رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
موجات الثورة المصرية المتعاقبة بقدر ما فاجأت الإنسانية وامتلكت المبادأة، بقدر ما استفزت كل من له هوى أو خصومة مع مصر الشعب والدور والإمكانية.
الاستغراق في مجرد قراءة المشهد الداخلي في مصر، يُفقد القارئ القدرة على تحديد عناصر القوى داخل الصراع وبالتالي يُفقده القدرة على التقدير الصحيح للموقف، وهي بداية لافتقاد الإدارة الصحيحة وتداخل الغايات والأهداف. وعندها يستمر نزيف الجهد والعرق والدم والدموع.
العالم لا يترك مكانا يتحرك بعيدا عن سيطرته ووفق مصالح تتباين وتتعدد، ولكنها ذات مراتب متتالية القيمة، فالمصالح لمن يملك القوة أعلى في الترتيب، وتتقلص نسبيا مع تقلص القوة، والقوة هنا ليست مجرد القوة العسكرية، ولكنها بالأساس قوة النمو الاقتصادي واستقلاله وتوافر عناصر الإنتاج والأسواق والقدرة العلمية، ومن هنا صار الأمر يتجاوز عصر الكشوف البحرية، إلى عصر استقرار الخرائط الجيوسياسية، وكل محاولة تهدد هذا السكون الاستاتيكي يتم التعامل معها بلا ضابط وبلا هوادة، بدءا من محاولات الاستقطاب وتفريغ المضمون، وصولا إلى استخدام القوة العسكرية، وفرق القتل.
قدر مصر لم تختاره، ولكن فرضه موقعها وتاريخها وتأثيرها، فنطاق أمنها يمتد من الإسكندرونة إلى منابع النيل بل ويتأثر بكل إفريقيا، ويمتد من غرب الهند ويمتد إلى الأطلسي، وليس هناك تجاوز أن تأثير مصر وصل إلى أمريكا اللاتينية، سواء بجيش إلى المكسيك أو بأفكار الاستقلال الوطني والتحرر، وكانت حركة "الحياد الإيجابي وعدم الانحياز" دلالة دور في زمن الحرب الباردة. هذه الأبعاد لم تحدد تأثير مصر في نطاقها الإقليمي فحسب بل جعلت منها رمزا يمكن أن يحتذى. فليست مصر من دول الطاقة التي يحرص العالم على السيطرة عليها، ولا هي من دول القدرة العسكرية والأطماع التي يجب الحذر منها، ولكنها قوة الإنسانية الكامنة فيها، والقدرة التي ما إن تخرج من عقالها حتى تؤتي أثرها دون أن تستهدفه، من دون سلاح القتل أو الحملات العسكرية.
موجات الثورة المصرية ثلاث، كان المشترك بينها أنها موجات شعبية تتجاوز ما سجله التاريخ الإنساني من حركات الشعوب ضد الاستبداد، وتعددت غاياتها إضافة وليست إحلالا واستبدالا، وفرضت على أطراف الصراع داخليا وخارجيا استبدال التكتيك والأدوات لخدمة إستراتيجية واحدة "عودة الإرادة الشعبية إلى محبسها وإجهاض احتمالاتها المستقبلية"، وتعددت دوائر الطباشير التي يجرى محاولة حبس مصر داخلها حسب التطور، ووجدت ألوان الطباشير الزاهية طريقها إلى أعين في الداخل أثبتت حركة الشعب وتنوع المواجهات، إنها أعين لقدرات لا ترقى إلى ما وصلت إليه الإرادة الشعبية، قدرة ووضوحا وتضحية، وأثبتت موجات الثورة الثلاث ضمور الحياة السياسية في مصر وعدم قدرتها على التطور، وصارت حركة أقوال وحناجر وليست فعلا منظما على الأرض، يمسك بالأرض بقواعد راسخة، ويمتد بامتداد قواها الاجتماعية، فصارت القوى السياسية والنخب والمتكلمة هم "كعب أخيل" الثورة الشعبية في مصر.
موجة يناير 2011 هي الموجة الأولى، موجة احتجاج طورتها الإرادة الشعبية إلى ثورة شعب، وقبل أن تسقط رأس النظام، أسقطت ادعاء ظل الكثيرون من النخب يرددونه من علٍ بأن الشعب استسلم، بل ووصموه بالموات، ولكن هذا الشعب فاجأ العالم بجيل جديد كان رأس حربة الثورة، أبدع آلية الاحتشاد والاستشهاد فهزم الموت وسيلة لقمعه، كسر الشعب حاجز الخوف، واسترد ثقته في القدرة على التغيير.
أطلقت أمريكا بعد استيعاب المفاجأة، مقولة "سرعة نقل السلطة إلى حكومة مدنية"، وكانت هذه دائرة الطباشير الأولى لحصار الإرادة الشعبية، وبدلا من إنجاز مهام المرحلة الانتقالية لاستكمال تغيير النظام، جرى إحالة أوراق التطهير إلى ساحة القضاء، ووجدت أمريكا ضالتها في جماعة الإخوان المسلمين ــ تكشف المعلومات المتاحة الآن أن العلاقة بينهما سبقت الثورة بأعوام كثيرة لم تتحدد بداياتها، ولكنها كانت على الأقل أعواما ثمانية.
ظل الشباب يقدم الدم والشهداء دون أن يدرك حقيقة اختطاف الثورة، وتجاوز أهدافها، وإن كانت الشكوك تساوره بحجم المواجهات وطبيعة المسار الذي وضعته لجنة البشري.
وجاءت الموجة الثانية وخرجت الجماهير بأعداد وصفت بأنها لا مثيل لها في التاريخ الإنساني، وكانت دروس الثلاثين شهرا السابقة واضحة للعيان.
30 يونيو 2013 لم يكن وليد صدفة، ولكنه كان بناء ينمو على محورين، الأول الكيانات السياسية وانعدام العصب التنظيمي الجامع لحركة الشعب، والمحور الثاني أن قيادة القوات المسلحة اختلفت من حيث الوعي والإدراك لحقائق ما يجرى فوق الأرض، وانحازت إلى جانب الشعب في مواجهة سلطة الإخوان.
إذا وصفت الموجة الأولى بأنها الثورة، والثانية بأنها استرداد الدين والهوية والدولة، فإن الموجة الثالثة، 26 يوليو 2013، هي موجة المبادأة في مواجهة أمريكا والغرب، هي موجة الاستقلال الوطني، وكسر كافة الأسيجة التي تحاول أن تحبس الإرادة الشعبية، وهي موجة كشف عمق التربص بمصر من الداخل بالإرهاب وأصحاب أكلاشيهات الديمقراطية دون محتواها، والذين يبحثون عن مبررات الوجود السياسي على حساب الوطن.
لم يعد مجديا لأمريكا والغرب أن يضع دائرة طباشير يحيط بها العقل والإدراك، فقد تلقى ضربة في أداته لتغيير الواقع العربي، وانكشفت أوراق اللعبة، ولم يجد من يذعن له رغم الاستماع لما يقوله ولحملاته الإعلامية، وانكشفت تركيا بأنها أداة أخرى ترفع ذات الشعارات وتعاند مصر، وتحطم حلم تركيا في استعادة إمبراطورية معاصرة بعد أن هدم أتاتورك إمبراطورية "تنابلة السلطان" في اسطنبول، وكأن مصر تأخذ بثأر معركة مرج دابق، وبثأر محمد علي.
وبدأت أمريكا لعبة وقف المعونة العسكرية ولم تصل بعد إلى الحصار وبدأت مسار مجلس الأمن والتحركات العسكرية في المنطقة على نطاق عملياتي، متذرعة بأحداث سوريا، والاستعداد لتوجيه ضربة صاروخية لنطاق الأمن المصري الشمالي في سوريا، وكل هذه الإعلانات تدرك أن وجود روسيا في سوريا عائق رئيسي لتوجيه هذه الضربة، بل إن السبب الذي ترتكن عليه بأن النظام السوري وجه ضربة بسلاح كيميائي فندته روسيا ولجنة التحقيق الموفدة من الأمم المتحدة.
وكان معامل الاستفزاز الأكبر لأمريكا والغرب حالة التنادي العربي التي قاربت موقف 1973، ومازالت الحالة العربية قابلة للنمو، ولكن المواجهة الحقيقية الآن تتمثل في احتمالات التدخل الخارجي سواء بالحصار أو بالقوة العسكرية، وعندها سيضاف إلى انتحار جماعة الإخوان عندما نادت بالدم أو السلطة، انتحار جديد للإدارة الأمريكية في المنطقة العربية.
هل يمكن أن تبلغ الحماقة بالإدارة الأمريكية إلى خوض مغامرة عسكرية مع مصر؟ سؤال بالقطع يقفز فوق بدائل متعددة يمكن أن تستخدمها.
أمام أمريكا الحصار، وليس بالضرورة إعلانه، ولكن يكفي التباطؤ في المعاملات، فمصر احتياجاتها الخارجية مصدر تأثير على الحياة اليومية لشعبها وهو ميراث النظام الذي ثار عليه الشعب.
وأمامها الحرب الخفية، وإن كانت قد بدأتها بالسفيرة الأمريكية باترسون، فإنها تكمل بالمرشح لخلافتها فورد وهو أحد رجالات نيجروبونتي في فرق القتل الأمريكية أو الإرهاب بوجه إنساني كما وصفها البروفيسور مايكل شوسودوفسكي في دراسة نشرت على موقع "جلوبال ريسيرش"، والغريب أيضاً أن مساعد السكرتير العام الذي أوفده إلى مصر "فيلتمان" هو واحد من نفس مجموعة نيجروبونتي، وكأن مصر بموجة 26 يوليو أخرجت أسوأ ما لدى العالم ليصل للقاهرة حاملا أغصان الزيتون والحرية والديمقراطية، بينما فيلق الإرهاب من الجماعات الإسلامية الذي صاغته المخابرات الأمريكية وترعاه، يمضي في مسلسل الدم بمصر.
ومازال أمامها الدفع بدماء جديدة لمعركة الإرهاب، فقد جرى تداول فتوى من دار الإفتاء الليبية لم يتم التأكد من مصدرها بعد، تقضي بوجوب قتال الجيش المصري، فهل هي باكورة التجنيد هناك لزاد جديد يفتح جبهة في الغرب، خاصة وأن الغرب هو المصدر الرئيسي للسلاح، وجرت عمليات ذات نمط مخالف لنمط القتل والعدوان على المنشآت، حيث أضيف تفجير شريط سكك حديدية يربط بين مرسى مطروح والإسكندرية، وهناك أقوال عن وجود معسكر للتدريب لما يطلقون عليه "الجيش الحر" في شرق بنغازي. وهل يفتح هذا أمام الجيش المصري مهمة عسكرية في شرق ليبيا لتأمين الحدود الغربية ووقف عمليات تهريب السلاح أو معسكرات التدريب، أم أن مصر أيضاً ستتدبر الأمر الأمني بوسائط أخرى دون الدخول في عمل عسكري.
ومازال أمام أمريكا البديل التركي الحمساوي، وبدلا من أن تقوم حماس برعونة بالاشتباك مع مصر، تصبح غزة نقطة ارتكاز لتركيا، وبذات الجماعات الإرهابية، وبتنوع جديد في السلاح والتدريب والإدارة.
ولا تعدم أمريكا ما يطلقون عليه أصدقائهم في السودان، فهل يمكن أن تمثل الحركة من الحدود الجنوبية بديلا آخر.
كافة هذه الاحتمالات ظهرت عندما تأكد أمام أمريكا والناتو أن مصر عصية على الإذعان، وتبين لهم أن جماعة الإخوان التي اعتبرتها روسيا من قبل جماعة إرهابية وهاهي السعودية تعلن نفس الموقف، تلقى نفس المصير شعبيا في مصر، رغم إرهاب الطابور الخامس الأمريكي الفكري في مصر والذي يستغل كل فرصة للحديث عن إمكانية قبول من جديد لجماعة استعانت بالخارج ضد شعبها وهي لا تعدو أداة في يد أمريكا والغرب.
هكذا تتعاظم مهام المرحلة الانتقالية ويضاف إليها احتمالات الحرب. وفي حالة الحرب يجري قياس الأمور والمواقف والكلمات بغير موازين حالات السلام أو حتى الفترات الانتقالية بعد الثورات.
ليست مشكلة مصر أنها تستخلص إرادتها الوطنية لتبني المستقبل، ولكن مشكلة مصر قدرها، وأن ما سيتحقق فوق أرضها سيمتد أثره خارجها.
كسر الشعب كافة دوائر الحصار الطباشيرية، وجعلهم يخرجون علنا لمواجهة إرادته، وهكذا دائما معارك الاستقلال والتحرر عندما يقرر الشعب أعمال إرادته، تكشف للعيان حقيقة المواجهة دون تجميل أو تزييف.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
883
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
640
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
540
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5493
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3036
| 24 سبتمبر 2026