رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يقول وزير المالية السوداني إن الولايات المتحدة الأمريكية فشلت في إسقاط النظام في الخرطوم عن طريق العقوبات الاقتصادية بيد أنه يقول في الوقت نفسه أن هذه العقوبات مدمرة للقطاع الاقتصادي والمصرفي بالبلاد.. وببساطة يعني أن موقف العلاقات بين البلدين يسوده الجمود الكامل والخاسر هو المواطن السوداني الذي بلغ حدا بعيدا من شظف العيش والفقر المدقع.. آخر الإحصاءات المفزعة تقول إن أكثر من نصف مليون طفل يعانون من سوء التغذية. المعضلة هي أنه لا الحكومة الأمريكية حسمت أمرها بشأن النظام، ولا النظام يهمه تدمير اقتصاد البلاد.
سياسة العصا والجزرة التي أعلنت عنها واشنطن من قبل لم تنجح في ترويض نظام الخرطوم كما أن واشنطن لا يهمها مواطن العالم الثالث بقدر ما يهمها تنفيذ استراتيجياتها الخارجية التي تجعلها تغض الطرف عن ممارسات الأنظمة المستبدة، فإن تركنا جانبا عدم شرعية إسقاط الأنظمة الديكتاتورية تحت أي مسوغ عبر وسيط خارجي؛ فإننا نجد أن واشنطن تمكنت من تنفيذ استراتيجيتها تجاه السودان وحصلت على مساعدة قيمة غير مدفوعة الثمن من نظام الخرطوم حين وافق على فصل جنوب البلاد.. جون كيري وزير الخارجية الأمريكي له قصة ذات دلالة وعبرة مع الخرطوم عندما كان رئيسا لجنة العلاقات الخارجية بالكونغرس الأمريكي في العام 2011 عام الانفصال؛ فالشهور التي سبقت الاستفتاء على الانفصال شهدت زيارات مكوكية للرجل للخرطوم وحين ذاك أسرف في الإطراء على مواقف الحكومة السودانية.. كانت مهمة كيري تخدير الخرطوم بوعود التطبيع ورفع العقوبات حتى يمر الاستفتاء بسلام وتصمت الخرطوم.. لقد كان مدهشا حقا إشادة كيري بحكمة الرئيس عمر البشير ملوّحاً برفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ومن ثمّ رفع العقوبات الاقتصادية عن كاهله.. عندما كان المشفقون يتحدثون عن ضمانات لاستفتاء حُر ونزيه تقوم قيامة واشنطن وتتهم من يطالب بذلك بعرقلة الاستفتاء والتنصل منه.. ذلك الجو الإرهابي كان أحد أهم أدوات تزوير الاستفتاء الذي نتج عنه الانفصال جنوب السودان.
إن التدهور الاقتصادي المريع تسبب في نزيف غزير للكوادر السودانية في سائر التخصصات وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أرقام مخيفة خلال الأعوام القليلة التي أعقبت الانفصال أما غير الرسمية فحدث ولا حرج، مما دعا بعض المسؤولين السودانيين إلى تقديم مقترح بتقييد هجرة الأطباء للخارج بأمنية مالية كبيرة.. لكن السؤال الملح هو: من يقيد ذمة المسؤولين الفاسدين ناهبوا أموال الشعب؟. وبلغ الفساد درجة لأن يتبادل المسؤولين الحكوميين الاتهامات علنا؛ فقد أثار تقرير المراجع العام الأخير عن أرقام الفساد حفيظة وزير المالية متهما المراجع العام بالتناقض، وعندما يتبادل المسؤولون الحكوميون اﻻتهامات علنا يعني أن خللاً كبيراً قد أصاب مفاصل السلطة.
ومن مؤشرات التدهور الخطيرة تحوّل السودان من دولة مصدرة للنفط إلى دولة مستوردة، ويؤكد وزير النفط النقص في المواد البترولية واﻻتجاه لتكملته باﻻستيراد. صحيح أن الجنوب ذهب بأكثر من (70%) من عائدات النفط، لكن الحكومة السودانية ظلت تكابر في غمرة البحث عن مبررات لتفريطها في الجنوب وتقول أن البلاد في الشمال بها مخزون نفطي كبير سيعوض ما ذهب أدراج الانفصال.. في مارس الماضي قال مسؤول بشركة سكر كنانة وهي شراكة حكومية مع مستثمرين عرب أن البلاد في حالة إغراق من سلعة السكر وليت الإغراق كان بسبب وفرة الإنتاج المحلي، بل كان بسبب استيراد كميات كبيرة تفوق حاجة البلاد.. ملايين الدولارات تحولت لشراء واستيراد سلعة متوفرة أصل في البلاد بينما نعاني من شح في الأدوية المنقذة للحياة بل شح خطير في كثير من الضروريات الأخرى بسبب شح عملة الدولار، ويعترف ذات المسؤول بأن: "عدم وجود سياسات واضحة بشأن صناعة السكر أضر بعمليات توزيع الإنتاج المحلي.
والإخفاقات الاقتصادية شهد بها وزير مالية أسبق، حين ذكر في كتاب أصدره قبل عامين بعنوان "منهجية الإصلاح الاقتصادي في السودان"، منتقدا ما سُمّي بمسيرة الإصلاح الاقتصادي في البلاد، وقال إن السودان أضاع على سبيل المثال فرصة القمة الاقتصادية العربية التي عقدت في الكويت في العام 2008م، لأنه لم يقم بأعداد وتقديم مشروعات للغذاء العربي مما أفقد البلاد فرصة الحصول على الموارد المالية لتنفيذ مشروعات النهضة الزراعية التي يقعد بها نقص الرساميل اللازمة في حين أن القمة خُصصت لمواجهة أزمة الغذاء في الوطن العربي، وبالطبع هذا إهمال فاضح لا تسأل عنه العقوبات الأمريكية.
حين لا نعفي واشنطن من تدهور الاقتصاد السوداني لا يعني أننا نعفي الحكومة بل نحملها مسؤولية كبيرة تجاه الوطن الذي أصبح مهددا أكثر من أي وقت مضى بالزوال والتشظي.. نعم لقد حرمت العقوبات البلاد من الاستفادة من التطور التكنولوجي في كل المجالات الضرورية لصيانة الاقتصاد من كابوس الانهيار الشامل فضلا عن أن هذه العقوبات الموجهة ضد المواطن الضعيف أكثر من كونها موجهة لإسقاط النظام البلاد من تلقي المساعدات والقروض سواء من الولايات المتحدة أو من الدول الأوروبية ومؤسسات الأمم المتحدة. الخبراء يؤكدون أن المقاطعة أدت وتؤدي إلى كثير من العسر في التعاملات الاقتصادية الخارجية في التجارة والتحويلات المالية وكافة أشكال التعاملات المصرفية العالمية، الأمر الذي انعكس في نقص كبير في متطلبات مشروعات البنية التحتية.
يذكر أن هذه العقوبات المشؤومة مرت عليها (17) عاما حين طبقت في العام 1997 بعد قرارات أمريكية بالمقاطعة الاقتصادية للسودان وتحجيم جل وسائل التعامل الاقتصادي الذي شمل دولا كثيرة تبعا لواشنطن.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4641
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1173
| 01 أكتوبر 2026