رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليس هناك استعمار جيد واستعمار سيء على مدى التاريخ، فالمستعمر مستعمر سواء أكان أمريكياً أو أوروبياً أو روسياً أو صينياً، فالمستعمرون ليسوا جمعيات خيرية، بل وحوش تحاول السيطرة على ثروات الآخرين عبر تصدير فائض القوة إلى الخارج. وكلما وجدت دولة ما عبر التاريخ قوة إضافية لديها تعمل فوراً على استثمارها خارجياً على شكل تدخل في شؤون البلدان الأخرى لاستغلالها واستعمارها. والصين ليست استثناء، فقبل مدة عقدت جامعة شنغهاي الصينية مؤتمراً تحت عنوان "الدور الرسالي المستقبلي للصين". بعبارة أخرى، فإن الصينيين بدأوا يفكرون بعقلية استعمارية واضحة، فهم يرون أن من حقهم استثمار قوتهم المتنامية خارج بلدهم. والمقصود بالدور الرسالي طبعاً أن لدى الصين رسالة استعمارية مثل كل القوى الكبرى، فانتظروها. واليوم لم يعد خافياً على أحد كيف أن الصين بدأت استعمارها لبلدان كثيرة في آسيا وأفريقيا بشكل ناعم عبر استراتيجية القروض الميسرة.
تقوم لعبة القروض الصينية على استهداف البلدان المنهارة أو الفقيرة أو المحتاجة للسيولة المالية لتنفيذ مشاريعها الإنمائية، فتهرع الصين لعرض خدماتها المالية، فتغري البلدان المحتاجة بالقروض الميسرة، لكن بعد أن تنتهي البدان المدينة من إنجاز مشاريعها تجد نفسها مفلسة وغير قادرة على تسديد ديون التنين الصيني، فتقترح الصين فوراً أن تضع يدها على تلك المشاريع التي بنتها تلك البلدان بالمال الصيني، لاسترجاع أموالها، وشيئاً فشيئاً، تجد الدول المدينة نفسها تحت استعمار صيني من نوع جديد ناعم مبدئياً، لكنه مع الوقت سيصبح استعماراً كامل الأوصاف بعد أن تكون الصين قد سيطرت على الاقتصاد والمال والمشاريع في البلدان الفقيرة.
تقدم الصين ديونها بشروط أفضل كثيراً مما تقدمه الدول الأخرى، حسب تقرير لموقع عربي بوست، وخاصة الولايات المتحدة، وتواصل الصين تقديم قروض ميسرة لمصر بطريقة تثير الريبة لدى البعض. وتأتي تلك القروض في ظلِّ تزايد الاستثمارات الصينية في مصر بوتيرة متسارعة.
ومن الواضح أن الصين تقرض الدول النامية أكثر مما تفعل الولايات المتحدة. هذا الكرم الصيني لا يقتصر على مصر، بل يشمل دولاً عديدة في العالم الثالث. وقد أشار تقرير صادر عن البنك الدولي أن الصين تمنح قروضاً مالية للدول الأخرى، خصوصاً النامية، تفوق كثيراً ما تقدمه أمريكا، إذ وصل مجموع القروض التي قدَّمتها الصين لدول أخرى بين عامي 2014 و2017 إلى أكثر من 394.6 مليار دولار، في حين وصل مجموع القروض الأمريكية خلال نفس المدة إلى 354.3 مليار دولار، لذلك ليس غريباً أن نجد بنك الشعب الصيني (البنك المركزي) يعلن في أواخر شهر مارس/آذار من العام الجاري، أن حجم القروض الجديدة باليوان بلغ 885.8 مليار يوان ما يوازي 131 مليار دولار، بزيادة 46.5 مليار يوان على أساس سنوي.
ويعود تفوق الصين في تقديم تلك القروض إلى أن نسبة الفائدة التي تفرضها بكين على الدول الأخرى تعد أقل إذا ما قورنت بغيرها، إذ تتراوح بين 10 و15% خلال خمس سنوات (أي ما يتراوح بين 2 إلى 3% سنوياً)، بينما تصل الفوائد التي تفرضها أمريكا على قروضها للدول الأخرى إلى 25% (5% على أساس سنوي).
الكرم الصيني ليس بريئاً، كما ورد في التقرير المذكور. هل ستعيد مع مصر تجربة سريلانكا وجيبوتي؟ ففي إطار ما يُسمَّى بمبادرة الحزام والطريق التي أطلقتها الصين، اقترضت سريلانكا نحو 8 مليارات دولار في عهد الرئيس السابق ماهيندرا راجاباكسا، للإنفاق على مشاريع تطوير البنى التحتية بالبلاد، بما في ذلك تطوير ميناء هامبانتوتا، ولكن سريلانكا عجزت عن دفع الديون المتراكمة للصين، ثم وافقت كولومبو عام 2017 على منح بكين 70% من حصة الميناء في عقد انتفاع لمدة 99 سنة.
وتعاد الكرة مرة أخرى مع جيبوتي، حيث أقرضت البنوك الصينية جيبوتي أكثر من 1.4 مليار دولار في عامي 2016 و2017، أي أكثر من 75% من ناتجها المحلي الإجمالي، كما مولت عدداً من مشروعات البنية التحتية، بالإضافة إلى خط السكك الحديدية، يتوجه من جيبوتي إلى أديس أبابا عاصمة إثيوبيا، كما أن الصين بنت منطقة التجارة الحرة الجديدة في ميناء دوراليه، بالأموال والقوة البشرية الصينية، والمزمع تشغيله في مشروع مشترك. واللافت أن الصين قامت بالفعل ببناء قاعدة عسكرية في ميناء دوراليه، في إشارة إلى سيطرة تامة على الميناء، ولكن بشكل غير رسمي.
واللافت أيضاً أن المقرضين الصينيين استأثروا بحصة تزيد على 40% من تمويلات مشاريع البنية التحتية في دول جنوب الصحراء الكبرى في إفريقيا في العام 2017، بحسب ما تقول مؤسسة ماكنزي العالمية. واستأثرت كلّ من كينيا ونيجيريا، بنحو 40% من حجم الإقراض البالغ 19 بليون دولار، لتمويل مشاريع في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى منذ العام 2014
ولكن ما هدف الصين من منح الأفارقة كل هذه الأموال؟
"إنهم يحولون إفريقيا إلى قارة صينية، وهم يستغلون الأفارقة مثلما فعل الأوروبيون في عصور الاستعمار". لم تكن هذه كلمات باحث غربي، بل كان بحثاً علمياً قام به زعيم إفريقي هو ميشال ساتا رئيس زامبيا السابق قبل أن يصبح رئيساً للبلاد، إذ قال في ورقة قدَّمها في جامعة هارفارد الأمريكية إن الاستغلال الاستعماري الأوروبي مقارنة بالاستغلال الصيني يبدو حميداً، لأنه على الرغم من أن الاستغلال التجاري كان بنفس السوء، فإن الوكلاء الاستعماريين الأوروبيين استثمروا أيضاً في خدمات البنية التحتية الاجتماعية والاقتصادية، بحسب ما نقلت عنه فوربس الأمريكية. وأضاف أن الاستثمار الصيني يركز على الخروج من إفريقيا بأكبر قدر من الأموال، دون أي اعتبار لرفاهية السكان المحليين. وأفادت دراسة أجرتها "وكالة ماكنزي الأمريكية"، أن الصين تسعى من خلال تلك الاستثمارات المالية التي تقوم بها في إفريقيا إلى الحصول على الموارد النفطية والمعدنية التي تمتلكها بعض الدول الإفريقية، كنيجيريا والجزائر والكونغو وغيرها من الدول الإفريقية، واستدلَّت على ذلك بأن 90% من صادرات الدول الإفريقية تجاه الصين تخص فقط النفط والمعادن والغاز. وقد بدأت الصين فعلاً تنتقل من الاستعمار المالي إلى الاستعمار العسكري، حيث باتت الآن تبني قاعدة عسكرية حول كل بئر نفط في إفريقيا وآسيا، مما يجعلها نسخة طبق الأصل عن المستعمر الأمريكي، فعلى سبيل المثال الولايات المتحدة الأمريكية لديها قواعد عسكرية كثيرة جداً حول دول العالم، حيث تقدر بما يقارب 32 قاعدة عسكرية في دول غير الولايات المتحدة الأمريكية، بداعي السيطرة على الدول، وإذا نظرنا إلى الصين الآن نجد أنها تهدف إلى نفس الأمر. انتظروا المستعمر الأصفر الذي ربما سيجعلكم تترحمون على المستعمر الأبيض.
المؤامرة الكبرى لم تستثن أحداً في سوريا
كي لا يأخذنا الحقد واليأس والتضليل بعيداً عن الحقيقة، لابد أن نضع النقاط على الحروف، ليس تبرئة لطرف... اقرأ المزيد
2385
| 15 ديسمبر 2019
ماذا تفعل عصابات المرتزقة الروسية في ليبيا؟
مهمة الروس في ليبيا لا تختلف مطلقاً عن مهمتهم في سوريا الرهان الروسي على حفتر فاشل لأن الرجل... اقرأ المزيد
1435
| 01 ديسمبر 2019
لا بأس أن تكونوا وحوشاً مع الخارج وحملاناً مع الداخل
الحكومات الأوروبية والأمريكية تمارس أعلى درجات الديمقراطية مع مواطنيها داخل بلدانها الزعيم العربي أكثر ديمقراطية مع الأجانب ألف... اقرأ المزيد
1578
| 10 نوفمبر 2019
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3345
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
2529
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1215
| 01 أكتوبر 2026