيحاسبه عليها، فلنا أن نقول أيضا إنه إذا عذب مواطن أو قتل ظلما في أي سجن، فإن أولي الأمر في مصر سوف يحاسبون جميعا أمام الله عليه، وتلك شهادة حق لا خير فينا إذا لم نقلها.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1024
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4599
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3198
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1251
| 28 سبتمبر 2026