رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(كذاب.. كذاب.. نوري المالكي كذاب) هذا هو نشيد الجماهير المنتفضة في ساحة التحرير قي قلب بغداد الحبيبة، وعندما يتحدث الكذاب فلا أحد يتوقع منه غير الكذب، لكن عندما يقترن الكذب بالغدر والخيانة والخسة، فعندها لا نتوقع من شخصية بهذه المواصفات وقد خبرتها شخصياً غير ما وصفه الله تعالى في محكم كتابه العزيز: (والذي خبث لا يخرج إلا نكدا)، سورة الأعراف 58.
نائب الرئيس العراقي المقال نوري المالكي صرح في طهران (سقوط الموصل كان نتيجة مؤامرة تم التخطيط لها في أنقرة) فرية لا يقبلها منطق ولا يدعمها دليل أو برهان، وهي لذلك من باب الهلوسة الذهنية المصاب بها نوري المالكي.
هذه الكذبة لن تضيف كثيراً إلى سجله المليء بالكذب، ويليق بتركيا أن تترفع ولا ترد عليه، لكن لا تتركه، بل تقاضيه وتلاحقه قانونيا لعله يتأدب ويكف عن إطلاق التهم شرقا وغربا، ومن أمن العقاب أساء الأدب.
في العاشر من يونيو من العام الفائت سقطت الموصل في قبضة تنظيم الدولة المتطرف (داعش) وحينها توفرت على الأرض ثلاث قوى، هي التي صنعت الحدث، الحكومة المحلية برئاسة المحافظ أثيل النجيفي وبإمرته بضعة مئات من الشرطة مجهزين بأسلحة خفيفة، جيش نظامي عصري يتكون من فرقتين عسكريتين بإمرة القائد العام للقوات المسلحة في ذلك الوقت نوري المالكي، أما القوة الثالثة فهي القوة الغازية ويمثلها تنظيم داعش.
استطاع التنظيم بقوة لا تزيد على 400 مقاتل يتنقلون بسيارات رباعية الدفع تسللت من الرقة ودير الزور شرق سوريا ونجحت في احتلال الموصل خلال ساعات دون أدنى مقاومة.
المفاضلة بين القوى الثلاث، لاشك، تضع الجيش النظامي بالتفوق المطلق كما وكيفا، عدة وعددا، حيث تيسر للقائد العام للقوات المسلحة نوري المالكي 132 ألف مقاتل وعدد غير قليل من ضباط الأركان المجربين من ذوي الخبرة من القادة والآمرين، وترسانة حديثة من الأسلحة والمعدات الخفيفة والمتوسطة والثقيلة والعجلات المدرعة لنقل الجنود ومختلف صنوف المدفعية والهندسة وكتائب الدبابات...إلخ، فشلت في صد هجوم مقاتلين غير نظاميين، رغم انتشار الجيش وتموضعه خلف تحصينات من الطراز الأول ما يوفر للجيش الفرصة للقتال والصمود، بل وإفشال أي هجوم مهما كان نوعه وشدته. لكن ذلك لم يحصل، لسبب بسيط وهو أن القائد العام للقوات المسلحة - ولا أحد غيره يملك القيادة والسيطرة - أمر الجيش بعدم القتال، بل وترك الأسلحة والتجهيزات والهرب. ولو ترك نوري المالكي القرار لقادة الجيش لقاتل الجيش ولهزم تنظيم داعش، لا شك في ذلك، لكن أمرا عسكريا حازما صدر من جهة عليا وبناء عليه حصل الهروب الكبير، ما فسح المجال أمام المهاجمين للسيطرة على الموصل والاستحواذ على كامل الترسانة العسكرية الأمريكية الصنع.
تصريحه بإبهام تركيا لن يغير من واقع الحال بعد أن اعتبرته اللجنة البرلمانية المكلفة بالتحقيق في ملابسات سقوط الموصل المتهم رقم واحد، بناء على اعترافات جميع القادة والآمرين ذوي العلاقة الذين أكدوا استلامهم أمر الانسحاب وعدم القتال من القائد العام للقوات المسلحة المالكي مباشرة.
الذي عرفته على مدى خمس سنوات طيلة وجودي في المنصب، أنه كان دائما ينسب النجاحات لنفسه، بينما يعلق فشله على الآخرين، ليس هو رجل الدولة الذي عند الكوارث الوطنية يواجه شعبه بشجاعة ويتحلى بالصدق ويعترف بفشله وعجزه.
وفي هذه الحادثة حاول نوري المالكي أن ينسج كذبته بخيوط الافتراء والتدليس، لكن خيطه أهون من خيط العنكبوت، وكذبته فوق أنها تفتقر للمنطق، فإنها لم تنطلِ على أحد بفضل سجله المطبوع بالكذب وسيرته المحاطة بالشكوك والشبهات، ولقناعة الجميع بأن المالكي في تصريحاته، إنما يحاول جاهدا خلط الأوراق وحرف الانتباه عن خيانته العظمى بحكم تحميله مسؤولية سقوط الموصل، وهنا أسأل، هل لأجل عيون أبو بكر البغدادي تضحي تركيا بالحكومة المحلية والمحافظ من أقرب الأصدقاء لها، وهل من أخلاق القيادة في تركيا المعروفة بالصلاح والتقوى وسعيها في خدمة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها زرع الفوضى في بلد جار كالعراق؟ وهل من المنطق أن تضحي تركيا بأمنها واستقرارها وهي تدرك ما يمكن أن يحصل من ارتدادات كارثية على الداخل التركي، من جار متطرف مرفوض في الأيديولوجية والسلوك ينشط على حدودها بما حرم الله من قتل وتخريب ودمار، أي تسطيح للحقائق هذا؟.
نوري المالكي رئيس الوزراء الأسبق والقائد العام للقوات المسلحة وباعتراف وزير العدل حسن الشمري سهل تهريب 500 من قادة القاعدة من سجن أبو غريب في يوليو من عام 2013 وهو نفسه قام بتسليحهم وتجهيزهم بعد أن أمر الجيش في الموصل بالهرب وترك ترسانة جيش كاملة في متناول تنظيم داعش وهو الذي تجاهل التحذيرات التي وصلته من مصادر عدة وعمد إلى تمويل فرع البنك المركزي في الموصل بملايين الدولارات قبل أيام من سقوط الموصل، وهكذا حصل التنظيم دون معاناة على المال والسلاح... هذا هو باختصار دور نوري المالكي في تقوية تنظيم داعش، ما سمح له بالتمدد عراقياً.. أمّا الدافع فكان لإجهاض التحدي الأكبر الذي واجه نوري المالكي سلمياً على مدى عام من الزمن بين ديسمبر 2012-2013 وأقصد به الحراك السني وقد سعى لإرباكه بزرع تنظيمات داعش عنوة داخل صفوف الحراك، أملاً بإجهاضه بشيطنته تمهيداً لاتهامه بالإرهاب ومن ثم تأليب العالم ضده، وهذا ما حصل.
ورغم ذلك ومع كل هذه الحقائق الدامغة، لن يخجل نوري المالكي باتهام تركيا وحاله هنا كحال التي (رمتني بدائها وانسلت).
خلاصة القول: نوري المالكي وليس غيره في دائرة الاتهام.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
● سياسي من العراق
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تتردد بين المستثمرين مقولة قديمة مفادها أن «العقار يمرض ولا يموت». وقد أثبتت السنوات صحة هذه العبارة في كثير من الأحيان، فالعقار ظل لعقود طويلة أحد أهم أوعية الادخار والاستثمار وحفظ الثروة، واستطاع تجاوز أزمات اقتصادية وتقلبات مالية عديدة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في السوق القطري هو: هل ما زال العقار يحقق الثروة كما كان يفعل في السابق؟ من وجهة نظري، ما زال العقار أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه لم يعد الاستثمار السهل الذي كان يحقق المكاسب بالطريقة نفسها التي عرفها المستثمرون خلال العقود الماضية. فالسوق العقاري القطري أصبح أكثر نضجاً واستقراراً، وأصبح المستثمر مطالباً بالنظر إلى الأرقام والعوائد الفعلية أكثر من اعتماده على توقعات ارتفاع الأسعار. ومن السمات الطبيعية لأي سوق عقاري أنه يمر بمراحل مختلفة، ففي المراحل الأولى من النمو والتوسع العمراني تكون مكاسب ارتفاع الأسعار كبيرة نسبياً، مدفوعة بزيادة الطلب وتطوير البنية التحتية ودخول رؤوس أموال جديدة، أما بعد وصول السوق إلى مرحلة أكثر نضجاً، فإن وتيرة الارتفاعات السعرية تميل إلى التباطؤ، ويصبح العائد التشغيلي عاملاً أكثر أهمية في القرار الاستثماري. وقد دخل السوق العقاري القطري إلى حد كبير هذه المرحلة من النضج، ولم تعد مكاسب ارتفاع الأسعار التي اعتاد عليها المستثمرون في الماضي أمراً يمكن التعويل عليه بالدرجة نفسها. وهذا النضج لا يُعد مؤشراً سلبياً، بل يعكس انتقال السوق من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ. ولا يعني ذلك أن السوق ضعيف أو يعاني من تراجع. فعلى العكس، فقد تجاوزت التداولات العقارية في قطر 26 مليار ريال خلال عام 2025، كما تم تنفيذ آلاف الصفقات العقارية خلال العام نفسه، بينما تجاوز المخزون السكني في الدولة 400 ألف وحدة سكنية. وهنا نصل إلى النقطة الأهم: العائد الحقيقي. فمتوسط العائد الإيجاري الإجمالي في السوق القطري يدور حول 5% إلى 5.5% سنوياً، وقد يصل في بعض الحالات إلى نحو 6% قبل احتساب المصروفات، لكن المستثمر لا يعيش على العائد الإجمالي، بل على العائد الصافي الذي يبقى في حسابه البنكي بعد خصم جميع التكاليف. ولنفترض أن مستثمراً يمتلك مليون ريال ويرغب في استثمارها في شقة استثمارية، إذا حققت هذه الشقة عائداً إيجارياً إجمالياً بنسبة 6%، فإن الدخل السنوي الظاهر سيكون 60 ألف ريال. لكن بعد احتساب رسوم الخدمات والصيانة وفترات الشغور والمصاريف المختلفة، قد ينخفض العائد الصافي إلى ما بين 4% و5% فقط. كما أن هناك فرقاً جوهرياً آخر يغفل عنه كثير من المستثمرين، وهو الفرق بين امتلاك الأرض وامتلاك الوحدة العقارية فقط. لكن ربما يكون التطور الأبرز خلال السنوات الأخيرة هو ظهور منافس حقيقي للعقار في المحافظ الاستثمارية، وهو سوق السندات. فلسنوات طويلة كان العقار يمثل الخيار الأول لمن يبحث عن دخل دوري أو استثمار طويل الأجل. أما اليوم فقد أصبحت السندات وأدوات الدخل الثابت تستحوذ على اهتمام متزايد من المستثمرين حول العالم، بمن في ذلك المستثمرون في منطقتنا. بل إن بعض المستثمرين المؤسسيين حول العالم أصبحوا يقارنون العقار بالسندات من زاوية التدفقات النقدية أكثر من مقارنة أسعار الأصول نفسها. وتتميز السندات بأنها توفر تدفقات نقدية دورية معروفة مسبقاً، ولا تتطلب إدارة مستأجرين أو متابعة أعمال صيانة أو تحمل فترات شغور. كما أن المستثمر يستطيع في كثير من الأحيان معرفة العائد المتوقع منذ اليوم الأول للاستثمار. وفي الوقت الحالي توفر بعض السندات الحكومية الخليجية عوائد تقارب 4% إلى 5% بحسب مدة الاستحقاق، بينما تقدم بعض سندات الشركات الكبرى ذات التصنيف الائتماني الجيد عوائد تتراوح بين 5% و7%. كما توفر بعض الصناديق المتخصصة في أسواق الدين الناشئة عوائد أعلى من ذلك، وإن كانت مصحوبة بمستويات أعلى من المخاطر. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان المستثمر سيحقق من عقار معين عائداً صافياً يتراوح بين 4% و5% بعد احتساب الرسوم والصيانة والشغور، فهل من المنطقي ألا يقارن ذلك بالعائد المتاح في السندات؟ ولنعد إلى مثال المليون ريال مرة أخرى. فإذا استثمر شخص مليون ريال في عقار يحقق عائداً صافياً قدره 4.5% سنوياً، فإنه سيحصل على نحو 45 ألف ريال سنوياً. وإذا استثمر المبلغ نفسه في أداة دخل ثابت تحقق 6%، فإن الدخل السنوي سيرتفع إلى 60 ألف ريال. أما إذا تحقق عائد 7% فسيصل الدخل إلى 70 ألف ريال سنوياً. وبالطبع لا تعني هذه المقارنة أن السندات أفضل من العقار، كما لا تعني أن العقار فقد جاذبيته. فالعقار أصل حقيقي يمكن استخدامه أو تطويره أو توريثه للأجيال القادمة. لقد تغيرت قواعد اللعبة الاستثمارية. ففي الماضي كان السؤال الذي يطرحه المستثمر هو: «في أي منطقة أشتري؟» أما اليوم فأصبح السؤال الأهم: «أين يحقق رأسمالي أفضل عائد معدل بالمخاطر؟» ومن هنا فإن مستقبل الاستثمار العقاري لن يكون لمن يشتري أكثر، بل لمن يحلل أفضل ويختار بدقة أكبر. فالعقار سيبقى أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه أصبح جزءاً من منظومة أوسع من الفرص والبدائل التي تتنافس جميعها على رأس مال المستثمر. وهذا ربما هو أهم ما يجب أن ندركه في المرحلة الحالية: أن الثروة لا يصنعها العقار وحده، بل يصنعها القرار الاستثماري الصحيح.
7386
| 14 يونيو 2026
سبعة عقود مضت أنفقت فيها الدول العربية مليارات الدولارات على السفارات والبعثات والوفود الرسمية والمؤتمرات الدولية من أجل التعريف بثقافتنا وقيمنا وحضارتنا. ومع هذه الجهود الكبيرة بقيت الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في أجزاء واسعة من العالم أسيرةً لما تنتجه بعض وسائل الإعلام الغربية، التي كثيراً ما ربطت الشرق الأوسط بالنزاعات، وربطت الإسلام بالتشدد والإرهاب، وقدّمت الإنسان العربي في صورة لا تعكس حقيقته ولا تاريخه الحضاري العريق. فجاءت دولة قطر وفي أقل من شهر لتنجز ما عجزت عنه سبعون سنة من العمل التقليدي للدول العربية والإسلامية وجميع سفاراتها المنتشرة في كل رقعة من العالم. لذلك لم يكن كأس العالم FIFA قطر 2022 مجرد بطولة رياضية بل كان أكبر منصة حضارية وإنسانية عرفتها المنطقة العربية في تاريخها الحديث. فبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى الملاعب كانت قطر تقدّم للعالم شيئاً أكبر من كرة القدم، كانت تقدّم الإنسان العربي كما هو دون تزييف وتعرض الثقافة العربية في صورتها الحقيقية، وتكشف الوجه المشرق للإسلام القائم على قيم التسامح والتعايش واحترام الإنسان. لقد أدركت قطر منذ البداية أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف المسجلة داخل المستطيل الأخضر، بل بالصور النمطية التي يمكن تحطيمها خارج مدرجات الملاعب. ولهذا لم يكن الاستثمار القطري موجهاً نحو تنظيم بطولة ناجحة فحسب بل نحو ترسيخ إرث حضاري وإنساني طويل الأمد يغيّر نظرة العالم إلى المنطقة بأكملها. ولعل ما يبرهن على ذلك أن ملايين الزوار الذين توافدوا إلى الدوحة خلال أسابيع قليلة شاهدوا بأعينهم ما لم تستطع عشرات المؤتمرات والندوات والفعاليات الثقافية أن تنقله خلال سنوات طويلة. فقد تعرفوا على العادات العربية الأصيلة، وعاشوا تجربة الضيافة الخليجية عن قرب واستمع كثير منهم إلى الأذان للمرة الأولى واكتشفوا مجتمعاً آمناً وديناً يحترم التنوع والتعايش. وفي الوقت الذي تسعى فيه كثير من الدول المستضيفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من العوائد المالية المباشرة اختارت قطر طريقاً مختلفاً. فقد استثمرت في جودة التجربة الإنسانية، وفي راحة الزوار وفي تقديم نموذج ثقافي وحضاري يظل عالقاً في الذاكرة سنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة. وكانت الرسالة واضحة، الربح المالي يمكن تحقيقه في أي مشروع، أما بناء السمعة الدولية وصناعة الانطباع الإيجابي لدى شعوب العالم فهي فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً. ولهذا خرج ملايين الزوار من قطر وهم يحملون انطباعات تختلف تماماً عما كانوا يتصورونه قبل وصولهم، وتحول كثير منهم إلى سفراء لنا ينقلون تجربتهم الشخصية إلى مجتمعاتهم، وهنا كانت القوة الحقيقية للبطولة فشهادة من عاش التجربة أقوى أثراً من آلاف البيانات والحملات الإعلامية. ولعل الأهم من ذلك أن قطر لم تكن تمثل نفسها فقط، فعندما كان المشجع الأجنبي يتجول في سوق واقف أو يشاهد العائلات العربية في المدرجات فإنه لم يكن يتعرف على قطر وحدها بل كان يتعرف على العرب والمسلمين جميعاً، ولهذا شعر الملايين من أبناء المنطقة بأن قطر كانت وجههم المشرق أمام العالم وسفيرهم الذي تحدث بلغتهم وثقافتهم وقيمهم. واليوم ومع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ستظل تجربة قطر حاضرة في الذاكرة العالمية، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الملاعب أو حجم المدن المستضيفة بل في القدرة على صناعة تجربة إنسانية تترك أثراً يتجاوز حدود الرياضة، وهذا بالضبط ما نجحت فيه قطر عندما حولت بطولة رياضية إلى حدث ثقافي وحضاري وإنساني عالمي. لقد أنفقت قطر المليارات نعم، لكنها لم تكن تشتري بطولة بل كانت تبني سمعة وترسخ إرثاً، لم تكن تبحث عن شهرة مؤقتة بل كانت تثبت رصيداً معنوياً واستراتيجياً للعقود القادمة، واليوم يمكن القول إن المكسب الأكبر لم يكن كأس العالم ذاته، بل الصورة الجديدة التي ترسخت في أذهان الملايين عن العرب والإسلام والشرق الأوسط. وهذا ربح لا يُقاس بالأرقام ولا يُسجل في الميزانيات لكنه سيبقى واحداً من أعظم الإنجازات التي حققتها دولة قطر في تاريخها الحديث.
4599
| 16 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، كتب المنتخب القطري فصلاً جديداً من تاريخه الكروي، بعدما انتزع أول نقطة له في بطولة كأس العالم بتعادلٍ ثمين أمام سويسرا، في مباراة جسّدت معنى الإيمان والقتال حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد نقطة تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان إنجازاً معنوياً كبيراً يعكس حجم التطور الذي بلغته الكرة القطرية وقدرتها على مقارعة المنتخبات الكبرى في أعظم محفل كروي في العالم. ومن بين نجوم تلك الأمسية التاريخية، برز الحارس محمود أبو ندى كأحد أبرز عناوين النجاح. فقد قدّم أداءً استثنائياً بين الخشبات الثلاث، وتصدى لعدة محاولات خطيرة كانت كفيلة بتغيير مسار اللقاء. لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الفني فحسب، بل منح زملاءه الثقة والهدوء في أصعب اللحظات، ليصبح أول لاعب قطري يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين يظهرون عندما تكون الضغوط في أعلى درجاتها. لكن أجمل مشاهد المباراة جاء في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن صافرة النهاية ستعلن خسارة العنابي، حين رفض اللاعبون الاستسلام وتمسكوا بالأمل حتى آخر ثانية. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من النهاية، ارتقى الأسطورة خوخي بوعلام إلى الموعد، وسجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، مطلقاً فرحة عارمة داخل المدرجات وخارجها. كان هدفاً تجاوز قيمته الفنية، ليصبح رمزاً للروح القتالية والحضور الذهني والإيمان الذي لم يغادر قلوب اللاعبين. وفي جانب آخر من البطولة، قدّم المنتخب المغربي عرضاً مبهراً أمام البرازيل، في مواجهة أكد خلالها أنه لم يعد مجرد ضيف شرف في المنافسات الكبرى. بل إن أسود الأطلس كانوا الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، ونجحوا في فرض شخصيتهم وأسلوبهم أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً وتأثيراً في تاريخ كرة القدم. وزادت روعة المشهد بهدف عالمي حمل توقيع إسماعيل الصيباري، الذي أودع الكرة بهدوء وذكاء من فوق الحارس، وأشعل حماس الجماهير. كان هدفاً يجمع بين الجرأة والمهارة والثقة، ليؤكد أن المغرب يمتلك جيلاً قادراً على صناعة الفارق في أكبر المحافل الدولية. كلمة أخيرة: هكذا كانت ليلة الأبطال؛ قطر تقاتل حتى النهاية وتكتب صفحة تاريخية، والمغرب يفرض حضوره بثقة الكبار. وبين تصديات أبو ندى، وهدف خوخي بوعلام القاتل، وتحفة الصيباري الخالدة، أثبتت الكرة العربية أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، بل تُصنع بالإيمان والعمل والروح التي لا تعرف المستحيل.
4389
| 15 يونيو 2026