رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أقل ما يمكن وصف الجريمة التي اقترفها التوأم خالد وصالح العريني بقتل والدتهما، والتي هزت المجتمع السعودي من أقصاه لأقصاه؛ أنها فجيعة ونكبة ونقطة انعطاف حادة في مسيرة التطرف، غردتُ مباشرة كاتبا: "ما الذي يتعاطاه هؤلاء الدواعش، ليتحولوا إلى وحوش وحيوانات بلا رحمة؟!".
تصورت للحظة، مشاعر تلك الأم الصالحة المغدورة، التي كلُمت بهذين الابنين الشقيين، وقتما استدرجاها وانهالا عليها طعنا بالساطور والسكاكين، وهي المرأة التي تنتمي لعائلة علم وفضل، فأبوها هو الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العريني الرئيس الأسبق لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمكة، فليت شعري ما الذي كانت تردده وهي بعمر الـ67 عاما، وترى فلذتي كبدها اللذين حملت بهما، يوجهان لها الطعنة تلو الأخرى، أتراها تذكرت أويقات مرضهما وهي ترعاهما ولم تنم حنانا بهما؟، أم تذكرت صباحات العيد وهي تلبسهما أزهي الثياب، وتطعمهما الحلوى بيديها؟، أم ليت شعري أكانت تنظر في أعينهما الباردة وتتذكر أمومتها الفياضة، وهي ترضعهما بكل سعادة، ترمق بحب أعين طفليها البريئة؟
ما الذي كان يجول في خاطرها المفجوع، والدم يثعب من كل جسمها، إثر طعنات ابنيها الوادعين اللذين تحولا لوحشين بلا قلب ولا ضمير ولا إنسانية؟! يقينا أنها الأم، التي أجزم أنها كانت تلهج بالدعاء مع كل طعنة تخترم جسدها الطاهر، وتدعو وقتها بالصلاح والهداية والمغفرة، ولا شيء غير تلك الأدعية، وهي تسلم الروح الطاهرة لبارئها، هكذا هي الأم على كل العصور.
ألمح لي أحد الأصدقاء القضاة جوابا لسؤالي عن الحالة التي كان عليها الشقيان التوأم، بأن تاريخنا عرف أناسا مغيبي الوعي، وذكر لي طائفة "الحشاشين"، وعدت للمصادر التاريخية، أقرأ عن هذه الفرقة الإسماعيلية الباطنية التي أسسها الحسن بن الصباح، واتخذ من قلعة "آلموت" في فارس عاصمة له، ومركزًا لنشر دعوته، وهي الفرقة التي تميزت باحتراف القتل والاغتيال لأهداف سياسية وأيديولوجية متطرفة.
قلعة "آلموت" منيعة جدا وصعبة الوصول، فهي ترتفع عن سطح البحر بـ6 آلاف قدم، ولا يمكن أن يصل أحد إلى هذه القلعة إلا عبر ممر ضيق متعرج شديد الانحدار، وأقام الحسن بن الصباح فيها المزارع والحدائق التي تخلب الألباب، في شكل درجات بعضها فوق بعض، وفي إحدى هذه الحدائق، قام بزراعة النباتات الجميلة والأزهار المتنوعة وأشجار الفواكه الشهية، وأجرى أنهارا صناعية صغيرة من اللبن والعسل والخمر والماء الزلال، تمثل الجنة لمريديه القتلة.
يقول المؤرخون بأن الحسن بن الصباح وكبار معاونيه كانوا يحرصون على أخذ الصبية الصغار الغرّ، ليعلموهم مبادئ الإسماعيلية وتعاليمها، ثم بعد ذلك يعلمونهم فنون المكر والخداع والشعوذة، وكذلك فنون الاغتيال بالخنجر والسكين، وفنون القتل بالسم، وهم في أثناء مراحل التعليم هذه؛ يجعلونهم يتناولون نبات "القنب الهندي" المعروف بالحشيش ليدمنوه، ليصلوا لاحقا لمرحلة تعاطٍ كامل وإدمان، لا يستطيعون العيش وممارسة حياتهم الطبيعية إلا بتعاطي المخدر الذي أدمنوه، وإذا قطع عنهم يصبحون كالحيوانات الهائجة، وعلى استعداد لعمل أي شيء.
معلمو فرقة الحشاشين كانوا يتحكمون بهؤلاء المدمنين عن طريق التحكم بكميات الحشيش المقدمة لهم، ومتى اشتدت حاجة هؤلاء إلى الحشيش، ودخلوا في مرحلة ما قبل جنون الحاجة للمخدر، قال لهم معلموهم: "ادعوا الحسن بن الصباح يعطيكم ما تريدون"، وبالفعل يقوم هؤلاء بدعوته والدعاء إليه، والتوسل والتضرع، فيعطيهم ما يريدون ويصبح بالنسبة لهم كالإله، يعبد من دون الله جل وعلا، وعلى استعداد للتضحية بحياتهم لأجله.
ذكر المؤرخون ما كان يفعله هؤلاء الانتحاريون، وأسهبوا في وصف إجرامهم، وما ابتليت بهم الأمة، أيام الدولة السلجوقية، بل هددوا صلاح الدين الأيوبي ووصلوا له، وكادوا يقتلونه، وكان الحسن الصباح يبعثهم لقتل العلماء والسلاطين، ويسميهم بالفدائيين أو الفداوية، وذكر بعض أساليبهم في القتل الروائي أمين معلوف في رائعته الروائية الخالدة "سمرقند"، وأطلق المسلمون عليهم مسمى: "الحشاشين" نسبة لتعاطيهم الحشيش، وكانت هذه الكلمة في تلك الأيام، تثير الذعر والهلع في قلب أشجع الشجعان، لأن هؤلاء كانوا آلات قتل متحركة مسلوبة الإرادة عمياء الطاعة.
الحافظ ابن كثير ذكرهم في تاريخه، وقال عن أهم أحداث عام 494?: "فيها عظم الخطب بأصبهان ونواحيها بالباطنيّة، فقتل السلطان منهم خلقًا كثيرًا، وأبيحت ديارهم وأموالهم للعامَّة، كلّ من يقدرون عليه فلهم قتله وماله وكانوا قد استحوذوا على قلاع كثيرة، وأوّل قلعة ملكوها في سنة 483?، وكان الذي ملكها الحسن الصبّاح، أحد دعاتهم، وكان قد دخل مصر وتعلَّم من الزنادقة الذين كانوا بها، ثم صار إلى تلك النواحي ببلاد أصبهان، فكان لا يدعو إلا غبيَّا لا يعرف يمينه من شماله، ثم يطعمه العسل بالجوز والشونيز (الحبة السوداء)، حتى يحترق مزاجه ويفسد دماغه، ثم يذكر له شيئًا من أخبار أهل البيت ويكذب له من أقاويل الرافضة الضَلال، أنهم ظُلِمُوا ومُنعِوا حقَّهم، ثم يقول له: فإذا كانت الخوارج تقاتل مع بني أميّة لعليٍّ، فأنت أحقُّ أن تقاتل في نصرة إمامك عليٍّ بن أبي طالب، ولا يزال يسقيه من هذا وأمثاله حتى يستجيب له، ويصير أطوع له من أبيه وأمِّه، ويظهر له أشياء كثيرة من المخرقة والنَّيرنجات والحيل التي لا تروج إلا على الجهال، حتى التفَّ عليه بشر كثير وجمُّ غفير، وقد بعث إليه السلطان ملكشاه يتهدده ويتوعّده وينهاه عن بعثه الِفداويّة إلى العلماء" أ.هـ
ما أشبه أولئك الحشاشين الانتحاريين -الذين يمتهنون القتل غيلة وغدرا- بالدواعش الصغار هؤلاء، فلو رصدنا أعمار من قام بالغدر بأقاربهم وقتل رجال الأمن من الدواعش، لألفيناهم في مرحلة اليفاعة والشباب، وهؤلاء يخدّرهم قيادات داعش الشرعية عبر "الإنترنت"، ويعدونهم بالجنة والحور العين، ويطالبونهم بقتل الأقرب لهم عياذا بـالله، فيصلون لمرحلة التخدير الكامل، ولو من دون تعاطٍ مباشر، فهم في مرحلة تغييب كامل للعقل والمشاعر الإنسانية.
من المؤلم تقاذف النخب السعودية اليوم الاتهامات وهم على سفينة الوطن، وبدلا من الشعور بالخطر الداهم، يقوم البعض بسوق الاتهامات على العلماء والدعاة الذين لم يكلّوا ولم يتركوا مناسبة للتحذير من خطر التطرف، ليرد عليهم هؤلاء بأن استفزازهم عبر البرامج الهزلية السوقية، وقيام الإعلام بشيطنة الدعاة والرموز الشرعية أحد أهم الأسباب لظهور هؤلاء الدواعش الصغار الذين ترعرعوا في عصر الحرب على الإرهاب، وغلبة الإعلام على منبر المسجد وطاولة الدرس.
رحم الله الشهيدة هيلة العريني، وكفانا رمي الاتهامات لبعضنا، فحشاشو العصر يتوالدون ويتناسلون، فيما النخب تتخاصم في فجور، والوطن يدفع الثمن.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع ارتفاع أسعار العقارات وتزايد الاعتماد على التمويل العقاري، أصبح قرار التمويل من أهم القرارات المالية التي يتخذها كثير من الأسر والمستثمرين. وخلال السنوات الماضية سمعت رأيين متناقضين يتكرران كثيراً. الأول يقول: لا تشترِ عقاراً بالتمويل أبداً. والثاني يقول: احصل على أكبر تمويل ممكن، فالعقار سيدفع التمويل عنك. والحقيقة أن كلا الرأيين قد يكون خاطئاً. فالتمويل العقاري ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً، بل هو أداة مالية. وقد يساعدك على بناء الثروة إذا استخدمته بحكمة، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا استخدمته بلا حساب. في السوق القطري يواجه كثير من المستثمرين قراراً مهماً عند شراء عقار استثماري: هل أدفع كامل قيمة العقار من مالي الخاص أم أستخدم جزءاً من التمويل البنكي؟ لنفترض أن لديك 5 ملايين ريال. أمامك خياران: إما شراء عقار بالمبلغ كاملاً، أو دفع 2.5 مليون ريال واستخدام تمويل بقيمة 2.5 مليون ريال. في الحالة الأولى تكون المخاطر أقل لأنك لا تتحمل التزامات تمويلية، لكن معظم أموالك ستكون مجمدة داخل العقار. ويعتقد كثير من الناس أن شراء العقار نقداً هو الخيار الأكثر أماناً في جميع الأحوال. ورغم أن تجنب التمويل يقلل المخاطر المالية، فإن بعض المستثمرين المحترفين يرون أن تجميد كامل السيولة في أصل واحد قد يكون نوعاً آخر من المخاطرة. فالمستثمر الذي يضع جميع أمواله في عقار واحد قد يجد نفسه غير قادر على الاستفادة من فرصة استثمارية أخرى، أو مضطراً لبيع العقار في وقت غير مناسب إذا احتاج إلى السيولة. ولهذا فإن الهدف ليس تجنب التمويل بأي ثمن، ولا الحصول على أكبر تمويل ممكن، بل تحقيق التوازن بين الأمان المالي والمرونة الاستثمارية. أما في الحالة الثانية فستحتفظ بنصف أموالك، مما يمنحك مرونة أكبر لمواجهة الطوارئ أو استغلال فرص استثمارية أخرى. وفي أحيان كثيرة لا يكون التمويل وسيلة لشراء عقار أكبر، بل وسيلة للاحتفاظ بسيولة يمكن أن يحتاجها المستثمر لفرص أخرى أو لمواجهة ظروف غير متوقعة. فالحفاظ على قدر مناسب من السيولة قد يكون بنفس أهمية تحقيق عائد جيد. هنا تظهر فكرة الرافعة المالية (Leverage)، وهي استخدام الأموال المقترضة لتحسين كفاءة استثمار رأس المال. ولنفترض أن العقار يحقق دخلاً سنوياً صافياً قدره 300 ألف ريال، أي بعائد يبلغ 6٪ من قيمة العقار. وإذا كانت تكلفة التمويل نحو 100 ألف ريال سنوياً، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. فإذا اشتريت العقار نقداً، فإنك استثمرت 5 ملايين ريال لتحصل على 300 ألف ريال سنوياً، أي بعائد يبلغ 6٪. أما إذا دفعت 2.5 مليون ريال فقط واستخدمت تمويلاً لباقي المبلغ، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. وبما أنك استثمرت 2.5 مليون ريال فقط من أموالك الخاصة، فإن العائد على رأس مالك يرتفع إلى 8٪. وهنا تظهر قوة الرافعة المالية (Leverage). فهي ترفع العائد على أموالك عندما يكون عائد العقار أعلى من تكلفة التمويل. فالسر الحقيقي يكمن في الفرق بين عائد العقار وتكلفة التمويل أو القرض العقاري. إذا كان العقار يحقق عائداً صافياً قدره 6٪ بينما تبلغ تكلفة التمويل أو القرض العقاري 4٪، فقد يكون الاقتراض قراراً منطقياً. وهذه الفكرة ليست نظرية فقط، بل يمكن ملاحظتها في كثير من العقارات الاستثمارية في السوق القطري. فبعض العقارات تحقق عائداً صافياً يتراوح بين 5٪ و6٪ سنوياً، وعندما تكون تكلفة التمويل أقل من ذلك، قد يكون استخدام تمويل معتدل أكثر كفاءة من تجميد كامل رأس المال في أصل واحد. أما إذا كان العقار يحقق 5٪ بينما تكلفك الأموال الممولة 5٪ أو أكثر، فإن فائدة التمويل تصبح محدودة، وقد يتحول التمويل من أداة استثمار إلى عبء مالي. أولاً: لا تجعل نسبة التمويل مرتفعة أكثر من اللازم. وفي السوق القطري لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري للأفراد عادة 75٪ من قيمة العقار. ومع ذلك، يفضل كثير من المستثمرين العمل ضمن نطاق يتراوح بين 50٪ و 70 ٪ لأنه يوفر هامش أمان أكبر. ثانياً: لا تبن قرارك على أفضل الاحتمالات. ثالثاً: احتفظ بسيولة احتياطية. رابعاً: انتبه لمدة السداد. فالتمويل طويل الأجل يخفض القسط الشهري لكنه يرفع إجمالي تكلفة التمويل. وهنا يجدر التمييز بين نظرة البنك ونظرة المستثمر. فالبنك ينظر إلى دخلك وقدرتك الشخصية على السداد. أما المستثمر الناجح فينظر إلى قدرة العقار نفسه على خدمة التمويل. وفي النهاية، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. لكن القاعدة الذهبية تبقى بسيطة: استخدم التمويل عندما يكون العقار قادراً على خدمة التمويل، لا عندما تكون أنت مضطراً لخدمة العقار. فالتمويل العقاري لا يصنع الثروة وحده، بل يصنعها حسن استخدامه. وقد يكون وسيلة فعالة لبناء الأصول، لكنه قد يتحول إلى عبء مكلف عندما يسبق الحماس دراسة الأرقام.
4686
| 28 يونيو 2026
سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ السؤال الأعمق والأخطر: هل أعددتهما طوال اثني عشر عاماً من التعب والسهر والإنفاق والبناء والتربية في مراحل الدراسة ليعرفا ماذا يريدان من الحياة أصلاً؟ كثير من الأسر تعيش لحظة إعلان نتائج الثانوية وكأنها نهاية رحلة طويلة وبعدها تُطفى الشموع بينما الحقيقة أنها بداية أخطر مرحلة في حياة الأبناء بل الإنسان. فاختيار التخصص الجامعي ليس مجرد تعبئة رغبات في موقع إلكتروني، وليس قراراً عابراً تحدده درجات القبول أو أسماء الكليات اللامعة، بل هو رسم للخريطة التي ستقود الإنسان إلى مستقبله العلمي والمهني وربما إلى جزء كبير من سعادته أو معاناته وبناء شخصيته. هنا يجب أن يقف كل أب وأم مع أنفسهم وقفة صادقة جادة ماذا أعددنا لأبنائنا طوال سنوات الدراسة؟ هل اكتفينا بمتابعة الدرجات والاختبارات؟ أم أننا ساعدناهم على اكتشاف قدراتهم الحقيقية وميولهم ومواطن قوتهم وضعفهم؟ هل جلسنا معهم لنتحدث عن المهن والتخصصات والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم؟ أم تركناهم يختارون تحت تأثير الأصدقاء أو الموضة الاجتماعية أو صورة ذهنية قديمة لم تعد تناسب زمننا؟ إن طالب الثانوية اليوم لا يقف أمام مفترق طريق عادي، بل أمام خريطة حياة كاملة. ولذلك عليه أن يرى بمن يقتدي؟ وماذا أحب؟ وما المهارات التي أتميز بها؟ وما التخصصات التي سيحتاجها العالم بعد عشر سنوات؟ وما الفرق بين الرغبة المؤقتة والقدرة الحقيقية؟ وهي أسئلة لا يجوز أن يواجهها وحده. كما أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد دخول الابن أو الابنة إلى الجامعة. فبعض الأسر تتعامل مع القبول الجامعي وكأنه شهادة انتهاء لدورها التربوي، بينما الواقع يقول إن سنوات الجامعة من أكثر المراحل حاجة إلى المتابعة والتوجيه والاحتضان. فالطالب يعيش وسط عالم متلاطم الأمواج وتيارات فكرية متسارعة، وضغوط اجتماعية، ومؤثرات رقمية، ومحتوى يسطّح الوعي ويشوّش الأولويات. فهل نترك أبناءنا ضحايا لموجات المراهقة المتأخرة وتقلبات المرحلة؟ أم نستمر في مرافقتهم بالحوار والنصح والمتابعة؟ هل وضع قدمه في المكان المناسب؟ أم يحتاج إلى إعادة تقييم أو دعم أو تعديل مسار قبل أن يضيع عليه العمر في طريق لا يشبهه؟ ولعل من أكبر التحديات التي نعيشها اليوم أن كثيراً من المؤسسات تعاني من فجوة بين التخصص والعمل. فكم من موظف يحمل شهادة في مجال ويعمل في مجال آخر لا يمت لتخصصه بصلة!! وكم من سنوات أُنفقت في دراسة لم تتحول إلى خبرة أو قيمة مضافة!! لذلك أصبح العالم أكثر حاجة إلى التخصص وكذلك إلى التخصص الدقيق، ثم إلى التحديث المستمر للمعرفة والمهارات. لقد تغير العالم بصورة لم تكن متوقعة. أحداث كبرى وأزمات دولية وصراعات وتحولات اقتصادية وتقنية أعادت رسم خرائط النفوذ والوظائف والفرص. أصوات كانت هامشية أصبحت مؤثرة، وقطاعات كانت مزدهرة تراجعت، ومهن لم تكن موجودة قبل سنوات أصبحت اليوم من أكثر المهن طلباً. وهنا يأتي دور ولي الأمر الحقيقي. ليس دور الموجّه الرسمي ولا المرشد المهني، بل دور الأب والأم والأخ والأخت. كن مثل مذيع الأرصاد الجوية الذي يقف أمام الخريطة يضيء مناطق الفرص، ويحذر من مناطق الخطر، ويشرح اتجاه الرياح القادمة. لا تمشِ الطريق بدلاً من ابنك، لكن ساعده على رؤية الطريق بوضوح. فالأبناء لا يحتاجون دائماً إلى من يختار عنهم، بقدر حاجتهم إلى من يُخيرهم بوعي وبما قد لا يرونه، ويمنحهم البوصلة قبل أن يبحروا في بحر الحياة الذي يزداد عمقاً وبُعد كل يوم
4506
| 29 يونيو 2026
يتحدث الناس كثيراً عن القيادة، وعن صناعة القرار، وعن إدارة التغيير، وعن كيفية الوصول إلى المناصب القيادية، لكنهم نادراً ما يتحدثون عن جانب لا يقل أهمية عن كل ذلك، وهو: متى وكيف يرحل القائد؟، ففي عالم الإدارة، كما في الحياة، ليست كل الفضائل مرتبطة بالبدايات فكما أن هناك حكمة في قبول المسؤولية، هناك حكمة لا تقل أهمية في مغادرتها. والحقيقة أن كثيراً من القادة يتعلمون كيف يصعدون السلم الوظيفي، لكن قلة منهم يتعلمون كيف ينزلون عنه في الوقت المناسب، ولهذا نشهد أحياناً مسؤولين أبدعوا في بناء الإنجازات، ثم أضاعوا جزءاً من إرثهم لأنهم تأخروا في اتخاذ قرار الرحيل. إن فلسفة الرحيل لا تقوم على الهروب من التحديات، ولا على الاستسلام للضغوط، ولا على البحث عن الراحة، بل تقوم على فهم عميق لطبيعة المنصب نفسه، فالمنصب في جوهره ليس ملكية شخصية، وإنما أمانة مؤقتة، وهو وسيلة لتحقيق غاية، وليس غاية في ذاته، وعندما تتحول المحافظة على المنصب إلى هدف مستقل، يبدأ الخلل في التفكير مهما كانت المبررات. ومن أكثر الأخطاء شيوعاً أن يربط القائد بين استمراره الشخصي واستمرار نجاح المؤسسة، وكأن المؤسسة لا تستطيع أن تستمر إلا بوجوده، وهذه القناعة، مهما حسنت النوايا، تتعارض مع جوهر العمل المؤسسي الذي يقوم على استدامة الأنظمة لا استدامة الأشخاص، لذا فإن القائد الحقيقي لا يقاس فقط بما أنجزه أثناء وجوده، بل أيضاً بقدرته على إعداد المؤسسة للحياة بعد مغادرته، فكلما كانت المؤسسة قادرة على الاستمرار والنمو بعد رحيل قائدها، كان ذلك دليلاً على نجاحه لا على تراجع أهميته. وفي تجربتي الإدارية الممتدة على مدى عقود من العمل، بدا لي أن هناك أربع لحظات تستحق التأمل قبل اتخاذ قرار البقاء أو الرحيل. الأولى: عندما تتسع الفجوة بين المسؤولية والصلاحية، فليس من العدل أن يتحمل الإنسان نتائج قرارات لا يشارك في صنعها، كما أنه ليس من الحكمة أن يبقى في موقع لا يملك فيه أدوات التأثير الكافية لتحقيق ما يراه صواباً. الثانية: عندما يصبح الحفاظ على الموقع أهم من تحقيق الرسالة، ففي هذه اللحظة يتحول المنصب من وسيلة للعطاء إلى غاية بحد ذاته. الثالثة: عندما يشعر القائد أن ما يقدمه للمؤسسة أصبح أقل مما يمكن أن يقدمه شخص آخر يأتي برؤية جديدة وطاقة مختلفة، فالتجديد ليس انتقاصاً من السابقين، بل سنة من سنن التطور المؤسسي. أما الرابعة: وهي الأخطر، فهي عندما يصبح البقاء عبئاً على القيم التي يؤمن بها الإنسان، وعبئًا على المسيرة والكرامة المهنية، تلك اللحظات يكون فيها الرحيل أكثر انسجاماً مع المبادئ من الاستمرار. وليس المقصود من ذلك أن يرحل القائد عند أول خلاف، أو أول عقبة، أو أول شعور بالإحباط، فالقيادة في جوهرها مواجهة للتحديات وتحمل للمسؤوليات، لكن المقصود أن يدرك أن قيمة بقائه لا تقاس بطول مدته، وإنما بقدرته على إحداث الأثر. لقد رأيت في مسيرتي المهنية أن بعض الناس يغادرون مناصبهم فيتركون فراغاً مؤقتاً، ثم تمضي المؤسسة في طريقها، بينما يترك آخرون وراءهم ثقافة عمل، ومنهجاً في الإدارة، ومؤسسات أكثر قوة مما كانت عليه قبل مجيئهم، وهؤلاء لم يغادروا حقيقة، لأن أثرهم بقي حاضراً بعد رحيلهم، ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه بين الحين والآخر هو: هل ما زال بقائي هو الخيار الأفضل للمؤسسة؟، فإذا كان الجواب نعم، فليستمر بكل عزيمة، وإذا كان الجواب لا، فليغادر بكل كرامة. وكما أن على القائد معرفة متى يتقدم إلى الأمام، فعليه معرفة متى يفسح الطريق لغيره دون ضجيج، ودون أن يحمل في قلبه إلا الامتنان للتجربة، والدعاء بالتوفيق لمن يكمل المسيرة، تلك هي فلسفة الرحيل، تغادر فيبقى الاحترام، تترك الموقع ويبقى الأثر، تنتهي المسؤولية ويبقى الرضا.
2832
| 01 يوليو 2026