رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شكلت القضية الفلسطينية، وفي القلب منها مسألة القدس الشريف، وتحديداً مسجدها الأقصى، المحور الأول لاهتمامات وجدول أعمال اجتماعات كل من الجامعة العربية التي تجسد النظام الإقليمي العربي ومنظمة التعاون الإسلامي وهي ثاني منظمة دولية بعد الأمم المتحدة ونشأت بالأساس في العام 1969 للدفاع عن المسجد الأقصى الذي تعرض في هذا العام لاعتداء مستوطن يهودي.
ويعد ذلك في حد ذاته منحى إيجابياً، بيد أن المرء عندما يرصد نتائج ذلك على الأرض فالحصيلة ستقترب من الصفر، لأن الأمر ما زال يقيم في خانة الكلام والتنظير وربما الشعار الذي يغلب دوما على الخطاب السياسي للمنظمتين ولم تحدث مقاربات باتجاه الفعل الذي من شأنه أن يوقف المشروع الاستيطاني والتهويدي للكيان الصهيوني في القدس والذي بلغ ذروته في الآونة الأخيرة بتهديد وجود المسجد الأقصى وهويته الإسلامية من خلال سلسلة الاقتحامات التي تكاد أن تكون يومية لباحاته وساحاته المختلفة من قبل نفر من قطعان المستوطنين الذين لا يتورعون عن ارتكاب أي حماقة لإعادة إنتاج ما يسمى بهيكل سليمان والذي لا يرون له موقعا إلا تحت الأقصى وهو ما يتجلى في عمليات الحفر التي لم تتوقف على مدى السنوات القليلة الماضية، فضلا عن السعي الدءوب لتغيير الهوية الحضارية للقدس، مكانا وبشرا وتاريخا.
ولعل آخر مظاهر ذلك ما يعتزمه الكنيست الصهيوني من التصويت على خطة لتقسيم الأقصى زمانيا ومكانيا بين المسلمين واليهود والتي يطلق عليها مسودة قرار صلاة اليهود بجبل الهيكل خلال شهر نوفمبر المقبل، فضلا عما قام به نائب رئيس الكنيست الإسرائيلي "موشيه فيجلين" - قبل أيام - من أداء طقوس تلمودية على قبة الصخرة المشرفة دون أي اعتبار لحرمتها وقدسيتها لدى كافة المسلمين في العالم.
وتأتي هذه التطورات لتعكس شراسة عدوانية الكيان الصهيوني تجاه القدس بالذات والتي حولتها سلطات الاحتلال إلى كتلة استيطانية وغيرت من معالمها وأجبرت سكانها الفلسطينيين على مغادرة منازلهم بقوة السلاح وإرهاب المستوطنين المحميين دوما بقوات الأمن والجيش لإخلائها لليهود من منازلهم وخصصت هذه السلطات مبلغ 15 مليار دولار للمضي قدما باتجاه تنفيذ مخططها الاستيطاني والاستعماري والتهويدي في القدس وهو في أغلبه حصيلة تبرعات رجال أعمال يهود في الولايات المتحدة الأمريكية، بينما رجال الأعمال العرب وبعضهم يتصدر القائمة الأولى لأثرياء العالم ربما لا يعلمون أين تقع القدس وربما بعضهم ضالع في عمليات تطبيع اقتصادي واستثماري مع نظرائه في هذا الكيان.
صحيح أن ثمة لجنة للقدس منبثقة عن منظمة التعاون الإسلامي برئاسة العاهل المغربي الملك محمد السادس والتي تتحرك عبر ذراعها التنفيذية -وكالة بيت مال القدس – والتي عقدت آخر اجتماع لها مطلع العام الجاري بمدينة مراكش المغربية بحضور الرئيس الفلسطيني محمود عباس "أبو مازن" غير أن هذه اللجنة - على الرغم مما تبذله من جهود ومشروعات - تبقى في حالة احتياج دائم للدعم والإسناد المالي من الدول الإسلامية والتي تتعامل مع القدس ومتطلبات سكانها الحياتية من منظور لا يفي بها ولا يبلغ عشر ما تخصصه حكومة الاحتلال الصهيوني للإنفاق على مشروعات تهويد وتغيير المعالم الحضارية للمدينة المقدسة.
ويمكن فهم ذلك بشكل واضح من التوصية التي وجهها البيان الختامي للجنة القدس في اجتماع مراكش لجميع الدول الأعضاء في التعاون الإسلامي ومؤسساتها المالية بـ"تقديم الدعم المادي اللازم للوكالة حتى ترتقي إلى مستوى تطلعات الحكومات والشعوب الإسلامية في الدفاع ميدانيا عن مدينة القدس الشريف".
ووفقاً للبيان ذاته فإن الوكالة تخصص 20 مليون دولار سنويا لتمويل المشاريع بالقدس وقد أعلن رئيسها عن تخصيص 30 مليون دولار إضافية لهذا الغرض ومع ذلك فإن كل هذه المبالغ التي لا تتجاوز خمسين مليون دولار سنويا في حال دفعت الدول الأعضاء مستحقاتها، لا تكفي.
وعلى صعيد الجامعة العربية فإن مواقفها، سواء على مستوى القمة أو وزراء الخارجية، تقوم على أنه لن يكون ثمة سلام أو إنهاء للصراع العربي الإسرائيلي من دون اعتبار القدس "الشرقية "عاصمة لدولة فلسطين، بحسبانها جزءا لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967 هو رفض كافة السياسات الإسرائيلية الرامية إلى تهويد القدس وطمس تاريخها الحضاري والإنساني والثقافي والديني والتأكيد على أن جميع هذه الإجراءات باطلة ولاغية بموجب القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
وفيما يتعلق بالدعم المالي فإن قمة بيروت العربية التي عقدت في مارس من العام 2002 أقرت مبادرة سعودية بتأسيس صندوق لدعم الأقصى بقيمة 150 مليون ثم أقرت قمة سرت في العام 2010 زيادة هذا المبلغ إلى 500 مليون دولار وتمت مضاعفته في قمة الدوحة التي عقدت في مارس من العام 2012 إلى مليار دولار ولكن ما دفع من هذا المبلغ محدود للغاية - وفق معلومات خاصة – لا يتجاوز خلال 14 عاما منذ الإعلان عن هذا الصندوق في العام 2001، المائة مليون دولار من عدد ضئيل للغاية من الدول العربية التي لم تلتزم أغلبها بدفع مخصصاتها، بل وقعت في بعض اجتماعات القمة خلافات بشأن وجود صندوقين، أحدهما لدعم الانتفاضة وثانيهما للأقصى وهو ما يعكس حالة اللامبالاة العربية إن أردنا التشخيص فيما يتصل بتقديم الإسناد المالي لحماية القدس ومقدساتها وفي الصدارة منها المسجد الأقصى أولى القبلتين.
وفي ضوء هذه المعطيات فإنه يتعين التحرك عربياً وإسلامياً على نحو أكثر فعالية واتساقاً مع التوجهات التي تؤكد أن العبث بالمسجد الأقصى المبارك والقدس الشريف خط أحمر لن تسمح الأمة بشقيها العربي والإسلامي لأحد بأن يتجاوزه بأي حال من الأحوال وذلك يستوجب مغادرة حالة مراوحة المكان والبكاء على القدس وهو ما يعني اتخاذ سلسلة من الخطوات العاجلة، وفي مقدمتها ما يلي:
أولاً: مسارعة الدول العربية والدول الإسلامية، بل والأفراد والمؤسسات القادرة ورجال الأعمال لتوفير كافة المستلزمات المالية لوكالة القدس وصندوق دعم الأقصى وذلك حتى يكون بمقدورهما تلبية الاحتياجات اليومية لسكان القدس ودعم صمودهم في البقاء وعدم الاستجابة للضغوط وأحيانا الإغراءات بالمال من قبل العصابات الصهيونية لترك منازلهم وبيع ممتلكاتهم وتلك مهمة تتطلب من وسائط الإعلام بتجلياتها المتعددة أن تلعب الدور المهم في تحريكها والدفع باتجاهها بدلا من أن تركز هذه الوسائط على ما يقسم الأمة ويعمق خلافاتها.
وحسب منظور الدكتور إياد مدني الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي فإن "الوضع في القدس يحتاج أكثر من أي وقت مضى أن نسخر كامل مواردنا وإمكاناتنا وإلى التنسيق المشترك، خاصة بين الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية والبنك الإسلامي للتنمية، ووكالة بيت مال القدس من أجل حماية مدينة القدس ودعم صمود أهلها وتثبيتهم"، في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، داعيا إلى بذل "مزيد من الجهود المشتركة من خلال تشكيل لجنة متابعة للتنسيق ما بين الدول الأعضاء ومؤسسات المنظمة ووكالات التنمية ومنظمات المجتمع المدني، وللتشاور مع المنظمات الإقليمية والدولية بشكل دوري، وإلى حشد الموارد من أجل وضع الخطة الإستراتيجية لتنمية مدينة القدس.
ثانياً: اتخاذ التدابير القانونية المناسبة ضد إسرائيل لدى الهيئات القانونية الدولية، بما فيها محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية وذلك يتطلب بالضرورة من الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي الاستعداد بالعناصر والكوادر القانونية والدبلوماسية القادرة على التحرك في هذا الاتجاه والذي من شأنه أن يخلخل البنية القانونية التي يتكئ عليها الكيان الصهيوني.
ثالثاً: التأكيد بكل الوسائل على أن القدس أرض عربية إسلامية غير قابلة للتنازل، ووقف إسلامي تتعين المحافظة عليه وفي هذا الصدد ألفت إلى آلية اقترحها سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، قبل سنوات، وتتمثل في تخصيص وقفية بعينها، على أن يوجه ريعها للمساهمة في تلبية متطلبات سكان القدس.
رابعاً: القيام بحملات دولية مستمرة لتنفيذ قرارات منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلم (اليونيسكو) على صعيد رعاية الموروث الإنساني والحضاري العالمي المتمثل في مدينة القدس، وحماية الوضع التعليمي والسكاني والثقافي بها.
خامساً: توفير كل وسائل الإسناد السياسي والإعلامي للقيادة الفلسطينية في معركتها القادمة بالتوجه إلى مجلس الأمن لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي عبر مشروع القرار الذي سيتم التقدم به نهاية هذا الشهر والذي ينص على قيام دولة فلسطينية وفق حدود الرابع من يونيو من العام 1967 وعاصمتها القدس الشريف مع إجراء اتصالات مكثفة من قبل الجامعة العربية والتعاون الإسلامي، فضلا عن الدول الأعضاء فيهما، مع القوى الدولية للضغط على إسرائيل لوقف جميع عملياتها الاستيطانية الهادفة إلى تغيير الوضع القانوني أو الشكل الجغرافي أو التركيب السكاني لمدينة القدس، ورفض سياسة التهويد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في صباح أحد أيام أكتوبر 1973 توقفت إشارات المرور في شوارع لندن، وأُطفِئت المصابيح في مكاتب نيويورك، وهرع سكان طوكيو إلى محطات الوقود بدراجاتهم، لم يكن ذلك مشهدًا من فيلم خيال علمي بل كان أول درس حقيقي للعالم في جغرافيا الطاقة، تزايد المخاطر المحيطة بالبنية التحتية للطاقة يدفع نحو التفكير في إنشاء مشروع عربي- خليجي- دولي تكون مهمته حفظ أمن المضائق المائية وخطوط الإمداد وسلاسل التوريد، لا عبر التركيز على الأمن الميداني فحسب من تأمين السفن والأنابيب، بل عبر إدارة عقلانية للعرض والطلب وبناء منظومة توازن جديدة تمنع الأزمات، فوجود كيان أممي مفتوح يشارك فيه المصدرون والموردون على حد سواء، بحيث يضم المنتجين للنفط والغاز والمستهلكين من أمثال الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وأوروبا والولايات المتحدة لتشكيل إطار مؤسسي لا يقتصر على المنطقة فحسب بل يتسع للعالم. أهمية الطاقة للحضارة الانسانية من الصناعات الحديثة والدقيقة إلى الذكاء الآلي، تعتمد على الصادرات الخليجية، وهذا يحتم وجود اطر لادارة الشأن الخليجي، فالفراغ يدفع الدول والآخرين لتعبئته خاصة لاهمية منطقة الخليج التي هي مصدر الكثير من لقيم المصانع الحديثة والآلات والأجهزة الحديثة فمن النفط ومنتجاته الى الغاز والطاقة النظيفة ومنتجاتها مثل البتروكيماويات واهميتها للصناعات الحديثة والاسمدة واهميتها للزراعة والمنتجات الاخرى مثل الهيليوم والنافتا والالومنيوم والصناعات الاخرى، كل هذه المواد تنتج في الخليج وتخرج من مضيق هرمز، هناك اكثر من ٢٠٪ من الطاقة العالمية تخرج من مضيق هرمز واكثر من ١٣٪ من حاجة البشرية للزراعة في شكل اسمدة من المنطقة والنيتروجين والامونيا والهيليوم الذي تحتاجه صناعات الشرائح، كل هذه المنتجات ومع اهميتها وهذا الغنى والتنوع في المنتجات وحاجة اسواق العالم لها لكنها تقع في منطقة لا تتمتع بهياكل تنظيمية قادرة على ضبط امن هذه الصناعات ولا ضبط ايقاعها للاسواق ولا ضبط موازين العرض والطلب وهذه امور ضرورية لحيوية الاقتصاد العالمي ولاستقراره، دون وجود منظمة لحماية الطاقة ما بين ضفتي الخليج تظل الامور ارتجالية ولا تخضع لقواعد تنظيمية تمنح المصدرين والمستوردين ودول المنطقة مستوى من الامان لضمان استقرار سلاسل التوريد. ومثل هذه الاحداث الاخيرة في المنطقة والحرب على ايران هي ناقوس خطر اذا لم تأخذ دول المنطقة المبادرة لانشاء منظمة لحماية الطاقة تقوم بحفظ التوازنات وضبط القواعد وانشاء الكيانات القادرة على توفير الامن وتوفير القدرة على ادارة مختلف القطاعات فبامكانها تأمين المضائق المائية وبامكانها انشاء منظمات او مؤسسات لتأمين ناقلات النفط والشحن من السلع المغادرة من المنطقة والمتجهة لمختلف دول العالم مع غنى منطقة الخليج ولكنها ايضا تقع في وسط القارات مما يجعلها حلقة وصل اما لحركة السفر او لحركة البضائع ومصدر الطاقة، تحتاج المنطقة لمؤسسات للتأمين وللتمويل ولدراسة الجدارة الائتمانية ووضع منظومة لتحسين المناخ الاستثماري لتحتوي على كل ما يمكنه ان يوفر الامان للاسواق العالمية والاقتصاد العالمي. هذا الكيان يمكن أن يبدأ بخطوة عملية عبر الدعوة إلى قمة تأسيسية في الدوحة يتم فيها التوافق على اتفاقية إطار مؤسسي تحدد المهام والصلاحيات، ويقوم بنيته على مجلس أعلى يتكون من خمس عشرة دولة، خمس منها أعضاء كبار بخدمة ثابتة لخمسة أعوام وعشرة أعضاء يتم تداولهم سنويًا، إلى جانب مجلس استشاري يضم خبراء في الطاقة والجيوسياسة والاقتصاد، ومراكز بحوث وبيوت خبرة تعنى بتجميع البيانات وتحليلها وصناعة التصورات المستقبلية التي تساعد صناع القرار على إدارة المخاطر. وسيكون من صلاحيات هذا الكيان الدعوة إلى المؤتمرات والورش ووضع الاستراتيجيات والرؤى التي تجمع الحكومات بقطاع الاعمال والمستثمرين من أجل صياغة سياسات شاملة لأمن الطاقة. ولا يقتصر دوره على الجانب الأمني وإنما يمتد إلى وظائف اقتصادية ومؤسساتية، مثل تأسيس شركات تأمين لتغطية المخاطر التي تواجه ناقلات النفط والغاز وخطوط الأنابيب والبنى التحتية، وإنشاء مصارف متخصصة لتمويل مشاريع الطاقة التقليدية والمتجددة، بالإضافة إلى وكالات ائتمان للطاقة تقوم بجمع المعلومات وتحديد المخاطر وتوفير قاعدة بيانات موحدة دولية، فضلًا عن منصات استثمارية يمكنها جذب رؤوس الأموال نحو البحث والتطوير وتشجيع التكنولوجيا النظيفة. إن أمن الطاقة يرتبط بشكل مباشر بأمن الملاحة البحرية في مضائق حيوية مثل هرمز وباب المندب وقناة السويس وجبل طارق، وأي اضطراب في هذه النقاط التاريخية قد يشعل أزمة اقتصادية أو صراعًا عسكريًا، ولذلك فإن مشاركة جميع اللاعبين الإقليميين بما في ذلك إيران ستكون ضرورية لتأمين شراكة شاملة تضمن أن يكون أمن الطاقة مصلحة جماعية شاملة لكل الأطراف بشكل مغاير لاوبك وأوبك بلس. الغاية من هذا المشروع هو تأمين الطاقة عالميًا ومنع التجاوزات والصدامات التي تؤدي إلى حروب، وتمكين العالم من دخول حقبة نمو اقتصادي آمن ومستدام قائمة على إدارة عقلانية بعيدًا عن محاولات الهيمنة أو الاستغلال، وهو ما يمكن أن يجنب المنطقة والعالم مخاطر الصدام الكبرى مثلما شهدنا في المواجهة بين إيران وأمريكا وما تحمله من تهديد نووي. هذا الطرح يمثل ورقة إطار عام تصلح للانطلاق نحو بناء هيكل تفصيلي أكثر وضوحًا للحوكمة والتمويل والتمثيل السياسي، لكنه في صورته الراهنة يقدم تصورًا عمليًا لعقد جديد للطاقة يعتبر أن أمن الطاقة هو أمن جماعي وعالمي وليس شأنًا محصورًا بالمنتجين أو المستهلكين، بل مسؤولية مشتركة تؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية.
9732
| 06 أبريل 2026
في ظل الإيقاع السريع المحموم لهذا العصر، تلاشت معضلة الوصول إلى المعلومة كما كان الحال في السابق، فلم تعد المشكلة في ندرة المعلومات، بل ربما أصبح الإفراط في توفرها هو التحدي الحقيقي. وبيان ذلك، أنه يمكن للمرء بضغطة زر أن يمثل أمام بصره آلاف المقالات والبحوث، ويشاهد مئات المقاطع المرئية، ويستمع خلال دقائق معدودة إلى حشد من الآراء في مسألة واحدة، إذ أسهمت البيئة الرقمية الحديثة والمحتوى السريع في تشجيع استهلاك المعرفة في شكلها الأسهل. بيْد أن هذا التدفق الهائل للمعلومات لم ينتج وعيًا أعمق، بل أفرز ما يمكن أن نسميه بوهم المعرفة السطحية، حيث يظن مستخدم الشبكة العنكبوتية أنه أوغل في الثقافة والمعرفة، بينما هو في حقيقة الأمر لا يمتلك سوى قشرة رقيقة من الفهم، قشرة لامعة. خطورة هذا الوهم أنه لا يقوم على الجهل الصريح الذي يمكن معالجته، وإنما على فكرة الإحساس الزائف بالمعرفة، فهو يتحدث بثقة كمن ألمَّ بأطراف الموضوع أو القضية، ويصدر حولها أحكامًا، مستندًا في ذلك إلى سياق مبتور أو فهم غير مكتمل أو آراء شاذة، فيحدث لديه الخلط بين الاطلاع والفهم، وبين المعرفة والاستيعاب، فتتكون قناعاته الهشة التي تبدو صلبة في ظاهرها لكنها تتهاوى أمام أول اختبار حقيقي. ولئن كان الجاهل يمكن أن يزيل جهله بالتعلم عندما يعترف بجهله، فإن هذا المتعالم مدعي الثقافة على يقين من أنه يعلم، فمن ثم لا حاجة به إلى التعلم. يبرز هذا الوهم بوضوح في النقاشات العامة التي تتناول قضايا حيوية بثقة مفرطة وتستخدم خلالها مصطلحات قد لا يدرك قائلها أو كاتبها معناها الكامل ولا مغزاها ولا مدلولها لدى أهل الاختصاص، ومع تكرار الاستخدام، يتعزز الإحساس بالمعرفة، رغم غياب الفهم الحقيقي. الإعلام يسهم أحيانا في تعزيز هذا النمط وتكريس السطحية، عبر تقديم تحليلات مختزلة خاطفة تفتقر إلى العمق، وبدورها تميل المنصات الثقافية إلى تفضيل المحتوى الخفيف الذي يركز على اجتذاب أكبر عدد من المتابعين ولو أتى الطرح على حساب الجودة. ينتج عن هذا الوهم، ضعف القدرة على التفكير النقدي، فصاحب القشرة اللامعة الذي يتوهم الإحاطة والمعرفة والثقافة يكون أقل استعدادا للنقد الذاتي والمراجعة، بل يميل دائما لتعزيز قناعاته دون الاستماع إلى الآراء المختلفة، فيتحول الحوار إلى تبادل مواقف جاهزة وينأى عن كونه عملية بحث مشتركة تهدف إلى الوصول إلى الحقيقة. كما تكمن خطورة وهم المعرفة السطحية في أنها تسهم في انتشار المعلومات المغلوطة، فحين يتشارك أسارى المعلومة السريعة أي محتوى دون التحقق منه، والذي قد يكون مغلوطا أو مجتزءًا من سياقه، فحينئذ يسهمون في تضليل الآخرين، ومع سرعة انتشار المعلومات يصبح تصحيح الخطأ أكثر صعوبة، خاصة إذا كان مرتبطا بقناعات راسخة. لكن الحل ليس في رفض ونبذ المعلومة السريعة أو الانسحاب من الفضاء الرقمي، فهذا الفضاء يتيح فرصا هائلة للتعلم والانفتاح والارتقاء، لكن المطلوب هو الانتقال من الاستهلاك السريع للمعلومات، إلى التفاعل الواعي والفهم العميق. ويبدأ هذا التوجه من إدراك المرء لحقيقة معرفته، والإيمان بأهمية التخصص واللجوء إلى المتخصصين في الميادين المختلفة، ولا يعني هذا على الإطلاق التخلي عن التفكير وإعمال العقل، بل يعني ممارسة النشاط الثقافي والمعرفي بشكل أكثر نضجا. كما ينبغي للمحاضن العلمية والثقافية تعزيز مهارات التفكير النقدي القائم على طرح الأسئلة وتحليل المعلومات والتمييز بين المصادر، والانتقال من التلقين إلى تنمية القدرة على الفهم والتحليل. إضافة إلى ذلك، يجدر تشجيع القراءات المتأنية الطويلة التي تتيح للإنسان فرصة التفاعل مع الأفكار وفهم سياقاتها، والربط بينها، ويساعد على ذلك إعادة الارتباط بالكتاب، والذي تراجعت أهميته بشكل نسبي أمام الوسائط الرقمية. وفي هذا السياق، ينبغي الحذر من الاستهلاك العشوائي، والاتجاه إلى اختيار مصادر موثوقة للحصول على المعلومة، وعدم التسرع في إبداء الرأي خاصة في القضايا الحساسة التي تتطلب فهما أعمق.
3168
| 05 أبريل 2026
إن تعيين الموظف بجهة إدارية أو حكومية يستلزم تسخير مجهوده العملي في خدمة تلك الإدارة وتفادي ممارسة أي عمل آخر من شأنه يتعارض مع مصلحتها أو يضر بها لحساب ذلك الموظف، لذلك فقد وضع قانون الموارد البشرية المدنية مجموعة من الضوابط اعتبرها محظورات على كل موظف يعمل بجهة حكومية تحت طائلة المساءلة التأديبية. وقد أوضح هذه الممارسات المحظورة على الموظفين على سبيل المثال في المادة 80 من القانون المذكور ثم جاءت المادة 81 منه بمقتضى شامل يحظر على الموظف أي عمل يمكن اعتباره متعارضا مع مصلحة الإدارة. أما الأفعال المعتبرة محظورة قطعا فهي إتيان أي فعل يتعارض مع أي قانون أو لائحة معمول بهما وإهمال المهام الموكولة للموظف، وإفشاء الأسرار المهنية والمعلومات الداخلية حتى بعد ترك الخدمة باستثناء حالة الحصول على إذن كتابي من الرئيس، والاحتفاظ بوثائق ومستندات تخص الخدمة. كما تعتبر من الأفعال المحظورة على الموظف الإساءة إلى الدولة بواسطة توقيع عرائض أو الانتماء لجهات محظور التعامل معها، ويمنع عليه كذلك وهو على رأس وظيفته أن يقدم خدماته لجهة عمل أخرى إلا إذا حصل على إذن مسبق من الرئيس التنفيذي إذا كانت الجهة غير حكومية، أما بالنسبة للعمل بجهة حكومية أخرى بالتزامن مع العمل بوظيفته فيتطلب الإذن له بهذا الاستثناء الحصول على موافقة من رئيس مجلس الوزراء. أما بالنسبة لممارسة الموظف أعمال التجارة والحصول على الأرباح من التعاقدات فإنه محظور عليه هذا الأمر إذا كان في ذلك تعارض أو مساس بمصلحة الجهة التي تم توظيفه فيها، أو التي تكون تلك الجهة طرفا فيها حتى لو لم تكن في هذه الحالة مصالح الموظف متعارضة معها. ومن جهة أخرى فالموظف ملتزم بعدم إتيان الأعمال التي تدخل في مخالفة مبادئ الشرف والأمانة مثل استغلال النفوذ والتأثير على الموظفين وتحريضهم على تجاوز النصوص القانونية واللوائح المعمول بها، وكذلك ممارسة الأعمال التي تعتبر من قبيل الرشوة بسبب استغلال المنصب الوظيفي لتحقيق أغراض للغير مخالفة للقوانين واللوائح. وعلى العموم ففي حال ثبوت ارتكاب الموظف للأمور المحظورة عليه بحكم القانون فإنه يترتب على ذلك قيام مسؤوليته التأديبية، وفي بعض المحظورات فإن المساءلة تكون تأديبية وجنائية في نفس الوقت، لأن المحظورات المنافية لمبادئ الشرف والأخلاق مثل استغلال النفوذ والرشوة تعتبر جرائم يعاقب عليها القانون بعقوبات قد تكون حبسية.
1530
| 06 أبريل 2026