رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لحظة الخطر هي لحظة العقل والحكمة، هي لحظة يستدعي فيها الإنسان كل وعيه ويقينه وثقافته وإيمانه، وكذلك الأمم التي بقيت عبر التاريخ، تصارع من أجل البقاء والنمو والحفاظ على وجودها، هذه هي اللحظة التي تمر بها مصر.
بينما كان العالم ينظر تجاه الحدود بين قطاع غزة وفلسطين المحتلة ويثار سؤال من كسب ماذا ومن خسر وما الذي خسره؟، وبعد أن غادرت وزيرة الخارجية الأمريكية بعد إعلان هدنة التهدئة على حدود غزة، والتسريبات تتحدث عن هدنة مداها خمسة عشر عاما!، والتحيات والتقديرات تصل رئيس مصر المنتخب، كان هناك مطبخ في الرئاسة المصرية يشعل فتيل انفجار لا يعلم مداه إلا الله، ويفتح الباب على مصراعيه لاقتتال داخلي لم تشهد مصر له من قبل مثيلا.
أعلن المتحدث باسم رئاسة الجمهورية إعلانا دستوريا، من ست نقاط، تحمل معنى النزوع للانفراد بسلطة الحكم، وتحمل من العناد والثأر أكثر مما تحمل من المسؤولية والضرورة. واشتعل الفتيل، وبدت شواهد الانفجار القادم تتوالى.
صدمة تحصين الجمعية التأسيسية للدستور، كانت عنادا واضحا وتجاهلا، لمعنى التوافق، ولموجات الانهيار التي أصابت أداء الجمعية، وكأن مصدر القرار يدفع إلى غير الحوار سبيلا لحل أزمتها، ويرفع ولاية القضاء عن الحكم في الطعون المقدمة في تشكيلها.
والصدمة الثانية هي إلغاء دور القضاء ومصادرته وغل يده عن الفصل في كل الدعاوى المنظورة أمامه بشأن مجلس الشورى، والجمعية التأسيسية، وبالتالي قرارات مجلس الشورى بشأن الصحفيين وغيرها، ثم المعنى الضمني بتجاهل حق الرئيس في إعادة تشكيل الدستورية لتصل إلى حالة التوافق.
الأمر الثالث تحصين قرارات الرئيس ذاته، أي أنه فوق المراجعة، وامتلك بذلك صفة الخصومة ــ وهو صانعها ــ وصفة الحَكَم، وخاصية الحصانة المطلقة، وهل للاستبداد تعريف مخالف لذلك؟
بداية لننتهي من وصف ما صدر بالإعلان الدستوري، فهذا ليس من حقه على الإطلاق، ويبدو أن مستشاريه قد تناسوا من له هذا الحق، فهو ليس سلطة استثنائية كما كان المجلس العسكري، وليس قائد ثورة، ولكنه رئيس بالانتخاب، فهو سلطة تنفيذية وفقط، وله أن يصدر قرارات بقوانين لحين انعقاد مجلس الشعب المنتخب، وألا يعتمد على أن تؤول إليه سلطة التشريع بناء على إعلانات سابقة. هذه البداية تقول إن هناك غيابا معرفيا، وهناك ادعاء بحقوق لا يملكها يدعيها لنفسه أو يدعيها له آخرون.
ثم أليست هناك شبهة في هذا الإعلان، بأنه محاولة للثأر من القضاء، والذي خسر في مواجهته معركتين سابقتين واحدة مع الجمعية التأسيسية بشأن قراره بدعوة مجلس الشعب المنحل للانعقاد مخالفا في ذلك حكم المحكمة الدستورية، وهو يضمر للمحكمة وأعضاء فيها خصومة عندما أوجبت المحكمة أن يقسم أمامها وعلانية قسم رئيس الجمهورية، ثم بمواقف من أعضاء منها جرت أمام المجلس العسكري قبل الانتخابات وكشفت اتفاقاته كممثل لجماعة الإخوان على حساب الثورة ولحساب الجماعة. والمعركة الثانية معركة إقالة النائب العام المستشار عبد المجيد محمود، وموقف نادي القضاة ومجلس القضاء الأعلى والهيئات القضائية ضد قراره الذي لا يحمل سندا لأن منصب النائب العام محصن ضد الإقالة.
وثالثا أليس وضع كل من لديه تحفظ على ما حصنه أمام طريق مسدود بمنع اللجوء للقضاء، هو دعوة لاستخدام أساليب أخرى؟
السؤال الآن لماذا إشعال الفتيل في هذه اللحظة؟ ولماذا استبدال مناهج إدارة الدولة وتوحيد الأمة بالعناد وبالإقصاء؟ ثم هل هذا خطأ وقع فيه دون قصد أم أنه إجراء متعمد لدفع المجتمع لانقسام أشد يطلق يده على الجانب الآخر لقرارات تمس السيادة الوطنية وتمس أهداف الثورة ومهامها؟
نعم عملية إصباغ كل مؤسسات الدولة بعناصر ولاؤها للإخوان، بغض النظر عن القدرات السياسية والفنية لأداء المهام، كانت عاجزة عن اختراق القضاء، فهل هي محاولة لاختراق القضاء وبالقوة؟ والقوة هنا ليست الانقلاب ولا سلطة القرار، ولكنها تجسدت عندما انعقدت الجمعية العمومية لنادي القضاء يوم 24 نوفمبر، وهاجمتها جماعات وصفت بأنها مسلحة في محاولة لمنع الاجتماع. فهل هناك عقل في هذا الأداء وهذه الإدارة؟
مراقبة أداء الإخوان من قبل الثورة وأثناء الأيام الأولى وخلال كافة المواجهات التي جرت بين الشباب والمجلس العسكري والدماء التي سالت، ثم أداء مجلس الشعب المنتخب، وخطاب التعالي الإخواني، أدى إلى تولد حالة رفض شعبي لهم، ولو كان هناك في مواجهة مرسي أحد غير شفيق في انتخابات الرئاسة، ما كانت النتيجة لصالحه، ويبلغ الضغط مداه بهذا الإعلان، فينفجر الشارع في كل المحافظات ضدهم وتنشب معارك الشوارع ومحاولات حرق المقار، لتدوم أربعة أيام حتى اللحظة. ويبرز سؤال من الفاعل الأصيل في هذا؟ أليس هو من أقسم على التزام المسؤولية عن حماية الوطن والشعب من كل خطر يتعرض له وبديلا عن ذلك يصنع هو مشكلة الانقسام ويصر عليها ويفتح باب الاقتتال؟، وهو الأمر الذي استدعى أن يصدر القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع يوم 25 نوفمبر بيانا يعلن فيه أن الجيش مسؤول عن حماية الوطن والشعب داخليا وخارجيا!
وتسري في مصر مقولة هي الخطر الداهم، إن كان حزب الحرية والعدالة هو الذراع السياسية لجماعة الإخوان فإن حماس هي الذراع العسكرية للجماعة، وهو ما ينقل الوعي بالقضية الفلسطينية والمقاومة إلى مرحلة تتسم بسواد الخصومة وهذا إحساس دخيل على الوعي الشعبي المصري، وكأن هناك من يريد استبدال الخصومة من أن الخطر هو إسرائيل إلى أن الخطر هو المقاومة الفلسطينية.
وتنقل أجهزة إعلام مصرية وأمريكية وإسرائيلية أنباء عن أن قبول إسرائيل بالهدنة سبقه اتفاق وتأكيد أمريكي صادر عن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية لرئيس وزراء إسرائيل بأن قوات أمريكية ستصل طلائعها خلال 48 ساعة من التوقيع ومهامها، تأمين سيناء وتدمير أي مخزون للصواريخ الإيرانية بها، وأنها ستتولى السيطرة على سيناء من شرق القناة حتى الحدود مع إسرائيل، لمنع عبور الأسلحة القادمة من السودان وسوق السلاح في ليبيا إلى غزة، وذلك لتعويض قصور أجهزة المخابرات المصرية والجيش المصري في التصدي لعمليات التهريب هذه. وتتحدث وسائل الإعلام الإسرائيلية أن الوجود العسكري الأمريكي سيحول بين مصر ومطالبها بتعديل كمب ديفيد أو إلغائها، وعلى الناحية الأخرى فهي ستفتح سيناء لتكون ساحة مواجهة بين تنظيمات مسلحة والقوات الأمريكية القادمة.
وتنقل "الأهرام المصرية" عن صحيفة هآرتس موافقة رئيس مصر على نشر أجهزة رصد إلكترونية على طول الحدود المصرية الإسرائيلية، وهو ما رفضه من قبل مبارك وتحدث بأنه "خط أحمر". ويبدو أن كل الخطوط عند الإدارة المصرية الآن لا لون لها ولا معنى سوى خط السلطة بين جماعة الإخوان وبين كرسي السلطة، والسلطة المطلقة.
مازالت في مصر آراء تتهم السادات بالتفريط في السيادة المصرية على سيناء بتقسيمها إلى مناطق ثلاث تحد من وجود القوات المسلحة فيها، وكان السعي دائما للمطالبة بإلغاء اتفاقية كمب ديفيد وعودة الجيش إلى كل الأرض وفق رؤيته العسكرية في انتشار قواته دون مانع. وأثناء العدوان الإسرائيلي على غزة 2008 كان الاتهام الأساسي لمبارك أنه يسهم في حصار القطاع ويشارك إسرائيل ذلك، واتهم بالخيانة، فما بالنا اليوم وهناك هذا القبول بالوجود الأمريكي في كل سيناء، وإطلاق يد هذه القوات في التعامل مع من تراه خطرا أو هدفا، فهي موجودة، وهي صاحبة القرار في قواعد الاشتباك.
هذه الازدواجية، التفريط في السيادة والقبول بالقوات الأمريكية فوق الأرض وحرية قرار الاشتباك، وعلى الناحية الأخرى التغني بحكمة الرئيس في وقف العدوان على غزة، هو تفريط في مصر واستقلالها، ولو كان مبارك فعلها لاتهمه الإخوان بالخيانة، وهل عندما يفعلها الإخوان يسقط اتهام الخيانة؟
الخطر في الشوارع المصرية، والقوات الأمريكية وبكل الرضا تصل إلى سيناء وليست في حاجة إلى هجوم جوي أو بحري، وانفراد بالسلطة المطلقة، فهل يمكن أن يكون الحوار سبيلا لتدارك هذا الخطر؟ وهل هناك سبيل آخر يحول دون تفاقم الخطر وأزمة الثقة؟
مصر في دائرة الخطر وليس مجرد الثورة، وتحت عباءة الدين يتم التفريط في السيادة الوطنية وقضية العرب المركزية... فلسطين وليس أمن إسرائيل.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
883
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
640
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
540
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5493
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3036
| 24 سبتمبر 2026