رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في الخامس عشر من أغسطس عام 1970، لم تكن دولة قطر على موعد مع انطلاق قناة تلفزيونية فحسب، بل كانت تؤسس لمرحلة جديدة في تاريخها الإعلامي؛ مرحلة أصبح فيها التلفزيون نافذة الدولة على المجتمع، ومنبرًا لنقل الأخبار والمعرفة والثقافة والتراث، وسجلًا بصريًا رافق مسيرة قطر في مراحل تحولها الكبرى.
ومنذ ذلك التاريخ، أصبح تلفزيون قطر أكثر من مؤسسة للبث التلفزيوني. فقد تحول تدريجيًا إلى جزء من الذاكرة الوطنية، وحافظت شاشته على صور وأصوات وأحداث وشخصيات شكلت ملامح المجتمع القطري الحديث.
وعلى مدى أكثر من خمسة عقود، انتقل تلفزيون قطر من البث الأبيض والأسود إلى البث الملون، ومن الإرسال المحلي إلى البث الفضائي، ثم إلى تقنيات البث عالي الدقة، في رحلة تعكس في جانب منها التطور المتسارع الذي شهدته دولة قطر في مختلف المجالات.
انطلقت أولى صفحات تاريخ تلفزيون قطر في 15 أغسطس 1970، في مرحلة كانت فيها صناعة الإعلام المرئي في منطقة الخليج لا تزال في بداياتها.
وكان البث في سنواته الأولى بالأبيض والأسود، قبل أن يدخل التلفزيون مرحلة جديدة عام 1974 مع بدء البث الملون، في خطوة عكست الرغبة في مواكبة التطور التقني المتسارع في صناعة التلفزيون.
لم تكن الإمكانات التقنية في تلك المرحلة تقارن بما هو متاح اليوم، إلا أن أهمية التجربة تمثلت في تأسيس إعلام تلفزيوني وطني قادر على الوصول إلى المجتمع، وتقديم الأخبار والبرامج والمواد الثقافية والترفيهية، والمشاركة في نقل الأحداث والمناسبات الوطنية.
مع توسع تجربة التلفزيون وتطور احتياجات الجمهور، شهد عام 1982 إطلاق القناة الثانية باللغة الإنجليزية، لتضيف بعدًا جديدًا إلى المشهد الإعلامي القطري.
وقدمت القناة الثانية مجموعة متنوعة من البرامج، شملت المسلسلات والأفلام الأمريكية والهندية، والبرامج الوثائقية والترفيهية، إلى جانب نقل عدد من المنافسات الرياضية والمناسبات المهمة على الهواء مباشرة.
واستمرت القناة في تقديم محتواها لسنوات، قبل أن يتوقف بثها في 27 يوليو 2014.
أدرك تلفزيون قطر مبكرًا أن بناء مؤسسة تلفزيونية ناجحة لا يعتمد على البث وحده، وإنما يحتاج إلى تطوير قدرات الإنتاج والاستوديوهات.
وفي عام 1981، افتُتح استوديو 4 للأعمال التلفزيونية، ليصبح أحد المكونات المهمة في منظومة الإنتاج خلال مرحلة مبكرة من تاريخ التلفزيون.
وقد أسهم الاستوديو في دعم الأعمال التلفزيونية، قبل أن يُغلق بعد نحو عشرين عامًا من افتتاحه، ويصبح موقعه لاحقًا جزءًا من مبنى الجزيرة الرياضية سابقًا، التي أصبحت ضمن منظومة beIN SPORTS.
وكان تطور الاستوديوهات والإنتاج انعكاسًا طبيعيًا لاتساع الدور الذي بدأ التلفزيون يؤديه في المجتمع، وانتقاله تدريجيًا من مجرد وسيلة للبث إلى مؤسسة لصناعة المحتوى.
شكل عام 1998 نقطة تحول استراتيجية في تاريخ تلفزيون قطر، مع بدء البث الفضائي للقناة الأولى عبر الأقمار الصناعية.
ومن خلال أقمار مثل عرب سات ونايل سات وهوت بيرد، توسعت دائرة انتشار القناة، وأصبحت الشاشة القطرية قادرة على الوصول إلى جمهور خارج الحدود الجغرافية للدولة.
وكان الانتقال إلى البث الفضائي أكثر من مجرد تطور تقني؛ فقد فتح الباب أمام حضور إعلامي قطري أوسع، وأتاح للمشاهدين في المنطقة وخارجها متابعة الإنتاج الإخباري والبرامجي والثقافي الذي تقدمه القناة.
مع بداية الألفية الجديدة، دخل تلفزيون قطر مرحلة أخرى من التطوير.
وفي عام 2001، شهدت القناة تحديثًا في هويتها البصرية، شمل الشعار والفواصل ونمط البرامج والإعلانات، بما يتناسب مع متطلبات عصر البث الفضائي والتنافس المتزايد بين القنوات التلفزيونية.
ولم يقتصر التطوير على الشكل؛ فقد شهدت تلك المرحلة اهتمامًا أكبر بالمحتوى والإنتاج الدرامي، وخاصة الأعمال التاريخية التي ارتبط عدد منها بالموسم الرمضاني.
وأصبحت الدراما إحدى الأدوات التي ساعدت التلفزيون على تقديم التاريخ والتراث والقضايا الاجتماعية في قالب جماهيري، وجعلت الشاشة جزءًا من المشهد الثقافي والفني في قطر والمنطقة.
في منتصف عام 2011، بدأت ملامح مرحلة جديدة أكثر شمولًا، مع الإعلان عن مشروع لتطوير تلفزيون قطر تحت رعاية لجنة دعم وتطوير العمل التلفزيوني برئاسة السيد طلال العطية.
وشمل المشروع إنشاء استوديو جديد للبرامج بالقرب من مبنى التلفزيون، وكان من أبرز البرامج التي ارتبطت بهذه المرحلة برنامج «الليوان» الذي بث خلال شهر رمضان عام 2011.
لكن المشروع لم يكن مجرد تحديث لاستوديو أو إضافة تجهيزات جديدة؛ فقد كان جزءًا من رؤية أوسع لإعادة بناء البيئة التلفزيونية، وتطوير أدوات الإنتاج، ورفع مستوى الأداء الفني والتقني.
ضمن مشروع التطوير، أُنشئ مبنى جديد لتلفزيون قطر ملاصق لاستوديو البرامج، وزُوّد بأحدث أجهزة وتقنيات البث والإنتاج التلفزيوني في ذلك الوقت.
كما تم إنشاء استوديو متخصص لبث نشرات الأخبار داخل المبنى الجديد، بما وفر بنية متكاملة لإنتاج البرامج والنشرات وإدارة عمليات البث وفق المعايير الحديثة.
وكانت هذه الخطوة تعبيرًا واضحًا عن انتقال تلفزيون قطر من مرحلة التطوير الجزئي إلى مرحلة إعادة بناء شاملة للمنظومة التلفزيونية.
إذا كان 15 أغسطس 1970 هو يوم ميلاد تلفزيون قطر، فإن 16 ديسمبر 2012 يمثل أحد أهم أيام التحول في تاريخه الحديث.
في ذلك اليوم، وفي تمام الساعة 15:30 بتوقيت الدوحة، توقف بث تلفزيون قطر من المبنى القديم بعد نشرة الأخبار.
وبعد ساعات قليلة، وفي تمام الساعة 19:30، عادت الشاشة القطرية إلى الجمهور من مقرها الجديد، ولكن بصورة مختلفة في الشكل والمضمون والهوية.
كانت تلك اللحظة بمثابة إعادة إطلاق حقيقية للمؤسسة التلفزيونية.
تغير شعار القناة، في ثالث تحول رئيسي له بعد شعاري الصقر والدَّانة، وظهرت وجوه إعلامية شابة جديدة في البرامج والنشرات، فيما شهد المحتوى التلفزيوني إعادة صياغة تتناسب مع المرحلة الجديدة.
أما على المستوى التقني، فقد انتقل تلفزيون قطر إلى نظام Full HD 1080i، في خطوة متقدمة وضعت القناة ضمن المؤسسات التلفزيونية الخليجية والعربية التي تبنت البث عالي الدقة.
ارتبط أول شعار لتلفزيون قطر بصورة الصقر، الذي أصبح أحد أبرز الرموز البصرية في ذاكرة المشاهدين.
وصمم الشعار الفنان المصري فؤاد محمد أحمد الشبيني، الذي عمل مهندسًا للديكور في تلفزيون قطر خلال تلك المرحلة، وارتبط اسمه أيضًا بتصميم شعار دولة قطر.
ومع مرور الزمن، لم يعد الشعار مجرد علامة تعريفية للقناة، بل تحول إلى جزء من الذاكرة البصرية لجيل كامل عاش البدايات الأولى للتلفزيون الوطني.
ثم جاءت لاحقًا هوية الدَّانة، قبل أن ينتقل التلفزيون إلى هويته البصرية الجديدة في مرحلة التطوير الحديثة.
تاريخ تلفزيون قطر لا يمكن اختزاله في تواريخ تأسيس أو تغيير شعارات أو تحديث أجهزة.
فالشاشة القطرية كانت على مدى عقود مرآة للمجتمع وسجلًا بصريًا لتحولاته.
ومن خلال نشرات الأخبار والبرامج السياسية والثقافية والاجتماعية والرياضية، والبرامج الترفيهية، والأعمال الدرامية، والتغطيات المباشرة، والمناسبات الوطنية، وثّق التلفزيون تفاصيل متعددة من الحياة العامة في قطر.
ويمكن للباحث اليوم، من خلال أرشيف التلفزيون، أن يتتبع ليس فقط تطور الخطاب الإعلامي، وإنما أيضًا تطور المجتمع نفسه: أنماط الحياة، واللغة المستخدمة في الخطاب العام، والمناسبات، والأزياء، والعادات، والشخصيات العامة، والتحولات العمرانية والاقتصادية والاجتماعية.
وهنا تتجاوز قيمة الأرشيف التلفزيوني الجانب الإعلامي لتصبح له قيمة تاريخية وثقافية ووطنية.
يمثل أرشيف تلفزيون قطر اليوم واحدة من أهم الثروات الوثائقية التي يمكن أن تخدم الباحثين في تاريخ قطر الحديث.
فكل نشرة إخبارية، وكل مقابلة، وكل برنامج، وكل تسجيل لمناسبة وطنية، وكل تقرير ميداني، يحمل في داخله جزءًا من تاريخ مرحلة زمنية محددة.
ومن هذا المنطلق، فإن المحافظة على هذا الأرشيف ورقمنته وفهرسته وفق منهج علمي حديث تمثل مسؤولية ثقافية ووطنية، تضمن ألا تضيع المواد التي وثقت مراحل مهمة من تاريخ الدولة.
كما أن إتاحة جانب من هذا الأرشيف للباحثين والمؤسسات الأكاديمية والثقافية من شأنه أن يفتح مجالات واسعة أمام الدراسات الإعلامية والتاريخية والاجتماعية، ويمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف على مراحل تطور بلادهم من خلال الوثيقة البصرية الأصلية.
رحلة تلفزيون قطر منذ 15 أغسطس 1970 وحتى اليوم هي قصة تحول مستمر.
بدأت الرحلة بصورة بالأبيض والأسود، ثم انتقلت إلى البث الملون، وتوسعت إلى القنوات المتخصصة، ثم عبرت إلى الفضاء، وتطورت استوديوهاتها ومبانيها، وتغيرت هويتها البصرية، وصولًا إلى البث عالي الدقة والتقنيات الحديثة.
لكن جوهر التجربة ظل مرتبطًا برسالة أساسية: أن يكون الإعلام التلفزيوني جزءًا من مسيرة الوطن، وأن ينقل صورة المجتمع ويحفظ ذاكرته ويعكس تحولات الدولة.
بعد أكثر من خمسة عقود ونصف على انطلاقه، لا يمكن النظر إلى تلفزيون قطر باعتباره مؤسسة إعلامية فحسب؛ فهو جزء من تاريخ الدولة الحديثة، ومن ذاكرة أجيال متعاقبة من المواطنين والمقيمين.
لقد تغيرت التقنيات، وتبدلت الشعارات، وتطورت الاستوديوهات، وتغيرت طبيعة المحتوى ووسائل الوصول إلى الجمهور، لكن قيمة التلفزيون بوصفه وثيقة حية لتاريخ المجتمع بقيت حاضرة.
ومن هنا، فإن الاحتفاء بتاريخ تلفزيون قطر ليس مجرد استعادة لذكريات الماضي، وإنما هو تأكيد على أهمية الإعلام الوطني باعتباره شاهدًا على مسيرة الدولة، وأرشيفًا يحفظ تفاصيل رحلتها للأجيال القادمة.
ففي كل صورة قديمة على شاشة تلفزيون قطر قصة، وفي كل نشرة إخبارية حدث، وفي كل برنامج ذاكرة، وفي كل تسجيل تلفزيوني صفحة من صفحات تاريخ قطر.
تلفزيون قطر.. بدأ كشاشة، واستقر في ذاكرة الوطن.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3426
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3225
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1242
| 01 أكتوبر 2026