رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

2658

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

القواعد الفرعونية في تأصيل العبودية

27 نوفمبر 2024 , 02:00ص

عندما قدِمَ عديُّ بنُ حاتمٍ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهو نصرانيٌّ سمعه يقرأُ هذه الآيةَ: "اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ" قال: فقلتُ له: إنَّا لسنا نعبدُهم، قال: أليسَ يحرمونَ ما أحلَّ اللهُ فتحرِّمونَه، ويحلُّونَ ما حرَّمَ اللهُ فتحلُّونَه، قال: قلتُ: بلى، قال: فتلك عبادتُهم.

لقد قام النهج الفرعوني على قواعد راسخة في وجدان قومه، أصّل لها أصحاب المصالح والمنتفعون بين الناس كقارون، وتبناها رموزه ووزراؤه كهامان، وروج لها المؤثرون والإعلاميون كسحرة فرعون، فكانوا سدًا منيعًا ضد محاولات الإصلاح، وسيفًا مسلطًا على المصلحين، فكانت أولى تلك القواعد هي: إقناع الناس بأن فرعون ملهَم ولا ينطق عن الهوى فقوله الحق ورؤيته الحق وسبيله صراط مستقيم، قال تعالى: "قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ"، فهو يرى في منهجه الحق والرشد وما خالف نهجه فهو الغي والضلال، ويروج السحرة لهذا الإفك المبين بين أفراد المجتمع.

بعد ذلك التمهيد تأتي القاعدة الثانية وهي: أن يُعْبَدْ من دون الله، إما عبادة فعلية مباشرة كعبادة الله، تعالى الله، أو كتلك التي جاءت في الحديث الذي تقدم سرده، قال تعالى: "وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي"، وهذا إستخفاف فج بعقول القوم، لكن العجيب أنهم ولفسقهم المتأصل في تكوينهم أطاعوه فيما أراد "فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ".

أما القاعدة الثالثة فهي: حماية الاستبداد بشتى الطرق، ومنها سحق أي مبادرة للإصلاح قال تعالى: "وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه"، ومنها الاستهزاء بدعاة الإصلاح، قال فرعون: "فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ"، ومنها أيضًا التكبر على الحق وعدم الموضوعية ويتجلى ذلك في قوله: "أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ".

أما القاعدة الرابعة فهي: إتهام المصلحين بأنهم إنما يريدون تغيير الدين والعبث به قال: "إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ"، تخيّل فرعون يخشى على الدين من موسى عليه السلام، ولكن أي دين؟، ذلك الدين الذي جعل منه إلهًا يعبد من دون الله، الدين الذي يتبع الهوى فيحل ما حرم الله ويحرم ما أحل الله، فكانت العاقبة أن أنجى الله المؤمنين المصلحين وأغرق فرعون وجنوده وهم ينظرون "وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا".

مساحة إعلانية