رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
جرت المعركة السياسية والجماهيرية في الاستفتاء المصري، بين نعم لإقراره، ولا المتشددة في رفضه، وظهرت النتائج لتقول إن الشعب انتصر لنعم ورفض لا.غير أن التصويت "بنعم" حمل معنى من معاني كلمة "لا" وإن جاء مختلفا عما استهدفه من سعي لعدم إقرار الدستور.
كلمة "نعم" حملت في طياتها رفضا لاستمرار حالة الفوضى، وكان معناها الحقيقي "لا للفوضى" وأن الثورة المصرية لا يمكن أن تعود للخلف، بل يجب أن تتحرك للأمام على صعيد بناء المؤسسات والدخول في جدول أعمال تنفيذ مطالب الثورة وتجسيد نتائجها في حياة المصريين عمليا.لقد صوت المصريون "بنعم"،دون أن يقتصر المعنى على تحقيق الاستقرار على ما هو قائم،وإنما المعنى أن نتحرك خطوة لإكمال ما بقي غائبا من سلطات الدولة والإسراع في إجراءات انتخاب مجلس نواب جديد –الشعب سابقا-والقفز في خطوات نقل ما ورد في الدستور من معان عامة إلى حقائق وحقوق بشأن العدل الاجتماعي وإعادة توزيع الدخل الوطني على أسس جديدة وإنفاذ الرعاية الصحية وتحقيق التنمية وإصدار القوانين التي تحقق حرية إصدار الصحف وتأسيس الأحزاب بالإخطار..الخ.
التصويت بنعم حمل معنى "لا" أخرى موجهة للخارج. فخطورة أعمال الفوضى والحرق والتخريب والقتل التي جرت خلال مأساة الإعلان الدستوري، لم تتوقف عند حدود تهديد أمن البلاد واستقراره وقطع الطريق على تمتع الدولة المصرية بمشروعية كاملة، ولكن امتدت تأثيراتها إلى مواقف الخارج، إذ اعتبرت بعض الدول والمؤسسات أن البلاد ذاهبة إلى طريق مسدود، فصدرت قرارات بوقف إلغاء ديون ألمانية على مصر،وتأخير النظر في إسقاط ديون أمريكية، كما امتد تأثير الفوضى الداخلية ليلقي بظلاله على ملف استعادة أموال مبارك من سويسرا واستعادة رجل الأعمال المصري الهارب إلى إسبانيا حسين سالم.
نعم للدستور ترسل إشارة للخارج بأنه تعجل في قراءة الوضع في مصر، ولتقول إن الشعب لن يسمح للفوضى في الداخل أن تحول الدولة المصرية من دولة قوية إلى دولة فاشلة، بما يدفع الخارج إلى التملص من وعوده في إسقاط الديون أو في وقف أو تعطيل إجراءات إعادة الأموال المنهوبة إلى مصر.
وتصويت المصريين بنعم للدستور،هو إعلان بموقف وقرار شعبي بالتحول من حالة التفرغ للتظاهر والتخندق إلى معسكرات متناحرة باسم استكمال الثورة،وإلقاء بالكرة في ملعب القيادة والنخب،وتأكيد على انتظار الشعب تحقيق مطالب الثورة،التي طال الوقت في انتظارها بسبب صراعات ومشاكسات النخب مع بعضها البعض.
وهذا التصويت صار يطرح أسئلة متكاثرة حول وعي النخب وعلامات استفهام حول دورها.في الأسئلة الشعبية للنخبة،يسأل الناس: متى عودة المثقفين للشعور بأحوال المواطنين،ومتى يميز هؤلاء بين قضايا تخصهم ونفوذهم ومصالحهم وقضايا حالية تتعلق بقوت الناس اليومي في ظل استمرار الاضطراب الاقتصادي وتصاعد التوتر الاجتماعي بسبب تنامي معدلات الفقر والعوز وشدة الحاجة.
أما علامات الاستفهام حول مدى إدراك النخبة ووعيها،فهو ناتج عن سلوكها الذي أدخل البلاد في دورة جهنمية،نصفها الأول يتعلق بإحباط التعافي السياسي وتعميق الاضطراب الاقتصادي والمؤسسي بسبب الصراعات التي يجري تسعيرها بين الناس،ونصفها الثاني يتعلق بنتائج تلك الحالة واستجلابها –أو إتاحتها الفرص -لردود فعل سياسية واقتصادية من الخارج، تعلن عدم المساندة وتوقف تطوير العلاقات الاقتصادية،ليصبح الاضطراب في الداخل جزء من صناعة الحصار من الخارج.
الشعب إذن كان أكثر إدراكا ووعيا بمخاطر عدم إقرار الدستور،إذ لا تتحمل البلاد استمرار حالة الفراغ التشريعي واستمرار التوتر السياسي الحاد،وهو أصدر قراره بالسير للأمام،بما يتطلب من النخبة أن تغير من سلوكها السياسي الصراعي،وأن تشعر بمسؤوليتها تجاه الشعب والمجتمع والدولة.وفي ذلك يبدو الحوار الوطني هو بوابة الخروج من تلك الدورة الجهنمية،شرط أن يتحول من حوار بين المعارضة والرئيس إلى حوار بين مختلف القوى والتيارات الفكرية والسياسية في المجتمع.فالحوار بين حكم ومعارضة هو حوار يجري في الأغلب حول أنصبة الحكم،أما الحوار بين القوى والتيارات في المجتمع فهو يجري حول ثوابت المصالح القومية العليا وكيفية مواجهة المخاطر وكيفية صناعة المستقبل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين تُذكر قمم الكرة القطرية، يتقدّم اسم العربي والريان دون استئذان. هذا اللقاء يحمل في طيّاته أكثر من مجرد ثلاث نقاط؛ إنها مواجهة تاريخية، يرافقها جدل جماهيري ممتد لسنوات، وسؤال لم يُحسم حتى اليوم: من يملك القاعدة الجماهيرية الأكبر؟ في هذا المقال، سنبتعد عن التكتيك والخطط الفنية، لنركز على الحضور الجماهيري وتأثيره القوي على اللاعبين. هذا التأثير يتجسد في ردود الأفعال نفسها: حيث يشدد الرياني على أن "الرهيب" هو صاحب الحضور الأوسع، بينما يرد العرباوي بثقة: "جمهورنا الرقم الأصعب، وهو ما يصنع الفارق". مع كل موسم، يتجدد النقاش، ويشتعل أكثر مع كل مواجهة مباشرة، مؤكدًا أن المعركة في المدرجات لا تقل أهمية عن المعركة على أرضية الملعب. لكن هذه المرة، الحكم سيكون واضحًا: في مدرجات استاد الثمامة. هنا فقط سيظهر الوزن الحقيقي لكل قاعدة جماهيرية، من سيملأ المقاعد؟ من سيخلق الأجواء، ويحوّل الهتافات إلى دعم معنوي يحافظ على اندفاع الفريق ويزيده قوة؟ هل سيتمكن الريان من إثبات أن جماهيريته لا تُنافس؟ أم سيؤكد العربي مجددًا أن الحضور الكبير لا يُقاس بالكلام بل بالفعل؟ بين الهتافات والدعم المعنوي، يتجدد النقاش حول من يحضر أكثر في المباريات المهمة، الريان أم العربي؟ ومن يمتلك القدرة على تحويل المدرج إلى قوة إضافية تدفع فريقه للأمام؟ هذه المباراة تتجاوز التسعين دقيقة، وتتخطى حدود النتيجة. إنها مواجهة انتماء وحضور، واختبار حقيقي لقوة التأثير الجماهيري. كلمة أخيرة: يا جماهير العربي والريان، من المدرجات يبدأ النصر الحقيقي، أنتم الحكاية والصوت الذي يهز الملاعب، احضروا واملأوا المقاعد ودعوا هتافكم يصنع المستحيل، هذه المباراة تُخاض بالشغف وتُحسم بالعزيمة وتكتمل بكم.
1650
| 28 ديسمبر 2025
تستضيف المملكة المغربية نهائيات كأس الأمم الإفريقية في نسخة تحمل دلالات عديدة على المستويين التنظيمي والفني، حيث يؤكد المغرب مرة أخرى مدى قدرته على احتضان كبرى التظاهرات القارية، مستفيدًا من بنية تحتية متطورة وملاعب حديثة وجماهير شغوفة بكرة القدم الإفريقية. مع انطلاق الجولة الأولى للبطولة، حققت المنتخبات العربية حضورًا قويًا، إذ سجلت مصر والمغرب والجزائر وتونس انتصارات مهمة، مما يعكس طموحاتها الكبيرة ورغبتها الواضحة في المنافسة على اللقب منذ البداية. دخل منتخب المغرب، صاحب الأرض والجمهور، البطولة بثقة واضحة، معتمدًا على الاستقرار الفني وتجانس اللاعبين ذوي الخبرة. كان الفوز في المباراة الافتتاحية أكثر من مجرد ثلاث نقاط، بل رسالة قوية لبقية المنافسين بأن «أسود الأطلس» عازمون على استغلال عاملي الأرض والجمهور بأفضل صورة ممكنة. أما منتخب الفراعنة، صاحب الرقم القياسي في عدد الألقاب، فقد أظهر شخصية البطل المعتاد على البطولات الكبرى، وقد منح الانتصار الأول للفريق دفعة معنوية كبيرة، خاصة أن بدايات البطولات غالبًا ما تحدد الطريق نحو الأدوار المتقدمة. من جهته، أكد المنتخب الجزائري عودته القوية إلى الواجهة الإفريقية، بعد أداء اتسم بالانضباط التكتيكي والفعالية الهجومية. أعاد الفوز الأول الثقة للجماهير الجزائرية، وأثبت أن «محاربي الصحراء» يملكون الأدوات اللازمة للمنافسة بقوة على اللقب. ولم تكن تونس بعيدة عن هذا المشهد الإيجابي، حيث حقق «نسور قرطاج» فوزًا مهمًا يعكس تطور الأداء الجماعي والقدرة على التعامل مع ضغط المباريات الافتتاحية، مما يعزز حظوظهم في مواصلة المشوار بنجاح. كلمة أخيرة: شهدت الجولة الأولى من البطولة مواجهات كروية مثيرة بين كبار المنتخبات العربية والأفريقية على حد سواء. الأداء المتميز للفرق العربية يعكس طموحاتها الكبيرة، في حين أن تحديات المراحل القادمة ستكشف عن قدرة كل منتخب على الحفاظ على مستواه، واستغلال نقاط قوته لمواصلة المنافسة على اللقب، وسط أجواء جماهيرية مغربية حماسية تضيف مزيدًا من الإثارة لكل مباراة.
1113
| 26 ديسمبر 2025
أدت الثورات الصناعيَّة المُتلاحقة - بعد الحرب العالميَّة الثانية - إلى تطوُّر طبيٍّ هائل؛ مِمَّا أضحت معه العديد من الأعمال الطبيَّة غاية في البساطة، واكتُشِفتْ علاجاتٌ لأمراض كانت مُستعصية، وظهرت اللقاحات والمضادات الحيويَّة التي كان يُطلق عليها «المعجزة». ولمواكبة التطور الطبيِّ المُتسارع كان لزامًا على القانونيين مُسايرة هذا التطوُّر؛ إذ يُرافق التقدُّم الطبيُّ مخاطر عديدة، منها ما هو معروف ومنها المجهول الذي لا يُعرف مداه ولا خطره. ومن أهم القوانين المُقارنة التي يجدر بالمشرِّعين دراسة تبنِّيها؛ هي تجربة القضاء الفرنسي الذي تَوجَّه نحو تعزيز الحماية للمرضى، من خلال تبنِّيه لآليَّات تضمن حصولهم على تعويض جابر للضرر دون إرهاق كاهلهم بإثبات خطأ فني طبي يصعب فهمه، فكيف بإثباته؟! ففي بداية التسعينيات أقرَّ القضاء الفرنسي التزام المستشفى بضمان السلامة، وذلك بمناسبة عِدَّة قضايا؛ ففي إحدى هذه القضايا قام رجل باللجوء إلى مستشفى لإجراء عمليَّة جراحيَّة، وبعد الانتهاء منها تبيَّن إصابته بعدوى من غرفة العمليَّات، وعندما وصلت القضية إلى محكمة النقض أقرَّت بالتزام المستشفى بالسلامة الجسديَّة، وبموجب هذا الالتزام تَضمَنُ المستشفيات سلامة المريض من التعرُّض لضرر لا يتعلق بحالته المرضيَّة السابقة. فمن حق المريض الذي يلجأ إلى المستشفى لتلقِّي العلاج من عِلَّة مُعيَّنة عدم خروجه بِعِلَّةٍ أخرى غير التي كان يُعاني منها. غير أن السؤال المطروح هنا، من أين أتت المحكمة بالالتزام بالسلامة؟ تكمن الإجابة في أن المحكمة أخذت هذا الالتزام من التزام الناقل بالسلامة؛ إذ تلتزم شركة الطيران، على سبيل المثال، بنقل الركاب من نقطة إلى أخرى بسلامة دون تعرُّضهم لأذًى، كما تلتزم شركة نقل البضاعة بنقلها دون تعرُّضها لتلف أو ضرر، وهذا الالتزام يُعدُّ التزامًا بتحقيق نتيجة، قِوامها سلامة الراكب أو البضاعة المنقولة، وبمجرد تعرضها لأذى تلتزم حينها الشركة بالتعويض. وعلى نفس السياق؛ فإن التزام المستشفى بضمان السلامة الجسديَّة هو التزام بتحقيق نتيجة؛ إذ توسَّع القضاء الفرنسي في هذا الالتزام ليشمل المسؤوليَّة عن العمل الطبي؛ لتعزيز سلامة المرضى، وتسهيلًا لحصولهم على تعويض يجبر ضررهم. ولم يقتصر التطور القضائي على هذا النحو، بل أقرَّ مجلس الدولة الفرنس المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، وذلك في حكمها بمناسبة قضية (Bianchi) الشهيرة بتاريخ 09/04/1993؛ إذا دخل السيد (Bianchi) المستشفى لإجراء تصوير بالأشعة لشرايين العمود الفقري، وهو ما يُعتبر فحصًا عاديًّا، غير أنه قد نتج عنه شلل كامل، ولم يثبت من خلال الخبرة وجود خطأ طبي؛ مِمَّا أدَّى إلى رفض الدعوى من قِبل محكمة مرسيليا الإداريَّة، وعندما عُرض الأمر لأول مرة على مجلس الدولة عام 1988 رفضت منحه التعويض، وقد أُعيد عرض القضية وقضت في عام 1993 بإلزام المستشفى بالتعويض تأسيسًا على المسؤوليَّة غير القائمة على خطأ. ونتيجة لذلك تبنَّى المشرع الفرنسي نظامًا للتعويض غير قائم على الخطأ في عام 2002؛ فأنشأ صندوقًا للتعويض عن الحوادث الطبية التي تقع دون إمكانيَّة إثبات المريض لخطأ طبي؛ ليُعزِّز من سلامة المرضى ويوفِّر الحماية اللازمة في ضوء التطورات الطبيَّة المُتسارعة. وقد أقرَّت العديد من الدول المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، ومنها الولايات المتحدة الأمريكيَّة التي أقرَّت نظامًا للتعويض عن الأضرار الناجمة من لقاحات أطفال مُعيَّنة بموجب قانون صادر من قبل الكونغرس الأمريكي عام 1991، كما أقرَّت نيوزلندا نظامًا شاملا للمسؤوليَّة الطبيَّة دون الحاجة إلى إثبات خطأ طبي. ختامًا، يتعين على المشرع القطري دراسة السياسات التشريعيَّة الحديثة في المسؤوليَّة الطبيَّة، ويجب كذلك على القضاء دراسة التوجهات القضائيَّة المقارنة في المسؤوليَّة الطبيَّة وتبنِّي آليَّات تُوفِّر الحماية اللازمة للمرضى، وخاصة في ضوء الثورة الصناعيَّة الرابعة وما يُصاحبها من تطور تقني هائل، وما يُرافقها من مخاطر مجهولة لا يُعرف مداها ولا يُمكن تقدير جسامتها. والله من وراء القصد.
810
| 29 ديسمبر 2025