رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تستقر ليبيا منذ إسقاط نظام معمر القذافي في 20 أكتوبر 2011 وقتله في مدينة سرت، والأسباب متعددة، منها التنافس بين القوى القبلية على إرث النظام المنهار، ومماحكات السياسيين الذين كانوا يشتغلون بالسياسة في عهد القذافي معارضين كانوا أو مؤيدين لنظامه، توفر السلاح بيد القبائل المتنافسة عامة، انعدام الأمن في كل أرجاء الدولة الليبية. المؤسف أن نظام معمر القذافي على مدى أربعين عاما لم يبن مؤسسات دولة ولم يؤسس لنظام حكم تكون الأجيال القادمة قادرة على البناء عليه من أجل دولة ديمقراطية تعددية، ولحق به الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، هو الآخر لم يؤسس لدولة يمنية ديمقراطية تعددية وإنما أسس كنظيره القذافي لنظام حكم شللي (نسبة إلى شلة) أحال البلاد والعباد إلى فوضى وحروب قد لا تنتهي في المستقبل المنظور لا في اليمن ولا في ليبيا أو سوريا.
❶
حاولت دولة قطر، بكل وسائلها السلمية في ليبيا منذ سقوط نظام معمر القذافي أن توحد الجبهة الداخلية من أجل استقرار ليبيا ووحدتها وسلامة أراضيها وقيام سلطة قادرة على تحقيق الانسجام الاجتماعي بين كافة مكونات الشعب الليبي، إلا أن جهودها تلك تعرضت لعملية تشويه من بعض العناصر السياسية الليبية، وذلك لأسباب تعود أيضاً إلى أطراف ليبية تشتغل بالسياسة تسعى لتحقيق مصالح ذاتية على حساب أمة، يضاف إلى ذلك تدخل قوى عربية أخرى في الشأن الليبي ليس من أجل مصالح الشعب الليبي ولكن لأسباب أخرى لم يحن الوقت لشرح تلك الأسباب.
في شرق ليبيا، تدور معارك طاحنة يقودها الجنرال السابق في الجيش الليبي العائد من منفاه الاختياري في مارس 2011 في الولايات المتحدة الأمريكية بعد غياب 20 عاما قضاها في فرجينيا بواشنطن، وقد انظم إلى صفوف الثوار وقفز إلى مرتبة عسكرية عالية (لواء) وقاد بعض الفصائل العسكرية المنشقة على نظام القذافي في شرق ليبيا وراح تحت ذرائع متعددة منها محاربة الإرهاب والإرهابيين، ويقصد بذلك محاربة التنظيم السياسي للإسلاميين الوسطيين في ليبيا، يشد من أزره عسكريا واقتصاديا في تلك الحرب الطاحنة النظام الانقلابي في مصر العزيزة بقيادة الجنرال السيسي وأطراف عربية أخرى.
في الغرب الليبي، أيضاً معارك بين ثوار 17 فبراير وأعداء الثورة والطامحين في الاستيلاء على السلطة في طرابلس العاصمة، ولا شك بأن هناك جهودا تبذل من أجل الوصول إلى توافق بين جميع الأطراف. وليس الجنوب الليبي يسوده السلام والاستقرار فحروب ونزاعات قبلية وسياسية بين اتباع القذافي وغيرهم، جرّت هذه المنطقة إلى حروب قبلية راح ضحيتها أكثر من 300 قتيل وأكثر من 2000 جريح.
❷
لقد سعى المؤتمر الوطني الليبي العام في طرابلس، لوقف الحرب الدائرة في الجنوب الغربي الليبي بين قبائل الطوارق وقبائل التبو، واستعان بأطراف متعددة لم تجد نفعا، وقد توجه المؤتمر بطلب رسمي من دولة قطر للتوسط بين تلك القبائل لإيجاد حل لوقف إطلاق النار وإجراء مصالحة بين الأطراف المتنازعة، واستجابت القيادة السياسية القطرية إلى طلب المجلس الوطني في طرابلس بشرط موافقة الطرفين (شيوخ الطوارق وشيوخ التبو) ومساندة دول الجوار الليبي لأي جهود تؤديها دولة قطر في سبيل إيجاد توافق ومصالحة بين الأطراف المتنازعة، وكان لها ما أرادت، ورمت قطر بكل ثقلها لإنجاح وقف إطلاق النار وإتمام المصالحة الشاملة.
المعروف أن قبائل الطوارق تنحدر من أصول عربية يمنية كما تقول أوثق الدراسات العلمية، وأنهم يدينون بالإسلام ومن أتباع فقه أهل السنة والجماعة، وينتشرون في تونس والجزائر وليبيا ومالي وبوركينا فاسو والنيجر، بينما قبائل التبو ليست من أصول عربية، واختلف الباحثون في تحديد أصولهم، وهم ينتشرون أيضاً في جنوب ليبيا وشمال النيجر وتشاد وفي غرب السودان إلا أنهم ليبيون عاشوا في ليبيا من أقدم العصور، ويدينون بالإسلام كإخوانهم الطوارق ومن أتباع ذات الفقه.
❸
استجابة لرغبة الأطراف الليبية المعنية وتأييد دول الجوار وهي الجزائر وتونس والنيجر وتشاد، كلف سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد وزارة الخارجية بتعيين فريق العمل للقيام بدور التوسط والتوفيق بين قبائل الطوارق وقبائل التبو ممثلة بشيوخ تلك القبائل، وتولى سعادة الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني مساعد وزير الخارجية للشؤون التعاون الدولي قيادة الفريق القطري في هذه المهمة.
والجدير بالذكر في هذا الصدد أن القيادة السياسية القطرية أوكلت المهمة إلى وزارة الخارجية وليس إلى إدارة المخابرات العامة كما تفعل بعض الدول وأخص بالذكر هنا جمهورية مصر العربية، وأسوق مثلا في هذا المجال: ملف أهم قضية عربية إسلامية إستراتيجية لمصر وللعرب عامة القضية الفلسطينية ملفها في عهد السيسي ومن قبله مبارك والسادات بيد المخابرات المصرية وهذا أمر مخل.
يقول السيد محمد صندو، الناطق الرسمي باسم وفد قبائل التبو: إن دولة قطر قادت مفاوضات عسيرة وطويلة، دامت المفاوضات ستة أشهر كاملة، وتوجت تلك الجولات من التفاوض بتوقيع اتفاق المصالحة الشامل بين القبائل آنفة الذكر في العاصمة القطرية الدوحة، وينص الاتفاق إلى جانب أمور أخرى على وقف فوري لإطلاق النار، إلغاء المظاهر المسلحة في كل المنطقة، عودة المهجرين إلى بيوتهم، وإطلاق سراح الأسرى، ويؤكد السيد صندو أن نجاح المفاوضات والنتائج الباهرة التي توصلت إليها يعود إلى المهارة الدبلوماسية القطرية في التفاوض، وتقريب وجهات النظر واقتراح الحلول عند الاختلاف، وكان لقطر باع طويل في حل الكثير من الأزمات الدولية في الأعوام الماضية، وتتميز الدبلوماسية القطرية بالنزاهة، والوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف المختلفة ولا تفرض حلا ولا تمارس ضغوطا على الأطراف المتفاوضة ومن هنا كسبت قطر ثقة المتفاوضين. وأكد السيد مصطفى حمادي الناطق باسم قبائل طوارق ليبيا في المفاوضات ما جاء على لسان السيد محمد صندوق المتحدث باسم قبائل التبو.
آخر القول: شكرا قطر لكل جهودك في خدمة السلم والأمن والاستقرار وإنهاء الحرب في الجنوب الغربي الليبي، هكذا قال جميع شيوخ قبائل طوارق وتبو ليبيا، ونتمنى أن تأتي اللحظة لتلعب قطر دورا فعالا في مصالحة شاملة في ليبيا وإنهاء تلك الحرب التي تدمر ليبيا وشعبها العربي الأصيل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4605
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3306
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1272
| 28 سبتمبر 2026