رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
على التوازي مع المعارك العديدة الدائرة فيها، تشهد الساحة السياسية المصرية معركة خاصة يتبارى أطرافها في احتكار والحديث باسم مفاهيم بعينها، أشهرها على الإطلاق مفهوم "التوافق الوطني"، والذي تدعي كل الأطراف اقتناعها به، وتمثلها له، ولكنهم عند التطبيق يفترقون ويتجادلون، إذ ينطلق كل طرف من قناعته الخاصة وتصوره الضيق لهذا المفهوم، حتى صار لدينا أكثر من نسخة من نسخ التوافق الوطني.
فالمعارضة العلمانية ترى أن التوافق لا يتحقق إلا بالعودة لنقطة الصفر، وإلغاء كافة المكتسبات التي تم إحرازها منذ بداية الثورة، وضرورة الدفع بمسار الأحداث في وجهة مختلفة تضمن تصدرهم للمشهد السياسي، واعتلاءهم قمة مؤسسات الدولة، من دون الاحتكام إلى إرادة الجماهير. وقد تم اللا إفصاح عن هذه الأفكار منذ الأسابيع الأولى للثورة بالدعوة إلى تأجيل الانتخابات التشريعية الأولى، ثم الدعوة إلى صياغة وثيقة مبادئ فوق دستورية، ثم الدعوة إلى إعادة كتابة الدستور، وأخيرا من خلال الدعوة الفجة لإعادة الانتخابات الرئاسية. أخطر ما في هذا التصور هو قناعة الكثير من أصحابه بأنه من الممكن فرض التوافق بالقوة أو العنف، وذلك بالدعوة إلى تطبيق العصيان المدني قسرا، بقطع الطرق وتعطيل المؤسسات، وانتهاء باستخدام العنف اللفظي والبدني لتمرير مشروعهم التوافقي!
ويبدو من تفكيك هذا التصور للتوافق أنه يقوم على إفراغ الديمقراطية من محتواها، وذلك من خلال الإلحاح على فكرة أن الديمقراطية ليست هي الصندوق الانتخابي فحسب، وأن الشعب المصري غير مهيأ بعد لممارسة الديمقراطية كاملة، أو أن الديمقراطية لا تتعارض مع التفكير في استدعاء الجيش وقت اللزوم، أو حتى دعوة الغرب للتدخل في الشأن الوطني الداخلي.
وعلى العكس من هذا التصور الذرائعي للتوافق تدعو المعارضة الإسلامية ممثلة في حزب النور السلفي إلى تصور مختلف للتوافق يعكس حالة من المثالية الساذجة التي تكاد تتصادم مع الواقع على نحو تام، فقد افترض الحزب أن الحوار حول التوافق يمكن أن يتم في أجواء من الإخلاص المطلق لمصلحة الوطن، وأن المعارضة يمكنها أن تسمو إلى حالة من التجرد عن تحيزاتها الضيقة وأن تنبذ مخاوفها الخاصة بوجود تيار مناوئ لها في السلطة.
آفة هذا التصور أنه لا يأخذ في اعتباره حقائق الواقع، مثل حقيقة أن قوى المعارضة التي يعرض عليها مبادرته يسيطر عليها هاجس الهوية (التي يرون أنها صارت إسلامية أكثر مما ينبغي)، بأكثر مما تقلقهم أخطاء النظام السياسي القائم (كما يدعون)، كما يفترض هذا التصور لمفهوم التوافق أن الخلافات الأيدلوجية بين القوى السياسية يمكن أن تتواري متى بدأ الحديث عن الوطن، ويغفل المناورات التي قامت بها هذه القوى في السابق لكي تشق الصف الإسلامي، ولكي تسرق إرادة الجماهير التي اختارت فصيل الإسلام السياسي لكي يقود بها هذه المرحلة من عمر الثورة.
أما الطبقة الحاكمة ممثلة في الرئاسة وجماعة الإخوان المسلمين، فتتحدث عن التوافق الوطني وفي ذهنها أن تكسب المزيد من الوقت الذي تستفيد منه في إكمال المسار المؤسسي الذي يتبقى منه إجراء الانتخابات التشريعية. ولكن الرئاسة في الوقت الذي ترفض فيه فكرة وضع شروط مسبقة لبدء الحوار حول التوافق الوطني، فإنها تضع ما يبدو للجميع أنه شروطا مسبقة، من مثل استبعاد فكرة تغيير الحكومة ورفض مطالبة النائب العام الحالي بالتنحي من موقعه تمهيدا لاختيار نائب جديد، والأسوأ أن الرئاسة تمتلك في هذا الصدد سجلاً من حالات التراجع عن الالتزامات ما يجعل من التوافق معها محل نظر فيما يخص الجدوى من ورائه، خاصة أنها قد استبقت المعارضين بتحديد موعد الانتخابات المقبلة على نحو منفرد، في الوقت الذي كانت قوى المعارضة تبتغي أن يكون هذا الموضوع (موعد إجراء الانتخابات القادمة) من المواضيع المدرجة على أي برنامج مزمع للحوار أو التوافق الوطني.
النموذج الذي تتبعه الطبقة الحاكمة يوحى أنها تعتبر التوافق مجرد جزء من مناورة سياسية، الغرض منها استهلاك الوقت واستنفاد طاقة الخصوم. وفي أحسن الأحوال يتم النظر إلى التوافق على أنه من ضرورات الشكل الديمقراطي، الذي يتزين بجولات الحوار المتعددة والتي لا تكاد تنتهي إلى قرارات ملموسة، حتى صارت بمثابة مناسبة لعدم القيام بأي شيء ذي جدوى، فالحوار من أجل الحوار صار هو الشعار الفعلي لكثير من الفاعليات التي عقدت لهذا الغرض، والاستماع إلى المعارضين كان يتم في غالب الأحيان بغرض استيعاب أضرارهم أكثر من المشاركة معهم في إعادة تأسيس الوطن.
وهكذا تتعدد طرق النظر إلى التوافق، ويفهمه كل فصيل بطريقة مختلفة، فيشارك فيه أو يرفضه لاعتبارات مغايره لاعتبارات خصومه. أما النسخة الغائبة من التوافق فهي تلك النسخة التي تؤكد أنه ضرورة لمرحلة البناء والتأسيس، وتؤمن أنه إنما يصنع بين القوى التي تؤمن به وتراهن على نجاحه وتتبناه كمشروع وليس كمناورة، هذه النسخة من التوافق تنطلق من تصور للواقع بكافة تضاريسه، وبفهم كامل لطبيعة القوى المؤثرة فيه، وبأوزانها النسبية الحقيقية، والتي تصنعها قدرتها على التأثير الإيجابي في هذا الواقع. هذه النسخة من التوافق تؤمن بأن الواقع معتبر ولكنه ليس قيدا حديدياً، وأن مؤسسات العهد السابق معيبة ولكن يتعين الاستفادة من حقيقة وجودها لا نفيها بالكلية، النسخة الغائبة من التوافق هي النسخة التي تحاول وضع قواعد لإدارة الخلاف الحالي وخلافات المستقبل، وتعتبر أن التوافق هو عملية سياسية تخص الوطن بأكمله ولا تخص فصيلاً بعينه، وأنه يصنع حول أولويات ومصالح الدولة، وليس على أساس أولويات ومصالح فصيل أو جماعة أو فرد.
الجماعات المسلحة من غير الدول
في الوقت الذي يسلط فيه الإعلام العالمي الضوء على تنظيم الدولة الإسلامية (المعروف إعلاميًا باسم داعش)، وغيره من... اقرأ المزيد
2326
| 13 يناير 2016
العنف مؤذِّن بضياع الاستقرار
من الشائع أن تعوِّل أنظمة الاستبداد على العنف كأداة للحفاظ على استقرارها ومكاسبها السياسية، وذلك لما تعتقده هذه... اقرأ المزيد
942
| 06 يناير 2016
العلمنة الشاملة وعنف الدولة
يثير العنف الأهوج الذي تمارسه أنظمة الاستبداد بحق مواطنيها العديد من الأسئلة، فضلاً عما يثيره من استنكار وتقزز... اقرأ المزيد
834
| 30 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4605
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3300
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1269
| 28 سبتمبر 2026