رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
"طلب الديمقراطية حق لا يمكن التنازل عنه، إن للإنسان الحق في أن يكون له رأي بشأن نفسه وعائلته ومدينته ووطنه، بل وكل شيء يهمه ويؤثر فيه، ومن يرجو هذا الحق الأسمى إنما ينبغي عليه الالتزام بدور أخلاقي ليس لنفسه فحسب، إنما للآخرين أيضاً".
رجب طيّب أردوغان
في الوقت الذي نأى بعض الإسلاميين عن آليات الديمقراطية، باعتبارها مصادمة للعقيدة، نائين عن إدراك إمكانية التعاطي معها بما يتناسب مع الأطر الشرعية، رأينا في المقابل حُكّام العرب يقفون على رأي كل نبتة للديمقراطية بسيف السلطة المسلول، حتى لا تتنفس الشعوب الصعداء، وتنكسر قوائم العروش التي قامت على الديكتاتورية وتغييب الوعي.
فعندما لاحت بشائر الديمقراطية في الجزائر، وسُمح لجبهة الإنقاذ أن تسهم في الحياة السياسية، قال الشعب كلمته وعبّر عن هويته الإسلامية واختار جبهة الإنقاذ، في مفاجأة صادمة للنظام الجزائري، والذي بادر بنزع قناع الشفافية، وأمعن في القتل وجر البلاد إلى ويلات الصراع.
وفي مصر، عندما أجبرت ثورة يناير جنرالات الجيش على احترام الديمقراطية، قال الشعب كلمته وانتخب أول رئيس مدني عبر انتخابات نزيهة لم تعهدها مصر، غير أنه كان ينتمي إلى تيّار إسلامي، وهو ما تتخوف منه أطراف عديدة في العالم العربي والغربي، فكان الانقلاب على الشرعية مصحوبا بإراقة الدماء عبر ألوان البطش والقمع والتنكيل.
*لكن العالم الإسلامي لم يعدم تجربة فريدة للديمقراطية، أشاد بها القاصي والداني، واستطاع بها أردوغان خدمة الفكرة الإسلامية وهوية الشعب التركي.
قالوا عن أردوغان عندما سعى إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أنه يسعى للتقارب مع الغرب والتزلّف له، وأنه صورة منقحة من أتاتورك العلماني.
لقد غفل هؤلاء عن سبب رئيس دفع أردوغان إلى السعي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لقد رأى أردوغان ضرورة الدوران في فلك الديمقراطية الغربية لترويض جنرالات المؤسسة العسكرية الأتاتوركية التي دأبت على الانقلابات ضد كل ما له صبغة إسلامية من قريب أو بعيد.
فالديمقراطية الغربية ترفض بشدة تدخل العسكر في إدارة البلاد، وهو عين ما أراده أردوغان لتأمين مساره الإصلاحي والنهضوي من أن يكون هدفا لعبث الجنرالات.
ورغم أن ذلك الهدف لم يتحقق، إلا أن أردوغان سعى إلى تكريس الديمقراطية واحترام الحريات معتمدا على دعم الشعب التركي، وكانت كلمة السر في ذلك القبول الشعبي: رصيد الإنجازات، والوفاء بالوعود، والتباين الواضح الذي لمسه الشعب التركي في الانتعاشة الاقتصادية، فعبَّر الشعب عن ذلك القبول في الاستحقاقات الانتخابية المتتالية، والتي وقف فيها الشعب يساند زعيمه وحكومته.
كان الشعب التركي.. بحريته وكرامته وتاريخه وتراثه وحقه في أن يحيا حياة كريمة، هو لب الخطاب الرسمي، ومحور تحركات أردوغان وفريقه على أرض الواقع، بعيدا عن موارد الأحزاب الكرتونية، والتي قضت حياتها السياسية في المهاترات والتنظير وحياكة المؤامرات وفرض الأيديولوجيات، ولم تجعل ذلك الشعب وهمومه ومشاكله محور عملها السياسي.
"أنا لم أتغير ولكنني تطورت"
هذا ما صرح به أردوغان بعد أن صار زعيما تركيا، يردّ على من يرى التباين في مسلك أردوغان قبل وبعد إنشاء حزب العدالة والتنمية الذي كان نسخة منقحة خرجت من رحم حزب نجم الدين أربكان.
فالرجل لا يستطيع أحدٌ أن ينكر توجهاته الإسلامية غير أنه قد خبر جيدًا المسار السياسي للأحزاب الإسلامية في تركيا، واتجه لتفادي الصدام، والتعامل بقدر من البراجماتية وفق ما يقتضيه التعامل مع الواقع التركي الصعب.
الديمقراطية الغربية تقتضي أن ترتدي المرأة ما تشاء، أليس كذلك؟
بلى، وأردوغان رجلٌ يسعى لتحقيق الديمقراطية الغربية في بلاده، فلم لا نطبق الديمقراطية كما يطبقها الغرب (أو يراها بمعنى أدق)، وترتدي المرأة المسلمة حجابها؟ أليس ذلك من حقها؟ طالما لا نُجبر المتبرجة على ارتداء الحجاب، فلم نمنع المرأة من ارتداء الحجاب؟
بهذا المنطق تعامل أردوغان، وصفعَ العلمانيين بشعاراتهم هُم، وطوّع الديمقراطية لتحقيق مكسب كبير للمرأة التركية المسلمة.
ولذا لاحظنا أن الدعاية الانتخابية الأخيرة للعدالة والتنمية تضمّنت التركيز على إنجازات الحزب الحاكم في شأن المرأة وحجابها، عن طريق إصدار فيلم عن معركة الحجاب في تركيا.
أليست الديمقراطية تسمح للشعب بأن يرتبط بجذوره وتراثه؟ بلى، حتى ولو كانت إسلامية.
وهذا ما فعله أردوغان، الذي كرّس مشروعه على أساس ربط الشعب التركي بالتراث العثماني الذي قام على الهوية الإسلامية.
فقد أكد أردوغان على جذوره العثمانية عندما أعلن اعتزامه إدراج اللغة العثمانية في المدارس التركية كمادة إلزامية، وذلك تأكيدا على توصيات مجلس شورى التعليم الوطني في اجتماعه الـ19 في ديسمبر الماضي.
الرجل يسعى لذلك، لأنه سيُتيح للدارسين مطالعة ما كتبه علماء الدولة العثمانية في العلوم الإسلامية كالفقه والتفسير والحديث وغيرها، ويربط الماضي بالحاضر، وهو الأمر الذي قابله العلمانيون برفض شديد، باعتباره يهدد المبادئ العلمانية التي أرساها مصطفى كمال أتاتورك.
ولكنها الديمقراطية يا سادة، ألستم ديمقراطيين؟ تلك هي الديمقراطية التي تعبدون!!
ثم تأتي الانتخابات الأخيرة التي أخفق فيها الحزب عن الفوز بنسبة تُمكّنه من الإنفراد بتشكيل الحكومة، لكنها كانت مكسبا ضخما من منظور آخر.
فكانت نتائج الانتخابات شهادة عملية في أن حزب العدالة والتنمية الذي أسسه أردوغان ورفاقه، يحترم الديمقراطية، ويقبل بها مهما كانت النتائج، وكانت محل إشادة على مستوى العالم.
لقد أظهر هذا الاحترام للديمقراطية أن ذلك الحزب أمين على الشعب التركي، وسوف يكون ذلك مدعاة في القريب العاجل لمزيد من الالتفاف الشعبي حول أردوغان وفريقه، وإني لأرى بشائر تلوح في الأفق، من أن هناك انتخابات مبكرة، سوف يكون فيها الفوز المبين لصالح هذا الحزب، بعد أن أدركت شرائح في المجتمع التركي لم تدعمه، أنها قد أخطأت، وأسهمت في تعثّر العملية السياسية والمسار الإداري للدولة.
«آسف».. تلك التي تُطفئ النار
(كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، حديث نبوي شريف يقرر حقيقة ما جُبل عليه الإنسان واقتضته طبيعته... اقرأ المزيد
801
| 06 سبتمبر 2026
الطائرات الورقية وعبثيات نتنياهو التي لا تنتهي
السجن الكبير المفتوح، هكذا كان يطلق على قطاع غزة المحاصر، إلا أن هذا السجن قد حولته الحرب الغاشمة... اقرأ المزيد
489
| 29 أغسطس 2026
الأزمات فرصة لإعادة اكتشاف الحقيقة
يقول مصطفى السباعي رحمه الله: "وفي المآزق ينكشف لؤم الطباع، وفي الفتن تنكشف أصالة الآراء". فهكذا الأزمات والمحن،... اقرأ المزيد
603
| 22 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إحسان الفقيه
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4260
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3207
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1125
| 28 سبتمبر 2026