رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يشهد السعودي أداء مثيرا، مدعوما بأساسيات قوية وموارد مستدامة. هذا هو استنتاج صندوق النقد الدولي والذي اختتم مؤخرا مشاورات المادة الرابعة فضلا عن تقارير أخرى ذات صلة.
من جملة الأمور، يتوقع صندوق النقد الدولي بأن يحقق الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، بعد التعديل لعامل التضخم، نموا بنسبة 4.6 بالمائة في عام 2014، مرتفعا عن نسبة 4 بالمائة والتي تم تسجيلها في 2013. يعزى هذا التطور الإيجابي لأسباب تشمل إنتاج النفط بمستويات قوية وثابتة، والإنفاق على مشاريع إسكانية للمواطنين وتنفيذ مشاريع رأسمالية والأهم من ذلك الأداء المميز للقطاع الخاص.
يستفيد القطاع الخاص السعودي من القوة الاقتصادية للمملكة، حيث تبلغ قيمة الناتج المحلي الإجمالي 750 مليار دولار أي الأكبر بين الدول العربية قاطبة. كما يحصل القطاع الخاص على مزايا أخرى ترتبط بظاهرة الأنشطة المتصلة بموسم الحج السنوي والزوار للديار المقدسة على مدار السنة. يميل الحجاج للإنفاق على أي شيء وكل شيء الأمر الذي يفتح آفاقا واسعة للشركات الصناعية للمملكة.
من جهة أخرى، لا يعاني الاقتصاد السعودي من ظاهرة التضخم بل يتوقع أن يبقى هامشيا أي أقل من 3 بالمائة بفضل عدم وجود نزعة ارتفاع لأسعار المواد الغذائية المستوردة. بالعودة للوراء، عانت دول مجلس التعاون الخليجي مما يعرف بمعضلة التضخم المستورد ما بين العامين 2007 و2008 في خضم الارتفاع التاريخي لأسعار النفط وما رافق ذلك من تداعيات شملت قيام الدول المستوردة للنفط برفع أسعار منتجاتها التصديرية كنوع من تعويض. ولحسن الحظ، لا تعاني جميع اقتصادات دول مجلس التعاون من ظاهرة التضخم في الوقت الحاضر.
وفيما يتعلق بأساسيات الاقتصاد السعودي، تكفي الإشارة إلى أن السعودية تقود العالم في إنتاج النفط الخام من خلال ضخ 11.5 مليون برميل يوميا. يشار إلى أن أكبر ثلاث منتجين للنفط الخام عبارة عن السعودية وروسيا والولايات المتحدة والتي بدورها تسيطر على 13.1 بالمائة و12.0 بالمائة و10.8 بالمائة من إجمالي إنتاج النفط العالمي، على التوالي.
فضلا عن النفط، تستحوذ المملكة على 4.4 بالمائة من الاحتياطيات المؤكدة للغاز الطبيعي على مستوى العالم، ما يعني حلولها في المرتبة الثالثة بين دول الشرق الأوسط بعد إيران وقطر. مصدر هذه البيانات الحيوية ليس غير تقرير إحصاءات الطاقة لعام 2014 الصادر من شركة بريتيش بتروليوم، والذي يعد مرجعا في هذا الصدد.
حقيقة القول، يتمتع الاقتصاد السعودي بفوائض نوعية للموازنة العامة والحسابات الجارية. على سبيل المثال، تم تسجيل فائض قدره 103 مليارات دولار في السنة المالية 2012 وهو رقم قياسي وفقا للمعايير المحلية وخارجها. شكل الفائض الملحوظ 12 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة.
صحيح تراجع مستوى الفوائض المالية للموازنة العامة إلى 5.8 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2013 ويتوقع أن ينخفض إلى 2.5 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2014 وذلك وفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي. بيد أنه يسمح مشروع الاتحاد النقدي الخليجي بعجز مالي قدره 3 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، وفي كل الأحوال، الحديث هنا عن مستوى فائض المالية العامة للسعودية.
كما هناك فوائض الحساب الجاري، والمقدرة بنحو 22.4 بالمائة و17.9 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي في عامي 2012 و2013، على التوالي.
حقيقة القول، لا يشكل التوجه نحو انخفاض الفوائض قلقا بل يعد مؤشرا على عزم السلطات السعودية بتخصص مبالغ كبيرة من المال لمشاريع البنية التحتية فضلا عن إنشاء مشاريع إسكانية للمواطنين ذوي الدخل المحدود.
على صعيد آخر، وفي خطوة تستحق الثناء، استفادت السلطات السعودية من الإيرادات الإضافية للسنوات القليلة الماضية للحد من ديون القطاع العام المستحقة وصولا لنسبة 10 بالمائة فقط من الناتج المحلي الإجمالي. وهذا يعني عمليا السيطرة على المديونية العامة بل يمكن الزعم القضاء على هذه الآفة. كل هذا في الوقت الذي يسمح فيه مشروع الاتحاد النقدي الخليجي بارتفاع الدين العام لحد 60 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي.
مما لا شك فيه، نجحت الخزينة السعودية في كسب مبالغ كبيرة من المال في السنوات القليلة الماضية على خلفية بقاء أسعار النفط مرتفعة إلى جانب الإنتاج القوي للنفط الخام. غني عن القول، لعبت المملكة دورا رئيسيا في تحقيق الاستقرار في أسواق النفط الدولية جراء تشويش وتعطل الإنتاج في كل من ليبيا وسوريا بعض الشيء فضلا عن الحظر الغربي على توريد النفط الإيراني.
وعلى هذا الأساس، بلغت إيرادات الخزانة العامة في السعودية في عام 2012 قرابة 330 مليار دولار بزيادة 143 مليار دولار عن الرقم المعتمد، ما يعد تطورا مثيرا واستثنائيا.
يمكن الزعم بكل أريحية بأن الاقتصاد السعودي يخوض تجربة خاصة تتمثل في ثنائي انخفاض نسبة الدين العام من جهة وفوائض قوية للمالية العامة والحساب الجاري من جهة أخرى وهي من الحالات النادرة في الواقع الاقتصادي العالمي.
وبالنظرة للأمام، يبدو أن الاقتصاد السعودي على موعد لإدخال متغير جديد في العملية التنموية من خلال السماح للمستثمرين الأجانب للاستثمار المباشر في سوق الأسهم المحلية ابتداء من النصف الأول من 2015 الأمر الذي سوف يفتح آفاقا جديدة أمام الاقتصاد السعودي. التصور الموجود عبارة عن وجود رغبة لدى بعض المستثمرين الأجانب لتنفيذ معاملات تجارية في أكبر سوق في المنطقة، حيث تتجاوز قيمتها السوقية 530 مليار دولار.
ويمكن القول إن هذا القرار جاء متأخرا لكن ليس متأخرا جدا كما يقال لكون العالم قرية. فمن شأن دخول مستثمرين دوليين وبصورة مباشرة للبورصة فتح مجالات جديدة لتنشيط الدورة الاقتصادية في المملكة المترامية الأطراف من خلال توفير مصادر جديدة للحصول على التمويل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
17397
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3915
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3159
| 30 أكتوبر 2026