رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شكلت القضية الفلسطينية، وفي القلب منها مسألة القدس الشريف، وتحديداً مسجدها الأقصى، المحور الأول لاهتمامات وجدول أعمال اجتماعات كل من الجامعة العربية التي تجسد النظام الإقليمي العربي ومنظمة التعاون الإسلامي وهي ثاني منظمة دولية بعد الأمم المتحدة ونشأت بالأساس في العام 1969 للدفاع عن المسجد الأقصى الذي تعرض في هذا العام لاعتداء مستوطن يهودي.
ويعد ذلك في حد ذاته منحى إيجابياً، بيد أن المرء عندما يرصد نتائج ذلك على الأرض فالحصيلة ستقترب من الصفر، لأن الأمر ما زال يقيم في خانة الكلام والتنظير وربما الشعار الذي يغلب دوما على الخطاب السياسي للمنظمتين ولم تحدث مقاربات باتجاه الفعل الذي من شأنه أن يوقف المشروع الاستيطاني والتهويدي للكيان الصهيوني في القدس والذي بلغ ذروته في الآونة الأخيرة بتهديد وجود المسجد الأقصى وهويته الإسلامية من خلال سلسلة الاقتحامات التي تكاد أن تكون يومية لباحاته وساحاته المختلفة من قبل نفر من قطعان المستوطنين الذين لا يتورعون عن ارتكاب أي حماقة لإعادة إنتاج ما يسمى بهيكل سليمان والذي لا يرون له موقعا إلا تحت الأقصى وهو ما يتجلى في عمليات الحفر التي لم تتوقف على مدى السنوات القليلة الماضية، فضلا عن السعي الدءوب لتغيير الهوية الحضارية للقدس، مكانا وبشرا وتاريخا.
ولعل آخر مظاهر ذلك ما يعتزمه الكنيست الصهيوني من التصويت على خطة لتقسيم الأقصى زمانيا ومكانيا بين المسلمين واليهود والتي يطلق عليها مسودة قرار صلاة اليهود بجبل الهيكل خلال شهر نوفمبر المقبل، فضلا عما قام به نائب رئيس الكنيست الإسرائيلي "موشيه فيجلين" - قبل أيام - من أداء طقوس تلمودية على قبة الصخرة المشرفة دون أي اعتبار لحرمتها وقدسيتها لدى كافة المسلمين في العالم.
وتأتي هذه التطورات لتعكس شراسة عدوانية الكيان الصهيوني تجاه القدس بالذات والتي حولتها سلطات الاحتلال إلى كتلة استيطانية وغيرت من معالمها وأجبرت سكانها الفلسطينيين على مغادرة منازلهم بقوة السلاح وإرهاب المستوطنين المحميين دوما بقوات الأمن والجيش لإخلائها لليهود من منازلهم وخصصت هذه السلطات مبلغ 15 مليار دولار للمضي قدما باتجاه تنفيذ مخططها الاستيطاني والاستعماري والتهويدي في القدس وهو في أغلبه حصيلة تبرعات رجال أعمال يهود في الولايات المتحدة الأمريكية، بينما رجال الأعمال العرب وبعضهم يتصدر القائمة الأولى لأثرياء العالم ربما لا يعلمون أين تقع القدس وربما بعضهم ضالع في عمليات تطبيع اقتصادي واستثماري مع نظرائه في هذا الكيان.
صحيح أن ثمة لجنة للقدس منبثقة عن منظمة التعاون الإسلامي برئاسة العاهل المغربي الملك محمد السادس والتي تتحرك عبر ذراعها التنفيذية -وكالة بيت مال القدس – والتي عقدت آخر اجتماع لها مطلع العام الجاري بمدينة مراكش المغربية بحضور الرئيس الفلسطيني محمود عباس "أبو مازن" غير أن هذه اللجنة - على الرغم مما تبذله من جهود ومشروعات - تبقى في حالة احتياج دائم للدعم والإسناد المالي من الدول الإسلامية والتي تتعامل مع القدس ومتطلبات سكانها الحياتية من منظور لا يفي بها ولا يبلغ عشر ما تخصصه حكومة الاحتلال الصهيوني للإنفاق على مشروعات تهويد وتغيير المعالم الحضارية للمدينة المقدسة.
ويمكن فهم ذلك بشكل واضح من التوصية التي وجهها البيان الختامي للجنة القدس في اجتماع مراكش لجميع الدول الأعضاء في التعاون الإسلامي ومؤسساتها المالية بـ"تقديم الدعم المادي اللازم للوكالة حتى ترتقي إلى مستوى تطلعات الحكومات والشعوب الإسلامية في الدفاع ميدانيا عن مدينة القدس الشريف".
ووفقاً للبيان ذاته فإن الوكالة تخصص 20 مليون دولار سنويا لتمويل المشاريع بالقدس وقد أعلن رئيسها عن تخصيص 30 مليون دولار إضافية لهذا الغرض ومع ذلك فإن كل هذه المبالغ التي لا تتجاوز خمسين مليون دولار سنويا في حال دفعت الدول الأعضاء مستحقاتها، لا تكفي.
وعلى صعيد الجامعة العربية فإن مواقفها، سواء على مستوى القمة أو وزراء الخارجية، تقوم على أنه لن يكون ثمة سلام أو إنهاء للصراع العربي الإسرائيلي من دون اعتبار القدس "الشرقية "عاصمة لدولة فلسطين، بحسبانها جزءا لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967 هو رفض كافة السياسات الإسرائيلية الرامية إلى تهويد القدس وطمس تاريخها الحضاري والإنساني والثقافي والديني والتأكيد على أن جميع هذه الإجراءات باطلة ولاغية بموجب القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
وفيما يتعلق بالدعم المالي فإن قمة بيروت العربية التي عقدت في مارس من العام 2002 أقرت مبادرة سعودية بتأسيس صندوق لدعم الأقصى بقيمة 150 مليون ثم أقرت قمة سرت في العام 2010 زيادة هذا المبلغ إلى 500 مليون دولار وتمت مضاعفته في قمة الدوحة التي عقدت في مارس من العام 2012 إلى مليار دولار ولكن ما دفع من هذا المبلغ محدود للغاية - وفق معلومات خاصة – لا يتجاوز خلال 14 عاما منذ الإعلان عن هذا الصندوق في العام 2001، المائة مليون دولار من عدد ضئيل للغاية من الدول العربية التي لم تلتزم أغلبها بدفع مخصصاتها، بل وقعت في بعض اجتماعات القمة خلافات بشأن وجود صندوقين، أحدهما لدعم الانتفاضة وثانيهما للأقصى وهو ما يعكس حالة اللامبالاة العربية إن أردنا التشخيص فيما يتصل بتقديم الإسناد المالي لحماية القدس ومقدساتها وفي الصدارة منها المسجد الأقصى أولى القبلتين.
وفي ضوء هذه المعطيات فإنه يتعين التحرك عربياً وإسلامياً على نحو أكثر فعالية واتساقاً مع التوجهات التي تؤكد أن العبث بالمسجد الأقصى المبارك والقدس الشريف خط أحمر لن تسمح الأمة بشقيها العربي والإسلامي لأحد بأن يتجاوزه بأي حال من الأحوال وذلك يستوجب مغادرة حالة مراوحة المكان والبكاء على القدس وهو ما يعني اتخاذ سلسلة من الخطوات العاجلة، وفي مقدمتها ما يلي:
أولاً: مسارعة الدول العربية والدول الإسلامية، بل والأفراد والمؤسسات القادرة ورجال الأعمال لتوفير كافة المستلزمات المالية لوكالة القدس وصندوق دعم الأقصى وذلك حتى يكون بمقدورهما تلبية الاحتياجات اليومية لسكان القدس ودعم صمودهم في البقاء وعدم الاستجابة للضغوط وأحيانا الإغراءات بالمال من قبل العصابات الصهيونية لترك منازلهم وبيع ممتلكاتهم وتلك مهمة تتطلب من وسائط الإعلام بتجلياتها المتعددة أن تلعب الدور المهم في تحريكها والدفع باتجاهها بدلا من أن تركز هذه الوسائط على ما يقسم الأمة ويعمق خلافاتها.
وحسب منظور الدكتور إياد مدني الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي فإن "الوضع في القدس يحتاج أكثر من أي وقت مضى أن نسخر كامل مواردنا وإمكاناتنا وإلى التنسيق المشترك، خاصة بين الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية والبنك الإسلامي للتنمية، ووكالة بيت مال القدس من أجل حماية مدينة القدس ودعم صمود أهلها وتثبيتهم"، في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، داعيا إلى بذل "مزيد من الجهود المشتركة من خلال تشكيل لجنة متابعة للتنسيق ما بين الدول الأعضاء ومؤسسات المنظمة ووكالات التنمية ومنظمات المجتمع المدني، وللتشاور مع المنظمات الإقليمية والدولية بشكل دوري، وإلى حشد الموارد من أجل وضع الخطة الإستراتيجية لتنمية مدينة القدس.
ثانياً: اتخاذ التدابير القانونية المناسبة ضد إسرائيل لدى الهيئات القانونية الدولية، بما فيها محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية وذلك يتطلب بالضرورة من الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي الاستعداد بالعناصر والكوادر القانونية والدبلوماسية القادرة على التحرك في هذا الاتجاه والذي من شأنه أن يخلخل البنية القانونية التي يتكئ عليها الكيان الصهيوني.
ثالثاً: التأكيد بكل الوسائل على أن القدس أرض عربية إسلامية غير قابلة للتنازل، ووقف إسلامي تتعين المحافظة عليه وفي هذا الصدد ألفت إلى آلية اقترحها سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، قبل سنوات، وتتمثل في تخصيص وقفية بعينها، على أن يوجه ريعها للمساهمة في تلبية متطلبات سكان القدس.
رابعاً: القيام بحملات دولية مستمرة لتنفيذ قرارات منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلم (اليونيسكو) على صعيد رعاية الموروث الإنساني والحضاري العالمي المتمثل في مدينة القدس، وحماية الوضع التعليمي والسكاني والثقافي بها.
خامساً: توفير كل وسائل الإسناد السياسي والإعلامي للقيادة الفلسطينية في معركتها القادمة بالتوجه إلى مجلس الأمن لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي عبر مشروع القرار الذي سيتم التقدم به نهاية هذا الشهر والذي ينص على قيام دولة فلسطينية وفق حدود الرابع من يونيو من العام 1967 وعاصمتها القدس الشريف مع إجراء اتصالات مكثفة من قبل الجامعة العربية والتعاون الإسلامي، فضلا عن الدول الأعضاء فيهما، مع القوى الدولية للضغط على إسرائيل لوقف جميع عملياتها الاستيطانية الهادفة إلى تغيير الوضع القانوني أو الشكل الجغرافي أو التركيب السكاني لمدينة القدس، ورفض سياسة التهويد.
رسائل اعتداءات إيران على دول مجلس التعاون
حذّرت في مقالي الأسبوع الماضي في الشرق-"حذار أن ننجر إلى حرب ليست حربنا"-برغم استفزازات إيران واستمرارها بقصف أهداف... اقرأ المزيد
201
| 15 مارس 2026
لا ناقة ولا جمل.. لماذا يدفعون الخليج إلى الحرب؟
«هذه حرب لا ناقة لي فيها ولا جمل»، قالها الحارث بن عباد لبني شيبان عندما طلبوا منه الانضمام... اقرأ المزيد
219
| 15 مارس 2026
علاقتنا بالمسجد الأقصى
الحديث عن المسجد الأقصى ليس مُجرّد حديث عن مسجد ضمن الأوقاف الإسلامية، بل هو حديث عن قضية من... اقرأ المزيد
195
| 15 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما أضيف إلى "مان" من أفلام الخيال العلمي التي أنتجتها هوليود، كلها من مخرجات الحداثة، التي تغالي في قيمة الفرد، وتسرّب إلى الجماهير مفهوم الفرد المخلّص الذي ينقذ المجموع بعيدا عن الحل الجماعي. الركون إلى فكرة انتظار الفرد المخلص وأن شخصًا ما أو عدة أشخاص بيدهم الحل لكل أزماتهم ومشكلاتهم، هي آفة يكاد لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وكلما تفاقمت أزمات مجتمع منها كلما ازداد تعلقا بفكرة الفرد المخلص، سواء كان هذا الانتظار والترقب ناتجا عن انتظار تقلبات المناخ السياسي التي يمكن أن تسفر عن ظهور شخصية تقود المجتمع إلى بر الأمان، أو كان هذا الانتظار والترقب متعلقًا بالنبوءات الدينية. لكن أين عمل المجموع؟ أين الحلول الجماعية؟ هنا يكون الخرق والتصدع الفكري. نعم لا نستطيع أن ننكر المسؤولية الفردية، ولا قيمة الجهد الفردي، فرب فكرة فردية عاشت الأمم والبشرية في ظل ثمارها، والمخترعات والاكتشافات تمت معظمها عن طريق أفراد، لكن هذه الجهود الفردية لم تكن لتؤتي ثمارها لو لم تجد حاضنة اجتماعية أو علميةوجهودا جماعية تقوم بها وتعمل عليها. حتى أنبياء الله ورسله، لم يأت أحدهم ليمسح على رؤوس الناس فيتغير وجه الحياة، بل بذلوا جهودهم من أجل إيجاد الثلة المؤمنة التي تقوم بأعباء تبليغ الرسالة بعمل جماعي يرتكز على منهج رصين. وفي سورة الكهف، نقرأ في خواتيمها قصة ذي القرنين، ذلك الملك الصالح الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها، هذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تحمل توجيهات إدارية قوية في معالجة الأزمات، أبرزها التوازن بين الحل الفردي والحل الجماعي، وعدم الركون إلى فكرة الشخص المخلص. يأتي ذو القرنين قومًا تمثلت أزمتهم في الهجمات والغارات الهمجية لقوم يأجوج ومأجوج، الذين يتدفقون من بين الجبلين فيعيثون في الأرض فسادًا. عندما عاينوا قوة وبأس ذلك الملك رأوا فيه الشخص المخلّص الذي يمكن أن يرفع عنهم ما هم فيه من معاناة، ومن أجل ذلك طلبوا منه حمايتهم على أن يجعلوا له جُعلًا من المال. الشاهد من القصة، أن ذا القرنين ترفّع عن أخذ المقابل، لكنه أشركهم معه في العمل، وجعلهم جزءًا من الحل لا الاكتفاء بوضعية المتفرج، فحدّد لهم خطة عملية يعملون عليها بأيديهم تحت مراقبته وإدارته ورعايته. أمرهم بجمع قطع الحديد ووضعها بعضها فوق بعض بين السدين، إلى أن يحاذي الحديد رؤوس الجبلين طولا وعرضا، ثم أمرهم بأن يضرموا فيه النار، حتى إذا اشتعل كله أمرهم بصب النحاس المذاب عليه حتى يزداد صلابة، فلا يستطيع المعتدون المرور من بين السدين أو تسلق هذا المرتفع الشاهق. كانت الفكرة فردية من قِبل ذي القرنين، لكن التنفيذ كان بأيديهم، ليخرج العمل في النهاية جماعيًا بامتياز، لا يقوم به فرد وحده مهما بلغت قوته، وتلك هي كلمة السر في عمليات النهوض أو مواجهة الأزمات. لقد استوقفنتني حكاية جاءت بها كتب الطبقات والتراجم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لأصحابه يومًا: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- فقال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- وأتصدق به، ثم قال: تمنوا، قالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: لكني أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح. لقد أدرك عمر قيمة الرجال والعمل الجماعي، فلم يتمن شخصًا مثل أبي عبيدة، ولكنه تمنى أشخاصًا وجمعًا مثل أبي عبيدة، فهكذا الأوطان تنبى بجهود جماعية، حتى وإن قادها الفرد وأرشدها وأنار لها الطريق. ومع كل حدث ساخن في المنطقة يعمد فئام من أمتنا إلى إسقاط نبوءات الساعة الواردة في النصوص النبوية وتنزيلها على الواقع بلا روية، وخاصة المتعلقة بظهور المهدي المنتظر، يستبشرون وهم قعود لا يبذلون ولا يعملون، كل بضاعتهم انتظار المخلص، لكنهم لا يعلمون أن المهدي لن يقود أمة من الكسالى الضائعين، بل يأتي ليحكم أمة عرفت الطريق، تحتاج فقط إلى من يكون رأسًا فيها.
8646
| 08 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. [email protected]
4635
| 09 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1434
| 11 مارس 2026