رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يقتضي الحديث عن الفنان القطري محمد العتيق التأمل في ملامح شخصيته الفنية وتجلياتها الجمالية، وتحليلها بناء على مستوى التجربة وتأويل مفرداتها الرمزية من جانب، وعلى مستوى استيعاب طبقاتها التعبيرية والفكرية من جانب آخر، ووفقا للمدخلات المتآلفة والمتناغمة التي تعاقبت خيوطها لتنسج رسالة جمالية في بيئته كمنجز إبداعي عمل على تطويره على مدار أربعين عاما في الساحة الفنية القطرية، فصنع أبجديته الخالصة التي شكلت فسيفساء معرض شخابيط عتيق في مركز سوق واقف الفني الداعم والراعي لرسالة الفن والجمال.
وتعزيزاً لهذه الرؤية وعلى لسان العتيق ذاته: «إن الفن ليس مجرد شخبطة ولكنه يحمل في جوهره رسالة يجب أن تصل إلى العالم». ولذلك فهو يحولها إلى مسرح يتساءل من خلاله عن ملامحها ودلالاتها من خلال الأشكال العفوية، ويحاول استكشاف معانيها الباطنة فيترجمها إلى تعابير تسير بين الذات والغير. وكنتيجة حتمية نابعة من قناعته الشخصية يستنتج ما مفاده أن القضية ليست ما نرسمه ولكن كيف نرسمه؟
أتقن الفنان حياكة العمل حياكة تشكيلية مابين الشكل والمضمون، وما بين الأصالة والمعاصرة، ومن توهج جذوة الحنين الدائم إلى التراث؛ فلم يكن سوى جَدَّته وملهمته التي كانت مادة يرصد ذكريات الطفولة بكل حركاتها وأزيائها وأدوات زينتها وصُرتها التي تجمع له فيها النقود وتكون غالبا من القماش، والذي يلعب دور الحبكة الفنية والبطولة.
إن جذور فكرة اسم (عتيق) التي تعنون جميع معارضه هو أن لديه ارتباطاً داخلياً ووجدانياً عميقاً تجاه والده، ورغبة عظيمة في إظهار العرفان ورد الجميل له. ولذلك تنطلق أعماله من فضاء وجودي مملوء بالرموز التي تتوحد لتصبح فكرة واحدة تمثل ذاكرة الوطن وتعبر عن الرؤية الذاتية للفنان، وتحول تلك التفاصيل إلى أشكال تعبيرية للواقع مع شيء من التسامي.
المنجز الفني لدى عتيق بدأ بتعلقه بالفن واللون منذ الطفولة ويتكئ على البيئة والتراث المختزلة في ذاكرته كفنان عاشها أسلوب حياة والى انتصار ذاتية الشكل واشتغاله على مفرداته دون تكلف وافتعال وما اسماه بالمهمل الصغير وعلى ضوء متطلبات العصر وإعادة البناء برؤية عصرية وفق رؤى جمالية ليفتح أفق المتلقي لكسر جمود الاستقبال التقليدي للأشياء من حولنا واستلهام التراث التي توطنت وسكنت وجدانه بمفرداته المحلية وطروحاته التأملية والذائقية إلى مصاف العالمية.
أما بنائية العمل عند عتيق فمختزلة ومتماسكة وممتدة بأفق أوسع بالانتقائية والغزارة في الرسم والكولاج والحياكة والأعمال التركيبة أخذ من حركة الجرار والأواني والمظلات مركزا لخطاب بصري جديد تحاكي سؤال المشاهد وتحاوره بقيم جمالية، فالأواني مثلا تملأ أرجاء سطح خطابه بالشكل الهندسي ثلاثية الأبعاد مكونة كتلا تبحث عمن يرصد كينونتها بحيث تدخل المشاهد في دروب الماضي للاستكشاف كما أنها تغويه للتقرب منها كي يفهم حقيقتها ويفك شفرتها فيجد متعة التأمل والحوار مع مشهد يتحرك وهو ساكن.
أما اللون فهو إشراقة وفي جو عتيق المعتق بغموضها ولغزها مانحا الدور الملهم للون الأسود من القماش المرسوم وسما ووشما بعباءة المرأة ومع فعل حركة امتداد للون الثوب الأبيض للرجل، ولإحداث هالة والهيبة كذاكرة وثائقية خالقا تضادات لونية فتحفز آليات الشد البصري من قبل المتلقي مع استخدام ألوان نبض الحياة الصريحة للون الأزرق والأصفر والترابية بحوار جمع بين البحر والصحراء لإحداث تباينات غنائية سحرية تسحب عين المتلقي إلى عمق السطح وتعيده الألوان الحمراء إلى مقدمة السطح مرة أخرى، مستثمرا قوة الحرف وفاعليته على إحداث اهتزازات إيقاعية جمالية لدى المتلقي في قراءة للبنى النصية في خطابه البصري.
لذلك فإن عملية الإمساك بمفاتيحها تقودنا إلى رؤية شمولية وعوالم كونية فترجمت وحرفت وتأولت أشكالها وألوانها وتنوعت ملامسها ووسائطها عبر مساحات وخطوط وبعيدة كل البعد عن الطابع التقليدي والنمطية المتكررة، فقد استخدم العسو بشجرة النخلة وتحويلها إلى قطع من جمال، سيما عبر تثبت مفهومي الحضور والغياب من انه جعل من المظلات حاضرة في استنطاقها وغائبة عن الصمت الذي توشحها وجودها قبل الولادة الإبداعية كل ذلك محاولة منه لسطوة الجمال وإضاءة العتمة بعالم من البهجة والدهشة.
المتأمل في شخابيط عتيق يدرك أنها نافذة تطل من الداخل باطنها وحقيقتها الرؤى وظاهرها الأشياء مانحا شخصياته سكينة من نور شخصيته المشرقة من أمل وتفاؤل بالمستقبل، وان شخابيطه ما هي إلا علامات وخطوط متناثرة ومتشابكة وكأنها لازالت في الحركة والإحساس من البوح الإنساني قد منحتها القوة وقوتها أنها حضارة إنسانية بأسلوب الفن الجرافيتي بالقلم الجاف ومن خبرة وإتقان في الظل والنور وعلى هيئة اسكتشات وذاكرة ممتلئة بالفن والجمال لأحلام اليقظة. متسائلا ذاته هل فرض ذلك التلاعب الشكلي خيارا غير توصيف تبني الفن كرسالة صناعة الحلم في العالم؟
إن أعمال المعرض تعكس مايشعر به عتيق حيال هذه الفكرة وان هناك شعورا عميقا بالتعاطف مع شخصياته بان نحول أحلامنا ورغباتنا إلى حقائق، وكما يقول الشاعر «شكسبير» نحن الأساس لتحقيق أحلامنا.
[email protected]
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
فنانة وناقدة تشكيلية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
2838
| 06 مايو 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
2049
| 30 أبريل 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
1479
| 04 مايو 2026