رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الصراع حالة حتمية بين البشر، فالانسان مخلوق اجتماعي، وعليه فالصراع بين البشر ظاهرة اجتماعية بسبب التعارض بين رغبتين أو بين إرادتين، وهو كذلك حالة ناتجة عن تعارض تخيلي للمصالح والقيم، أسوأ حالات الصراع محاولات حسمه بالقوة والسلاح أو حتى بالارهاب اللفظي، فالصراع إذن هو القانون الطبيعي الذي يحكم الحياة، فعندما يوجد فرد واحد يوجد سلام، لكن عندما يوجد اثنان يكون هناك صراع (قابيل وهابيل).
بيد أن أفضل طرق حسم الصراع استخدام القوة الناعمة، فالصمت قوة جبارة حين يقهرك يقين بأن الآخرين غير قادرين على استيعاب رؤيتك وأفكارك، والصمت قد يبلغ درجة الهجوم المستتر فيغدو الصامت هو الأقوى من دون كلام وعنت، فضلا عن أنه يجلب الاحترام بعكس الصراع، وعلى النقيض فالجدل يبعث التنافر والبغضاء، وقد يحفز الصمت العصف الذهني والتفكير بعمق وسبر غور الآخر فتتمكن من السيطرة عليه بمجرد نظرات محملة بمعان غير منطوقة، فيدمر أسلحة من تتشاجر معهم.
والصمت ليس منحة مجانية تسقط من السماء كقطرات الغيث؛ فإن كان الإنسان يحتاج لعامين ليتعلم الكلام، فإنه يحتاج لسنين عددا ليتعلم الصمت، وهو يشير إلى مدى وعي الشخص ونضجه، حيث إنه قد يكون في بعض الأحيان أكبر تأثيراً من الكلام في إيصال المشاعر والأحاسيس، بل هو الجزء الأصعب من علم الكلام وفنونه، فالصمت الوقور إجابة رائعة لا يتقنها إلا العقلاء ومن بلغ النضج العقلي فقد تكلم صمتا.
إن من يتقن الصمت لا يخفق أبداً في تحقيق مراده، في أي ظرف كان، زماني أو مكاني، وهل من أحد ندم على صمته أم على كلامه؟، في الأثر أن لقمان الحكيم قال لابنه وهو يعظه: "يا بني، اذا افتخر الناس بحسن كلامهم، فافتخر أنت بحسن صمتك"، وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "اذا تم العقل نقص الكلام". وقال أيضا: "بكثرة الصمت تكون الهيبة".
والصمت في الفلسفة القديمة هو الطريق إلى التأمل، بينما الفلسفة هي علم الجمال، والأخلاق، والمعرفة، والمنطق، وحتى الميتافيزيقيا، وفلسفة السعادة تدعونا لنعيش حياتنا كما لو كان الشخص يتسلق جبلا في صمت، وفي ذات الوقت فإن نظرة من حين لآخر باتجاه القمة ستحافظ على بقاء هدفه في عقله، علاوة على أن الكثير من المناظر الجميلة ستظل أمامه ليتأملها من كل نقطة يصلها أثناء صعوده الصامت، إن منظر الجبل تحت قدميه عندما يعتلي القمة سيكون ذروة الإثارة في تلك الرحلة الصامتة.
لقد جعل ليوناردو دافنشي لوحة الموناليزا الشهيرة تغني (الصمتُ خلخالي وعِقْدُ بهائي)، فعبرها جسد دافنشي الصمت فيها، فاستطاعت تلك اللوحة أن تشحذ قريحة مئات الشعراء والكتّاب، فهم منذ قرون في سكرتهم يعمهون، يحاولون اختراق صمتها وتفسير تقاسيم وجهها الخفية، فقد ظل وجها صامتا مهيبا تحدى كل من دنا منه متأملا، فبقدر الايغال في الصمت تكون الهيبة، لقد كان صمت الموناليزا أكبر مثير للإبداع والملهم الأول للكلام.
حديثا مدح الشاعر المُجيد نزار قبّاني، الصمت في قصيدته (إلى تلميذة)، قائلا:
فإذا وقفت أمام حسنك صامتاً فالصمتُ في حَرَم الجمال جمالُ
كَلِماتُنا في الحُبِّ تقتلُ حُبَّنَا إن الحروف تموت حين تقال
على صعيد الصراعات الدولية يبرز مفهوم الدبلوماسية الصامتة مقابل الحروب التقليدية، وتعد كل من الهند واليابان والصين والدول الاسكندنافية السويد والدنمارك والمجر أكثر الدول اتباعا لاستراتيجية الدبلوماسية الصامتة في المناطق الملتهبة، بوسائل تختلف بحسب توجهات كل دولة وطبيعة النظام السياسي فيها، ففيما تركز الصين أكثر على تطوير علاقاتها الاقتصادية والتوسع في الاتفاقيات التجارية، تتبع الدول الاسكندنافية نهجا يعطي أهمية أكبر للتواجد الثقافي الناعم وتبني ودعم المبادرات الدبلوماسية.
وكثيرا ما تأبطت الصين الدبلوماسية الصامتة فلم تخلُ من فاعلية في رحلة الصعود السلمي في مواجهة خصومها ومنافسيها، وتشير التقارير الاقتصادية إلى أن الصين باتت القوة الاقتصادية الأولى في العالم لتتجاوز الولايات المتحدة كأكبر اقتصاد في العالم منذ عام 1872.
أما اليابان التي جعلت منها الهزيمة في الحرب العالمية الثانية شلوا ممزقا متهاويا إلا أن سياسة العمل في صمت حولت المستحيل إلى منجزات مهدت طريق تصدرها الدول المتقدمة في الكثير من المجالات.
إن العالم اليوم متفق على أن اليابان تشكل إحدى معجزات القرن العشرين المنصرم، من حيث انبعاثها من العدم، لتخرج من موتها السريري، ونجحت اليابان في تجاوز كبوة القنبلتين الذريتين اللتين استهدفتا هيروشيما وناجازاكي بعد شهر واحد من نهاية الحرب في عام 1945.
ولعل التحول الكبير والرئيس في السياسة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس الجديد جو بايدن قائم بشكل أساسي على تفعيل الدبلوماسية الصامتة من خلال العودة إلى تعزيز التعاون في المجالات المتعددة الأطراف للشؤون العالمية.
وتشمل الإجراءات إعادة الانضمام إلى اتفاق باريس، والنظر في استئناف المفاوضات المتعددة الأطراف بشأن الأسلحة النووية لكوريا الشمالية وإيران، وتوسيع النفوذ والقيادة في مجالات جديدة، مثل بناء الفضاء الإلكتروني وغيره، فضلا عن إعادة بناء الحلفاء، مع التركيز على تعزيز التعاون المؤسسي بين الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، وحلفاء آسيا والمحيط الهادئ.
وفي إطار الدبلوماسية الصامتة تسعى إدارة بايدن إلى استعادة دبلوماسية القيم وتعزيزها، وتوحيد ما يسمى "بالدول الديمقراطية"، والدفاع عما يسمى بالقيم الكونية مثل حقوق الإنسان، والديمقراطية.
فبايدن على علم بالانخفاض النسبي في القوة الشاملة للولايات المتحدة، وأن تكون انتقائيًا، وتستثمر بشكل متناسب الطاقة والقوة في القضايا الدولية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4242
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3159
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1107
| 28 سبتمبر 2026