رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أقل ما يمكن وصف الجريمة التي اقترفها التوأم خالد وصالح العريني بقتل والدتهما، والتي هزت المجتمع السعودي من أقصاه لأقصاه؛ أنها فجيعة ونكبة ونقطة انعطاف حادة في مسيرة التطرف، غردتُ مباشرة كاتبا: "ما الذي يتعاطاه هؤلاء الدواعش، ليتحولوا إلى وحوش وحيوانات بلا رحمة؟!".
تصورت للحظة، مشاعر تلك الأم الصالحة المغدورة، التي كلُمت بهذين الابنين الشقيين، وقتما استدرجاها وانهالا عليها طعنا بالساطور والسكاكين، وهي المرأة التي تنتمي لعائلة علم وفضل، فأبوها هو الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العريني الرئيس الأسبق لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمكة، فليت شعري ما الذي كانت تردده وهي بعمر الـ67 عاما، وترى فلذتي كبدها اللذين حملت بهما، يوجهان لها الطعنة تلو الأخرى، أتراها تذكرت أويقات مرضهما وهي ترعاهما ولم تنم حنانا بهما؟، أم تذكرت صباحات العيد وهي تلبسهما أزهي الثياب، وتطعمهما الحلوى بيديها؟، أم ليت شعري أكانت تنظر في أعينهما الباردة وتتذكر أمومتها الفياضة، وهي ترضعهما بكل سعادة، ترمق بحب أعين طفليها البريئة؟
ما الذي كان يجول في خاطرها المفجوع، والدم يثعب من كل جسمها، إثر طعنات ابنيها الوادعين اللذين تحولا لوحشين بلا قلب ولا ضمير ولا إنسانية؟! يقينا أنها الأم، التي أجزم أنها كانت تلهج بالدعاء مع كل طعنة تخترم جسدها الطاهر، وتدعو وقتها بالصلاح والهداية والمغفرة، ولا شيء غير تلك الأدعية، وهي تسلم الروح الطاهرة لبارئها، هكذا هي الأم على كل العصور.
ألمح لي أحد الأصدقاء القضاة جوابا لسؤالي عن الحالة التي كان عليها الشقيان التوأم، بأن تاريخنا عرف أناسا مغيبي الوعي، وذكر لي طائفة "الحشاشين"، وعدت للمصادر التاريخية، أقرأ عن هذه الفرقة الإسماعيلية الباطنية التي أسسها الحسن بن الصباح، واتخذ من قلعة "آلموت" في فارس عاصمة له، ومركزًا لنشر دعوته، وهي الفرقة التي تميزت باحتراف القتل والاغتيال لأهداف سياسية وأيديولوجية متطرفة.
قلعة "آلموت" منيعة جدا وصعبة الوصول، فهي ترتفع عن سطح البحر بـ6 آلاف قدم، ولا يمكن أن يصل أحد إلى هذه القلعة إلا عبر ممر ضيق متعرج شديد الانحدار، وأقام الحسن بن الصباح فيها المزارع والحدائق التي تخلب الألباب، في شكل درجات بعضها فوق بعض، وفي إحدى هذه الحدائق، قام بزراعة النباتات الجميلة والأزهار المتنوعة وأشجار الفواكه الشهية، وأجرى أنهارا صناعية صغيرة من اللبن والعسل والخمر والماء الزلال، تمثل الجنة لمريديه القتلة.
يقول المؤرخون بأن الحسن بن الصباح وكبار معاونيه كانوا يحرصون على أخذ الصبية الصغار الغرّ، ليعلموهم مبادئ الإسماعيلية وتعاليمها، ثم بعد ذلك يعلمونهم فنون المكر والخداع والشعوذة، وكذلك فنون الاغتيال بالخنجر والسكين، وفنون القتل بالسم، وهم في أثناء مراحل التعليم هذه؛ يجعلونهم يتناولون نبات "القنب الهندي" المعروف بالحشيش ليدمنوه، ليصلوا لاحقا لمرحلة تعاطٍ كامل وإدمان، لا يستطيعون العيش وممارسة حياتهم الطبيعية إلا بتعاطي المخدر الذي أدمنوه، وإذا قطع عنهم يصبحون كالحيوانات الهائجة، وعلى استعداد لعمل أي شيء.
معلمو فرقة الحشاشين كانوا يتحكمون بهؤلاء المدمنين عن طريق التحكم بكميات الحشيش المقدمة لهم، ومتى اشتدت حاجة هؤلاء إلى الحشيش، ودخلوا في مرحلة ما قبل جنون الحاجة للمخدر، قال لهم معلموهم: "ادعوا الحسن بن الصباح يعطيكم ما تريدون"، وبالفعل يقوم هؤلاء بدعوته والدعاء إليه، والتوسل والتضرع، فيعطيهم ما يريدون ويصبح بالنسبة لهم كالإله، يعبد من دون الله جل وعلا، وعلى استعداد للتضحية بحياتهم لأجله.
ذكر المؤرخون ما كان يفعله هؤلاء الانتحاريون، وأسهبوا في وصف إجرامهم، وما ابتليت بهم الأمة، أيام الدولة السلجوقية، بل هددوا صلاح الدين الأيوبي ووصلوا له، وكادوا يقتلونه، وكان الحسن الصباح يبعثهم لقتل العلماء والسلاطين، ويسميهم بالفدائيين أو الفداوية، وذكر بعض أساليبهم في القتل الروائي أمين معلوف في رائعته الروائية الخالدة "سمرقند"، وأطلق المسلمون عليهم مسمى: "الحشاشين" نسبة لتعاطيهم الحشيش، وكانت هذه الكلمة في تلك الأيام، تثير الذعر والهلع في قلب أشجع الشجعان، لأن هؤلاء كانوا آلات قتل متحركة مسلوبة الإرادة عمياء الطاعة.
الحافظ ابن كثير ذكرهم في تاريخه، وقال عن أهم أحداث عام 494?: "فيها عظم الخطب بأصبهان ونواحيها بالباطنيّة، فقتل السلطان منهم خلقًا كثيرًا، وأبيحت ديارهم وأموالهم للعامَّة، كلّ من يقدرون عليه فلهم قتله وماله وكانوا قد استحوذوا على قلاع كثيرة، وأوّل قلعة ملكوها في سنة 483?، وكان الذي ملكها الحسن الصبّاح، أحد دعاتهم، وكان قد دخل مصر وتعلَّم من الزنادقة الذين كانوا بها، ثم صار إلى تلك النواحي ببلاد أصبهان، فكان لا يدعو إلا غبيَّا لا يعرف يمينه من شماله، ثم يطعمه العسل بالجوز والشونيز (الحبة السوداء)، حتى يحترق مزاجه ويفسد دماغه، ثم يذكر له شيئًا من أخبار أهل البيت ويكذب له من أقاويل الرافضة الضَلال، أنهم ظُلِمُوا ومُنعِوا حقَّهم، ثم يقول له: فإذا كانت الخوارج تقاتل مع بني أميّة لعليٍّ، فأنت أحقُّ أن تقاتل في نصرة إمامك عليٍّ بن أبي طالب، ولا يزال يسقيه من هذا وأمثاله حتى يستجيب له، ويصير أطوع له من أبيه وأمِّه، ويظهر له أشياء كثيرة من المخرقة والنَّيرنجات والحيل التي لا تروج إلا على الجهال، حتى التفَّ عليه بشر كثير وجمُّ غفير، وقد بعث إليه السلطان ملكشاه يتهدده ويتوعّده وينهاه عن بعثه الِفداويّة إلى العلماء" أ.هـ
ما أشبه أولئك الحشاشين الانتحاريين -الذين يمتهنون القتل غيلة وغدرا- بالدواعش الصغار هؤلاء، فلو رصدنا أعمار من قام بالغدر بأقاربهم وقتل رجال الأمن من الدواعش، لألفيناهم في مرحلة اليفاعة والشباب، وهؤلاء يخدّرهم قيادات داعش الشرعية عبر "الإنترنت"، ويعدونهم بالجنة والحور العين، ويطالبونهم بقتل الأقرب لهم عياذا بـالله، فيصلون لمرحلة التخدير الكامل، ولو من دون تعاطٍ مباشر، فهم في مرحلة تغييب كامل للعقل والمشاعر الإنسانية.
من المؤلم تقاذف النخب السعودية اليوم الاتهامات وهم على سفينة الوطن، وبدلا من الشعور بالخطر الداهم، يقوم البعض بسوق الاتهامات على العلماء والدعاة الذين لم يكلّوا ولم يتركوا مناسبة للتحذير من خطر التطرف، ليرد عليهم هؤلاء بأن استفزازهم عبر البرامج الهزلية السوقية، وقيام الإعلام بشيطنة الدعاة والرموز الشرعية أحد أهم الأسباب لظهور هؤلاء الدواعش الصغار الذين ترعرعوا في عصر الحرب على الإرهاب، وغلبة الإعلام على منبر المسجد وطاولة الدرس.
رحم الله الشهيدة هيلة العريني، وكفانا رمي الاتهامات لبعضنا، فحشاشو العصر يتوالدون ويتناسلون، فيما النخب تتخاصم في فجور، والوطن يدفع الثمن.
سنّة العراق.. أيدي سبأ
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); "ما وصل إليه سنة العراق اليوم من هوان وذل وانقسام وضعة، وهم الذين... اقرأ المزيد
1177
| 02 يناير 2017
رتق ما انفتق في صفوف أهل السنة
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); آمنت بعد أحداث عديدة حضرتها وعشتها؛ أن السياسي والعالم الشرعي لديهما من الحكمة... اقرأ المزيد
1533
| 19 ديسمبر 2016
"هرمز" و"الحشد"..في صميم جولة سلمان
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); "إن المملكة العربية السعودية هي العمود الأساسي والمظلة الحقيقية لدول مجلس التعاون الخليجي... اقرأ المزيد
722
| 12 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4266
| 29 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1140
| 28 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
1113
| 02 أكتوبر 2026