رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد أسابيع فقط على اندلاع الربيع العربي، أي قبل خمس سنوات كتبت مقالاً رحبت فيه بحرارة بالثورات العربية، لكني كنت أضع يدي على قلبي منذ تلك اللحظة.
وقد حذرت الثوار في الأيام الأولى أن يتذكروا تجربتي أفغانستان والصومال، وأن يعملوا المستحيل لتجنبهما وعدم تكرارهما.
لكن، وللأسف الشديد، تكرر المشهد الأفغاني والصومالي بحذافيره، إن لم نقل بشكل أفظع وأسوأ بكثير، فعلى الأقل لم يتصارع المجاهدون الأفغان فيما بينهم إلا أن بعد أن أنجزوا الانتصار على النظام السابق وحلفائه السوفيات، بينما راحت فصائل المعارضة في سوريا تتصارع فيما بينها قبل إنجاز أي انتصار، أي أنها تنازعت على جلد الأسد قبل أن تصطاده، كما يقول المثل الروسي.
ماذا لو انتصرت الفصائل المتناحرة في سوريا؟ ماذا كان سيفعل أكثر من 1800 فصيل معارض ببعضهم البعض، خاصة أن مئات الميليشيات والعصابات والإمارات والدكاكين تشكلت على هامش الثورة، وراحت تعمل لحسابها الخاص؟ لاحظوا أن في ليبيا ليس هناك مشكلة أقليات وطوائف ومذاهب، مع ذلك انتكست الثورة الليبية، عندما راح المنتصرون يتصارعون على كعكة السلطة. وبدلا من استخدام العامل الطائفي أو المذهبي أو الديني، راحوا يتقاتلون على أساس علماني إسلامي.
ورغم غياب عوامل الانقسام الأخطر، إلا أن المنتصرين حوّلوا ليبيا إلى ساحة خراب ودمار كمتناحرين علمانيين وإسلاميين. والحمد لله أن العامل القبلي لم يدخل ساحة الصراع في ليبيا. ولو تحولت حقبة ما بعد الثورة إلى صراع قبلي، لربما شاهدنا أسوأ مما شاهدناه في الصراع بين الإسلاميين وغير الإسلاميين.
هذا في ليبيا المتجانسة دينياً، فماذا كان سيحصل في سوريا، ذلك الموزاييك الطائفي والأقلوي والمذهبي المتنوع؟ هل كان الإسلاميون سيتصالحون مع أتباع الديانات والطوائف الأخرى، أم أن العكس صحيح، كي لا نقول شيئاً آخر؟ ولو تركنا هذا الجانب الرهيب، لواجهنا جانب أنكى وأعتى، فمشكلة الجماعات الإسلامية أنها تقوم بتكفير بعضها البعض في أوقات السلم، فما بالك في أوقات الحرب والصراع، حيث التنافس على السلطة والغنائم على أشده؟ لقد علمتنا التجربة الأفغانية أن الإسلاميين قادرون، كمقاتلين مؤمنين أشداء، على اجتراح المعجزات في الحروب وتحقيق أعظم الانتصارات، لأنهم يقاتلون بإيمان وعقيدة، لكنهم، وللأسف الشديد، لا يتقنون إدارة مراحل ما بعد النصر، فيدخلون في صراعات فيما بينهم أشد وأعتى من الصراع مع خصومهم الآخرين.
ليس هناك أدنى شك أن المخابرات العربية والدولية أسهمت كثيراً في إشعال الفتن بين المجاهدين الأفغان بعد انتصارهم على السوفيات كي تتخلص من خطرهم، وكي تشغلهم بالنزاعات فيما بينهم، على أمل أن تذهب ريحهم، ولا يتحولون لقتال رعاتهم ومموليهم السابقين.
لا شك في ذلك أبداً، لكن هذا لا ينفي أنه من السهل جداً إشعال الحروب والصراعات بين الجماعات الإسلامية واستنزافها وإنهاكها على أسس مذهبية وطائفية وعقدية. هل تتذكرون الجماعات المصرية مثلاً؟ لقد كانت جماعات "الناجون من النار" تكفر جماعة "التكفير والهجرة"، وكانت الأخيرة تكفر جماعة "الجهاد"، بينما "الجهاد" تكفر "الجماعة الإسلامية"، وبدورها تكفر "الجماعة الإسلامية" "الإخوان المسلمين".
فإذا كان الخلاف بين لإسلاميين أنفسهم على هذا القدر من التناحر والاختلاف، فكيف تتوقع من تلك الجماعات أن تنجز ثورات، ثم تديرها بحكمة بعد إنجازها؟
هل لاحظتم التشرذم والتكفير فيما بين الفصائل الإسلامية السورية أثناء الثورة؟ فإذا كان الوضع كذلك قبل النصر، فكيف سيكون بعد النصر؟ لاحظوا أن "داعش" و"النصرة" المتقاربتين عقدياً لم تتفقا في سوريا، فكيف تتفق داعش مع "أحرار الشام"، فما بالك مع "جيش الإسلام" المعتدل أو غيره من الفصائل الإسلامية؟ ليس هناك أدنى شك بأن النظام السوري وغيره من أعداء الثورات كانوا يفركون أيديهم فرحاً عندما بدأوا يشاهدون الثورات وقد اختطفها الإسلاميون، لأنهم يعرفون أن الإسلاميين غالباً ما ينسون لب المشكلة، ويتحولون إلى نزعات جانبية فيما بينهم. ولا ننسى أن النظام السوري وحلفاءه تركوا الورقة الإسلامية ليلعبوها كخيار أخير وقاصم لضرب الثورة في مقتل. وكلنا يتذكر كيف أفرج النظام السوري عن مئات المساجين الإسلاميين، وساعدهم في دخول القتال، لأن المخابرات السورية صاحبة الخبرة الطويلة في اختراق الإسلاميين والتلاعب بهم تعلم علم اليقين أنه إذا أردت أن تقضي على ثورة شعبية فادخل عليها العنصر الإسلامي، فتتحول من ثورة على النظام إلى حروب داحس والغبراء بين الإسلاميين أنفسهم.
لكن مرض الإسلاميين ليس حكراً عليهم، بل ينسحب أيضاً على الفصائل التي تدعي أنها علمانية، فهي أيضاً مصابة بمتلازمة التناحر العربي. وحتى لو لم يكن هناك إسلاميون في الثورات، فإن المنتصرين "العلمانجيين" العرب كانوا سيتقاتلون فيما بينهم على الغنائم بعد أي ثورة، لأنهم ليسوا علمانيين أصلاً، بل مجرد أصوليين طائفيين أو حزبيين متعصبين يلبسون ثوب العلمانية زوراً وبهتاناً. تونس مثالاً. وقد صدق السبسي عندما قال إن اليساريين التونسيين أسوأ من التكفيريين. وطالما لدينا هذه النماذج العلمانجية والطائفية والتكفيرية والعشائرية والقبائلية والمذهبية، فلن تنجح لنا ثورة.
لاحظوا كيف نجحت ثورات أوروبا الشرقية بلمح البصر، لأنه كان فيها مواطنون ناضجون، وليس طائفيون وتكفيريون ومتعصبون وعشائريون يمكن لأي جهة في العالم أن تضربهم ببعضهم البعض، وتعيش على تناحرهم وتناقضاتهم، ناهيك عن أن الإسلاميين أنفسهم لا يقبلون بعضهم البعض أصلاً، حتى لو لم تتدخل أي جهة لإثارة الفتنة بينهم.
لو أدار الإسلاميون خلافاتهم العقدية بطريقة صحيحة لأنجزوا أعظم الثورات، لأنهم مقاتلون مؤمنون لا يُشق لهم غبار، وهم من مرّغ أنف المستعمرين والطغاة على مدى التاريخ.
لا نقول أبداً إن بقاء النظام الأسدي الفاشي في سوريا هو أفضل من فوز الجماعات المتصارعة. معاذ الله، بل يجب أن نقول: لو كانت الفصائل الإسلامية وغير الإسلامية على قلب رجل واحد في سوريا، لما بقي هذا النظام القذر حتى الآن، ولما تحجج العالم بأن انتصار الفصائل السورية التي تزيد على ألف وثمانمائة فصيل سيجعل السوريين يترحمون على أيام زمان، لأن الفصائل ستتقاتل فيما بينها لعقود وعقود على الطريقة الأفغانية والصومالية.
جهات دولية وعربية كثيرة، بالإضافة إلى كثير من السوريين، باتوا يتخوفون من أن يكون انتصار ثورتهم على الطريقة الليبية أو الأفغانية، فيصبحون كالمستجير من نار النظام الفاشي بالرمضاء.
صدق من قال إن المجتمعات القائمة على الانتماءات الطائفية والمذهبية والدينية والقبلية والعشائرية والحزبية العصبية المتناحرة لن تنجز أي ثورة، حتى لو توفر لها أفضل الثائرين، لأنها كالعنزة التي تحلب حليباً طيباً، لكن سرعان ما تركل الوعاء، فينسكب الحليب على الأرض. متى نصبح قادرين على الحفاظ على الحليب وتحويله إلى أجبان وألبان وزبدة، بدل أن ندلقه على الأرض؟ متى نستثمر دماء شهدائنا بدل أن نضحي بها على مذبح صراعاتنا الداخلية القاتلة؟
المؤامرة الكبرى لم تستثن أحداً في سوريا
كي لا يأخذنا الحقد واليأس والتضليل بعيداً عن الحقيقة، لابد أن نضع النقاط على الحروف، ليس تبرئة لطرف... اقرأ المزيد
2391
| 15 ديسمبر 2019
التنين الصيني يكشِّر عن أنيابه
ليس هناك استعمار جيد واستعمار سيء على مدى التاريخ، فالمستعمر مستعمر سواء أكان أمريكياً أو أوروبياً أو روسياً... اقرأ المزيد
2111
| 08 ديسمبر 2019
ماذا تفعل عصابات المرتزقة الروسية في ليبيا؟
مهمة الروس في ليبيا لا تختلف مطلقاً عن مهمتهم في سوريا الرهان الروسي على حفتر فاشل لأن الرجل... اقرأ المزيد
1435
| 01 ديسمبر 2019
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12162
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10359
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3489
| 22 أكتوبر 2026