رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أرثي زمانك يا أبي، وزمان جدي وجد الجد ومن كانَ، ضاع الرجاء يا رسولي وصحبه أبناء أمتك لا عمرَ ولا عثمانَ.
يتكبد المجتمع وطأة جيل أملد أجوف أرعن نأى بعيدا عن الأخلاق والشهامة والمروءة التي كانت دستورا للتربية الحقة، وعمادا للتنشئة الفضلى وصكاً يوثق تخريج النشء ليواجه متقلبات الحياة المتباينة بمبادئ ومعايير أخلاقية راسخة لا تعبث بها رياح التغيير الجافلة.
جيل اتخذ معظمه من الاتكالية والأنانية وسما له، وتدثر بغطاء الحرية الشخصية الزائفة، واستوثق بكل رؤية حديثة عوجاء، وانكب عليها كما تنكب البهيمة على طعامها فلا تميز غثه من سمينه، فبالغ همها أن ترضي نهمها وتشبع حاجتها.
ولست هنا أحمل هذا الجيل كامل المسؤولية، فالجزء الأكبر من اهمال مسؤولية هذا الجيل وضياعه يقع على بعض الآباء الذين نبذوا أدوارهم وتملصوا من تعهداتهم العظيمة.
فالآباء لا يقلون شأناً عن أبنائهم في استسهال التسليم لآفات العصر الحديث، وتأثيراتها اللامحدودة عليهم، بل أضحى شماعة للآباء ومرهماً مخدراً يسكن إحساس التقصير الذي يخالجهم طوال الوقت.
ولا ننسى أن نشير هنا إلى أن هذه الآفات من الألعاب الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي والمحمول وغيرها دخيلة على الأسرة، التي يفترض أن تكون حصناً منيعاً يحفظ الأبناء من كل دخيل قد يزعزع عقيدتهم ومبادئهم وأخلاقهم، ولا شك أن الأمواج عاتية، ومخالبها دامية، يتعذر مجابهتها أو ردعها، وقد تؤدي الاستجابة الكاملة لها وترك الأبناء في براثنها إلى الغرق، فالمقاومة ضرورة والرقابة حاجة وقائية لا بد منها.
ومما ساهم في وهن معظم ابناء هذا الجيل العاطفة المفرطة عند الآباء، الأمر الذي أبطأ نضوج الأبناء، فالحرص الزائد والإفراط في الدلال واللين والرعاية الزائدة لا تخلق شباباً قوياً يعتمد عليه بل إن نتائجها تظهر وبشكل جلي بين بعض شرائح المجتمع، حيث استرجلت الفتيات واستأنث الذكور!.
ولقد ارتضى بعض الآباء الخضوع والتسليم كأسلوب لاختزال المشقة التي يكابدونها في تربية الأبناء، إذ إن أسهل الطرق لشراء الراحة هي الاستسلام للصعوبات والخنوع لها، وتناسوا أنهم سيجنون حصاد ما زرعوه.
وعجبي لآباء يتفاخرون بإنجاب الأبناء الذكور منهم والإناث ثم لا يشكرون الله على نعمته فيتقون الله في تربيتهم!.
فكثيرا ما يُترك الأبناء دون توجيه أو حزم، مهابة أن تتأثر نفسياتهم، أو مخافة أن تصيبهم العقد النفسية، ثم يترقب الآباء أن يكبر الأبناء فيصلحوا من ذات أنفسهم! ولم يدركوا أنهم بذلك يفسحون المجال لعاداتهم السيئة وممارساتهم المغلوطة وأفكارهم الملوثة وسلوكياتهم المضطربة أن تتأصل وتنمو فيصعب تغييرها أو التعامل معها.
وكيف لا يذعن آباء نبذوا التزاماتهم ولاذوا فراراً ليعانقوا هواتفهم وأجهزتهم فيأخذوا نصيبهم من ذلك الإدمان، وتلك اللذة التي توفرها لهم مختلف التطبيقات التي تستهدف الجميع فلا تبقي ولا تذر!.
ناهيك عن أوقات أمتع وأجمل يقضونها بين المقاهي والمطاعم بصحبة الأصدقاء والانشغال بالحياة الاجتماعية وممارسة الهوايات والسفر والبحث عن الجمال، فقد يجدون الوقت لكل شيء يشتهون إلا الأبناء!.
ولا ننكر أن تقهقر السيطرة وتطبيق مبدأ الحرية الشخصية البحتة للأبناء كان باعثاً قوياً لاندثار قيم عظيمة، كالإيثار والتضحية ومراعاة شعور الآخرين والإحساس بالمسؤولية، وكذلك ضمور الروابط الأسرية المتينة، إن تكرار الآباء لمثل هذه المبادئ البعيدة كل البعد عن تعاليمنا وتقاليدنا وأعرافنا يساهم في تأصلها في نفوس وعقول أبنائنا فمن منا يعيش حرية مطلقة؟! فجميعنا ملتزمون بأمور ديننا ودنيانا، بداية باتباع أوامر ونواهي الخالق عز وجل، وتقيدنا له بالعبادة والطاعة، وامتثالنا بالقيم والأخلاق التي دعانا إليها حبيبنا ونبينا وشفيعنا محمد صلى الله عليه وسلم، حيث نقبل عليها بحب مستسلمين لله قولاً وعملاً، ونهاية بارتباطنا بالعمل وقوانينه، وأحكام وأعراف المجتمع، وبالمسؤوليات والواجبات والتكاليف الأخرى تجاه أنفسنا والآخرين، فإذا لم نكن حازمين فيما سبق فهل للغض الغرير أن يقبض على دينه وأخلاقه وعمله ويفي بالتزاماته؟! كيف وقد أفعم بمفهوم الحرية البحتة، فأصبح لا يطيق قيداً ولا يتحمل حدودا ولا يتكلف صبرا.
إن من المؤكد أن الزمن يتغير والأحوال تتطور وهذه طبيعة كونية، يستحيل إنكارها، غير أن الأخلاق الواجبة شرعاً وإنسانياً لا تتقاطع مع التطور والتقدم، فيتحتم على الآباء أن يلزموا بها الأبناء قدر المستطاع، ولا يؤثر في اقتضائها تغير الزمان، فالإنسان هو الإنسان لا يتغير في مشاعره وإحساسه وحاجاته، إنما يحدث التغير في تفاوت ودرجات الجوانب الآنف ذكرها، حيث إن جوهر الإنسان لا يتغير وإن تبدل الكون من حوله.
وبجانب ما ذكر فإن قلق بعض الآباء من أن يكون الأبناء امتدادا لهم ورهبتهم من تأثيرات القسوة عليهم فتركوا لهم الحرية على مصراعيها، وأبقوا لهم التفرد والخصوصية المبالغ فيها وتنحوا عن أدوارهم التي تتخطى توفير حاجاتهم الأساسية، مما جعلهم فريسة سائغة للمؤثرات الخارجية، فمالوا لأصدقائهم واتبعوهم حتى أضحوا "كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً"، وتعلقوا بعادات غريبة وقيم دخيلة أفسدت فطرتهم فضلوا سبيلهم واتبعوا أهواءهم وتتبعوا كل ناعق أعوج فأصبح قدوة لهم، وساروا خلف كل مشوه فأصبح أسوة لهم، لا يتدبرون في ذلك ولا يتفكرون ولا يعملون عقولهم، وإن خالف عقيدتهم وأعرافهم، فهم ماضون خلفه كالثور يدور في الساقية.
وماذا جنينا بعد كل هذا؟
فها نحن نحصد نتاج سوء التربية والإهمال والاستسلام والإذعان، ها قد برز هذا الجيل وكشف عن تمرده واعتداده برأيه ورعونته وتسويفه ضاربين بالآباء عرض الحائط فلا يقيمون لهم وزنا ولا تقديرا ولا احتراما.
إننا بحاجة إلى انتفاضة الآباء واستفاقتهم استفاقة حقيقية مدوية، لينقذوا ما يمكن إنقاذه من هذا الجيل والسائرين خلفه، ولتكن تربية الأبناء وإفراد الوقت لهم على رأس الأولويات ومحاولة إحكام السيطرة في مستوياتها المعتدلة والقسوة في محلها إن لزم الأمر ذلك، والتحكم بالعواطف والمشاعر المفسدة التي لم تورث سوى الخنوع والهوان والجحود والنكران وعدم الوفاء لفضل الآباء، والالتزام بقوانين الأسرة والمنزل والآداب والأخلاق والابتعاد عن التهاون في تطبيقها فلا تهدد وتتوعد وتزمجر ثم لا تفي بوعودك!. فالعقاب غايته التهذيب والتقويم، ولو كان غير ذلك لما رأيت جميع أنظمة العالم تستعمله لتردع كل السلوكيات الشائنة.
ولا يترك الأبناء فيفعلوا ما يشتهون لا يَسألون ولا يُسألون، فالتربية ليست عملية فطرية عفوية، بل تحتاج إلى جهد وعمل ومثابرة، كما أن المسؤولية تتطلب التفرغ للأبناء فلا ضير من ممارسة هواياتنا معهم، وإيجاد اهتمامات مشتركة، ولا ضرر في اصطحابنا لهم بغية توثيق صلاتنا بهم فتتعزز ثقتهم بنا وتقديرهم واحترامهم لحرصنا عليهم.
وأرى أن يمنح الأبناء قدراً مناسباً من الحرية تسمح لهم بالانتقاء وممارسة الهوايات والتبضع المعقول حسب ميولهم وأذواقهم والمشاركة في اختيار أماكن الترفيه والسفر.. وغيرها، وإبداء الرأي بأسلوب مهذب وأن نستمع لهم ولانتقاداتهم وليس بالضرورة الأخذ بها جميعها.
وليس هذا وحسب، بل إن مناقشة الأبناء في مواضيع فكرية متنوعة تشحذ تفكيرهم وتثير عقولهم وتوسع مداركهم وترفع درجة الوعي لديهم، كما لها عظيم الشأن في التأثير على معدل مستويات التفكير فتنقلهم من مستوى التفكير السطحي المتعلق بتوافه الأمور الى مستوى التفكير العميق المركز.
وليعود الآباء أبناءهم من الصغر على تولي مسؤولية الأسرة أولاً وعدم الاتكالية عليهم في كل شيء، ثم البدء في منحهم بعض المسؤوليات الخارجية، ويا حبذا لو يلتفت الآباء نحو تنمية المهارات القيادية في نفوس الأبناء، فينشؤون على روح المبادرة والإقدام.
إن الحديث هنا يطول ويتشعب، وأعتقد بأنكم تلامسون واقعاً مريراً يتحتم علينا أن نستنفر وننتفض ونقف جنباً إلى جنب لنحاول أن نخلق جوا عاما أكثر أماننا لأبنائنا، فالمسؤولية عظيمة والخطب جلل، تستدعي أن يقوم الآباء بأدوارهم مع أبنائهم وأبناء غيرهم فقديماً كان الأب أباً للجميع، ما لا يقبله لأبنائه لا يقبله لأبناء الآخرين، فيتدخل بالنصيحة والكلمة الحسنة إن رأى خطأ أو هفوة أو تقصيرا، كما أن الأهالي كانوا متعاونين فلا يستاؤون من ذلك، وإن تذمر الابن شاكياً، لم يشدوا على يده، بل شكروا من وجهه وأرشده، هذا هو المجتمع المتكاتف المسؤول، والذي نتمنى أن يعود يوماً ما، وسيعود إن شاء الله برغبة وإرادة كل مربي ورع حريص على أبنائه، غيور على أبناء الوطن.
حصان البطولة الأسود
يلعب المتطوعون دوراً كبيراً في بطولة كأس العالم، فهم يقدمون الدعم الجلي لإنجاح البطولة، سواء كان ذلك في... اقرأ المزيد
5400
| 04 ديسمبر 2022
ما هكذا تورد الإبل
يقول لاوتسزي، وهو أحد الفلاسفة الصينيين القدماء " لا يوجد في الكون مادة أنعم وأضعف من الماء، ولكنه... اقرأ المزيد
2028
| 27 نوفمبر 2022
قطر.. مجتمع عالمي
وكأنما نشعر في هذه الأيام بشعور الأم حين تزف ابنتها عروساً، فها هو العرس يقترب، ونبضات القلب تتسارع... اقرأ المزيد
2769
| 19 نوفمبر 2022
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8901
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4821
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3549
| 23 سبتمبر 2026