رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أوّاب المصري

أوّاب المصري

مساحة إعلانية

مقالات

3913

أوّاب المصري

أمريكا التي رأيت

28 فبراير 2015 , 01:30ص

"يبلغ الشعب الأمريكي في عالم العلم والعمل قمة النمو والارتقاء بينما هو في عالم الشعور والسلوك بدائي لم يفارق مدارج البشرية الأولى، بل أقل من بدائي في بعض نواحي الشعور والسلوك". هذا الكلام لم أكتبه أنا، بل كتبه المفكر الإسلامي سيد قطب في سلسلة مقالات خلال ابتعاثه إلى الولايات المتحدة أواسط القرن الماضي، وجمعها في كتاب أسماه "أمريكا التي رأيت".

أفكار سيد قطب الساخطة على الولايات المتحدة والكارهة لحضارتها والساخرة من ماديتها لازمتني خلال زيارتي لهذا البلد، وجعلتني لا أتطلع إليه كسائح يزوره لأول مرة، يبحث عن جديده ومعالمه، بل كناقد يريد التأكد من الخلاصة السلبية التي وصل إليها سيد قطب.

بحثت كثيراً عن أمريكا سيد قطب فلم أجدها، بل وجدت أمريكا أخرى ليست كاملة الأوصاف، لكنها حتماً أفضل بكثير من بقع كثيرة من عالمنا العربي والإسلامي.

وأنا هنا لا أتحدث عن السياسة الخارجية لهذا البلد، بل أتحدث عن الناس.

أمريكا التي رأيت هي ذاك الشعب النشط الذي يصحو قبل شروق الشمس في ظل درجة حرارة تهرول صعوداً حتى تصل إلى ما تحت الصفر، يحمل كوب القهوة بيد، وشنطة العمل باليد الأخرى، يسارع الخطى، يتحايل على بقع الثلج التي تعترض طريقه لتجاوزها. معظمهم يسير على قدميه أو يستخدم الدراجات الهوائية أو وسائل النقل العامة، فزحمة السير وأجرة مواقف السيارات الباهظة وسعي الأمريكيين للاقتصاد والتوفير يدفع الكثير منهم للاستغناء عن استخدام سياراتهم الخاصة طالما أن البديل متاح. أما من يبدأ دوامه في وقت متأخر أو لديه يوم عطلة، فيستغل الوقت بممارسة الرياضة التي تشكل نمط حياة وجزءا أساسياً من يوميات الأمريكيين. قد يكون عجوزاً أو فتاة لا فرق، ليس بالضرورة أن يذهب إلى النادي، ولا إلى الحديقة، ببساطة هو يهرول دون تحضير ولا استعداد مسبق في الطرقات المحيطة بمنزله، يحرك دورته الدموية، يخرج بعضاً من طاقته السلبية، ينفث من فمه بخار الحرارة، وأنا أنفث أفكار الحسرة والغيرة على بلادنا وحياتنا واعتدادنا الفارغ بأنفسنا.

أمريكا التي رأيت هي ذلك الموظف الذي يحرص على أن يسبقك بإلقاء السلام، يسألك كيف له أن يخدمك، وإذا كان طلبك خارج اختصاصه يترك ما بيده من أعمال كي يدلك أو يشير عليك أو حتى يسير معك. أمريكا التي رأيت هي ذاك الشعب الذي يرسم الابتسامة على محياه ولو تصنّعاً، يُفسح لك الطريق ويفتح لك الباب ولو كان أكبر منك سنّاً. يلقي عليك تحية الصباح دون أن ينتظر منك رد السلام أو حتى مجرد ابتسامة. هنا لا أحد ينظر للآخر يتفحص وجهه وملابسه وهاتفه الخلوي والسيارة التي يركبها، هنا كل منشغل بنفسه وهمومه وأفكاره، غير عابئ بالدين الذي يؤمن به الآخرون ولا بأفكارهم ولا باعتقاداتهم طالما أنها لا تخالف القانون ولا تشكل خطراً على المحيطين بهم.

أمريكا التي رأيت هي الوضوح في التعامل والصدق دون مواربة. لا يتحايلون لتأتي إليهم، حالما تقابلهم يقرأون عليك شروطهم وضوابطهم، إذا وافقت تبقى، وإذا تحفظت أو رفضت تغادر دون أي مسعى منهم للإمساك بك والاستفادة من أموالك.

أمريكا التي رأيت هي البساطة بكل شيء، لا مكان للتكلف، ولا للتباهي، هم مصدر التكنولوجيا إلى العالم لكنهم لا يهتمون بها كثيراً. لا يسعون وراء ماركات عالمية رغم أنها في بلادهم أرخص، يكفيهم ما يلبي حاجاتهم من سلع دون إسراف ولا تبذير.

أمريكا التي رأيت هي النساء رائعات الجمال دون إثارة. نظراتهن عامة بسيطة لا تدخل بالتفاصيل، يتعاملن مع الآخرين بود واحترام دون إرسال أي إشارات إثارة أو لفت نظر للآخر. ملابسهن بسيطة متناسبة، عيون دون كحل، لا ملامح بارزة، ولا شفاه منفوخة، ولا مؤخرات مشدودة، ولا صدور متراكمة بفضل حشوات التجميل. الفرصة الوحيدة المتاحة لك كي تتمكن من تفحّص وجه فتاة هو عند وقوفها عند إشارة المرور، أما ما عدا ذلك، فتنبغي عليك المشاركة في ماراثون السباق كي تجاريها مشيتها.

أمريكا التي رأيت ربما لا تكون جميع أمريكا، فالولايات المتحدة بلاد شاسعة واسعة، وكل منطقة تختلف عن غيرها، فيها الجيد وفيها الخبيث، لكنني على ثقة بأنها تختلف كثيراً عن أمريكا التي كتب عنها سيد قطب.

هي حتماً ليست مثالية، كما أن الأيام القليلة التي قضيتها في واشنطن لا تكفي لتشكيل صورة وافية عن هذه البلاد.

فبالتأكيد فيها الكثير من السلبيات والمشاكل والقيم المرفوضة، كالانحلال الأخلاقي والإباحية الجنسية وانتشار المخدرات والجريمة في الكثير من الأماكن، لكن هذه السلبيات لا تخفي إيجابيات كثيرة تمتاز بها هذه البلاد على عالمنا العربي والإسلامي.

مساحة إعلانية