رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رغم المبالغ الضخمة التي أنفقت مقابل الحصول على بديل للنفط يغذي حضارة العالم الصناعي واحتياجاته من الطاقة والتي لا تشكل حاليا سوى 40% يمثل الفحم الحجري منها حوالي 30% أما المصادر الأخرى كالمفاعلات النووية والطاقة الشمسية والكهرومائية فستبقى حتى عام 2030 على حالتها كما هي اليوم لتشكل مع بعضها مجتمعة نسبة أقل من 10% من الطاقة المنتجة عالميا ومع تسارع وتيرة التطور العلمي والتكنولوجي تضاعفت حقول النفط المكتشفة في العالم وازدادت قدرتها الإنتاجية وبذلك أصبح النفط والغاز يشكلان سلعة إستراتيجية إلى يومنا هذا تمثل أكثر من 60% من مصادر الطاقة في العالم تمثل الأوبك منها نسبة 40% فإن تقديرات نشرتها إدارة معلومات الطاقة الأمريكية مؤخرا، أن أغلب إنتاج النفط الإضافي خلال الـ25 سنة القادمة سيأتي من دول الشرق الأوسط.
ويؤكد تقرير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية زيادة الطاقة الإنتاجية في الدول غير التابعة لمنظمة أوبك، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، والبرازيل، وكندا. وبحسب الوكالة الدولية للطاقة أن التقدم التكنولوجي في الولايات المتحدة الأمريكية في مجال استخراج النفط الصخري منح البلاد القدرة لأن تصبح أكبر منتج للنفط في عام 2015، وأن يتخطى حجم صادراتها حجم وارداتها بعد ذلك ببضع سنوات. ومع أن طلب بعض الدول الصناعية علي النفط قد تراجع قليلا.ولكن بالمقابل تزايد الطلب عليه من دول صناعية ناشئة مثل الصين والهند وبالتالي مازال يمثل العمود الفقري لإنتاج الطاقة التي تعتمد عليها الحياة الإنسانية برمتها رغم المحاولات الدؤوبة لإيجاد بدائل أخرى لإنتاج الطاقة بحيث بقي الاهتمام بسعره وتطوره موضع ومحط أنظار جميع الدول على اختلاف مستويات تطورها (الدول المتقدمة والدول حديثة التصنيع والدول الناشئة والدول النامية) وعلى اختلاف مكانتها النفطية (مصدرة للخام أو مستوردة للمشتقات).
وبفعل العولمة الاقتصادية وزيادة التبادل التجاري بين الدول وتزايد ارتباط الاقتصادات الإقليمية فيما بينها وتحرير أسواق الطاقة في العديد من الدول، تزايد عدد الداخلين والمؤثرين على سعر الخام، ولم يعد الاهتمام بتطور الأسعار محصوراً بصانعي القرار الرسميين في الدول المنتجة والمستهلكة أو الشركات الدولية بل أصبح ملايين المستهلكين بمن فيهم مستهلكو دول جنوب شرق آسيا يؤثرون ويتأثرون بتطور الطلب على النفط وأسعاره ناهيك عن المضاربات المالية التي تقوم بها مجموعات عديدة من المؤسسات المالية والأفراد من خلال عمليات بيع وشراء الخام (في السوق الآنية والآجلة) في البورصات العالمية.
وبحسب تقرير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، سيزيد الإنتاج النفطي لـ«الشرق الأوسط» بمقدار 10.1 مليون برميل يوميا، من معدله الحالي البالغ 25.4 برميل يوميا إلى 36.5 برميل يوميا في عام 2040. ويعد التقرير الجديد بمثابة دحض لتوقع الكثير من المحللين أن تفقد دول مجلس التعاون الخليجي تفوقها العالمي في مجال الطاقة، وعلى الأخص أن تفقد السعودية مركزها كمحدد أسعار النفط عالميا، لكن هذا الاستنتاج غير صحيح تماما.
وعلى الرغم مما تواجهه هذه الدول من ضغوط إقليمية ودولية بسبب الطفرة المالية والاقتصادية، التي تشهدها فزيادة أسعار النفط وتباطؤ الاقتصاد العالمي تسبب في تنامي أطماع الدول الغنية والفقيرة على حد السواء من جهة وما يترتب عليها هي تجاه اقتصاداتها ومصير شعوبها. من جهة ثانية فلديها فرصة ذهبية من أجل إرساء بنية اقتصادية متينة ترسو بها إلى بر الأمان بشكل يمكن اقتصاداتها من الصمود أما أي هزة اقتصادية عالمية في المستقبل بشرط التأقلم مع ضغوط الغير وتوجيه الاستثمارات بشكل أكثر مردودية في المستقبل خاصة أنها تعلم علم اليقين أنها تمتلك ثروة آيلة للنضوب أو مهددة بإيجاد خيارات بديلة ووجود الكرة في مرماها قد يساعدها على تحقيق نقلة اقتصادية نوعية إن هي أحسنت استغلال الفرص بتحول الضغوط الموجهة إليها إلى فرص لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية فتكون بذلك قد حققت للغير متطلباته ولشعوبها طموحها وهدفها فصحيح أن عائداتها تزايدت ولكن بالمقابل فأي خبير أو مسؤول غيور على مستقبل اقتصادات هذا الجزء من العالم. سيتفق معي في أن النهضة والديمومة يشترط فيها أمران أولهما وضع خريطة إقليمية للاستثمارات الصناعية على المستوى القومي بالشكل الذي يضمن ثقة المستثمرين في ضخ رؤوس الأموال الأجنبية وليس هجرة الأموال العربية إلى الخارج وأن تتعاون على وضع إستراتيجية صناعية جديدة تضمن جذب الاستثمارات الصناعية وتحقيق اندماج الصناعة العربية في الاقتصاد العالمي قد يمكنها هذا العامل من الحصول على يد عربية مكونة قادرة على الاكتفاء بنفسها والاستفادة من خبرات الغير كما يمكنها من جذب كم هائل من الخبرات العربية المهاجرة الماهرة والمدربة فتكون بهذا العامل قد أوجدت مجتمعا ناضجا قادرا على مواجهة التحديات المستقبلية أما العامل الثاني فيتفق مع الأول من حيث المردودية ويزيد عليه بتعويل شعوب هذه الدول أولا وباقي شعوب المنطقة ثانيا للعمل من أجل سد الفجوة الغذائية في الوطن العربي حيث تنفق هذه الدول نحو 20 مليار دولار سنويا أي بنسبة 65% لسد تلك الفجوة خاصة وأن الطلب على الغذاء ينمو بمعدل 6 % سنوياً في حين أن الإنتاج لا تزيد نسبة نموه على 2 : 3% فقط ومع ذلك فيبقى هذا الجانب إلى وقتنا هذا الحلقة الأضعف في المنطقة العربية وأكثر العوامل تهديدا لشعوب المنطقة خاصة بعد تصريحات أكثر من دولة منتجة لبعض المواد الأساسية بالتوقف عن تصديرها بغية توفير الاكتفاء الذاتي لشعوبها وبانتعاشه وتقديم التمويلات اللازمة للنهوض به تكون الدول التي عملت على تمويله قد أسهمت وبشكل فعال في النهوض بدول المنطقة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
3762
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
3237
| 04 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم يمنحك القبول الذي تنتظره؟ وكم مرة شعرت أنَّ قيمتك ترتفع أو تنخفض تبعا لنظرة الآخرين؟ في زمن أصبحت فيه المعايير خارجية، ينسى كثيرون أن القيمة الحقيقية لا تستأجر من الآخرين، ولا تُمنح بقرارٍ من أحد، بل تُبنى من الداخل وتبقى رغم كل التقلبات. ولو سألنا عن ماهية القيمة المستأجرة، فسنجدها في أن يربط الإنسان قيمته برضا الآخرين، فيعيش أسير تقييماتهم، يعلو حين يُقبل، وينهار حين يُرفض، وهنا تحديداً يبدأ الصراع القاهر مع الذات، حيث تصبح الحياة سلسلة محاولات لإرضاء الخارج، بدل فهم الداخل. ولتوضيح الأمر ليبدو المشهد أكثر وضوحاً، هو أنَّ كثيرين يتأرجحون على سلّم تقييم الآخرين، دون وعي كافٍ بذواتهم، ما يجعلهم في حالة استنزاف دائم، رغم أنَّ كثيراً من تجارب الحياة لا يمكن السيطرة عليها، لذلك، فإن استعادة القيمة من الداخل ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة نفسية، تعيد للإنسان توازنه، وتحرره من عبء تقييم الآخرين. ولا تقف هذه الفكرة عند حدود التأمل النظري، بل تمتد إلى ما تؤكده الدراسات النفسية الحديثة، إذ تشير أبحاث إلى أن ربط تقدير الذات بعوامل خارجية—كالمظهر أو القبول الاجتماعي أو الإنجاز—يجعل الإنسان أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، مقارنةً بمن يستندون إلى ما يُعرف بـ تقدير الذات الداخلي القائم على القيم الشخصية والمعنى، والتي لا تتأثر وفق نظرة الآخرين التي يصدرونها إلينا وفق الموقف أو وفق أمزجتهم. هذا التفريق ليس جديداً، فقد ميّز كارل روجرز أحد مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس بين "الذات الحقيقية" و"الذات المشروطة"، موضحاً أن الإنسان كلما عاش وفق شروط الآخرين طلبا للقبول، ابتعد عن ذاته الأصلية، ودخل في حالة اغتراب نفسي قد لا تبدو واضحة للعيان، لكنها تُستنزف شيئاً فشيئاً. وفي السياق ذاته يذهب نثانيل براندين الذي تحدث عن الأركان الستة لتقدير الذات، أن الذات لا تبنى من خلال ما نحصل عليه من اعتراف خارجي، بل من خلال شعور داخلي بالكفاءة والاستحقاق، يتشكل عبر ممارسات عملية يومية تهدف إلى تعزيز الثقة والقيمة الذاتية، كالعيش بوعي، تقبل الذات، تحمل المسؤولية الذاتية، توكيد الذات، العيش بهدف، والنزاهة الشخصية، وأنَّ إيمان الإنسان بقدرته على التأثير في مجريات حياته هو أحد أهم مصادر التوازن النفسي، هذا الإيمان لا يُمنح من الخارج، بل يتشكل عبر التجربة، والتكرار، وتحمل المسؤولية، بمعنى آخر، القيمة لا تُستورد من الخارج بل الشخص هو مصدرها. وهنا يتضح جوهر المسألة ويكشف أنَّ المشكلة ليست في المحيطين بنا، بل في المكان الذي نضع فيه أنفسنا بالنسبة لهم، حين تصبح نظرة الآخر مرآتنا الوحيدة، نفقد القدرة على رؤية أنفسنا بوضوح، وحين نُعلّق قيمتنا على قبول متقلب، نُدخل أنفسنا في معادلة خاسرة؛ لأن هذا القبول الخارجي أو المعتمد على الآخرين بطبيعته غير ثابت، ولا يمكن التحكم فيه. فالسؤال من نحن بدون القيمة الممنوحة لنا من الخارج!؟، وماذا يبقى منَّا عندما يغيب تصفيق الآخرين؟، فالإجابة الصادقة على هذا السؤال هي بداية التحرر من القيمة المستأجرة، لأن الإنسان الذي يعرف نفسه، لا ينتظر تعريفا من أحد، ولن يعتمد على نظرة الآخرين له. هُنا عليك أن تُذكّر نفسك، باستمرار، أنَّ قيمتك لا تُقاس بحجم الإعجاب الذي تحصده، ولا بعدد الألقاب التي تحملها، بل بمدى صدقك مع ذاتك، وبالدور الذي تؤديه في محيطك مهما بدا هذا الدور صغيراً، فالأثر الحقيقي لا يُقاس بضجيج الفعل، بل بما يتركه من معنى. ختاماً.. قد لا تستطيع التحكم في كيف يراك الآخرون، لكنك تملك بيدك أن تختار كيف ترى نفسك، وهذه في حقيقة الأمر الأكثر صعوبة، لكنها الحقيقة التي تستقر في عمق الوعي متوسدة عقولنا وتمتد إلى جنبات حياتنا.
1167
| 05 مايو 2026