رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يعاني قطاع التعليم عندنا من فوضى اسناد المقررات والمواد التدريسية إلى مدرسين ومدرسات غير مؤهلين علميا وتربويا للتعامل مع الطلاب، خاصة في المراحل التعليمية الأولى، والسعي لإلصاق تدريس مقررات إلى مدرسين ومدرسات هم اساسا خريجو تخصصات اخرى غير التي يقومون بتدريسها!
وعلى الرغم من التطرق السابق لمثل هذه الظواهر السلبية في مدارسنا، فإن الوضع - وللاسف الشديد - مازال على حاله، دون ان نجد تفاعلا من المسؤولين بوزارة التربية والتعليم، ووقف «مهزلة» اسناد تدريس المواد إلى غير المتخصصين، خاصة تلك التي يرفض اساسا من تسند إليه هذه المهمة القيام بها، الا تحت « التهديد» وقفه عن العمل، أو إحالته إلى المساءلة.
لايكفي ان وزارة التربية في وقت من الاوقات عمدت إلى ارغام خريجي كليات الانسانيات والشريعة والعلوم للعمل كمدرسين، على الرغم من ان الغالبية العظمى من هذه الشريحة ليست لديها الرغبة اساسا في التدريس، وليس هذا فقط بل ان خريجي هذه الكليات لم يؤهلوا ليكونوا مدرسين، فالتدريس بحاجة إلى تخصص وفن واسلوب في التعامل يختلف عن العمل في الوظائف الحكومية الاخرى، خاصة في المراحل التأسيسية الأولى، وهي المرحلة الابتدائية التي هي بأمس الحاجة إلى مدرسين ومدرسات متخصصين في المواد، ومؤهلين تربويا ونفسيا واجتماعيا للتعامل مع هذه الشريحة، التي هي في بداية حياتها العلمية، مما يتطلب تأسيسا صحيحا.
نماذج مختلفة تم تحويلها من المجال الذي تقوم بتدريسه أو متخصصة به الى مجالات اخرى، فهناك مثلا مدرسة تعمل منذ اكثر من عشر سنوات في تدريس المادة الشرعية، وهي خريجة شريعة، لكن تم تحويلها لتدريس مادة اللغة العربية، دون سابق انذار، أو سبب مقنع، وان كانت جميع الاسباب اصلا غير مقنعة.
هذه المدرسة رفضت في البداية الانصياع لهذه الاوامر، ولكن في النهاية انصاعت وهي مرغمة، فماذا يمكن ان ينتظر من عطاء أو ابداع من هذه المدرسة، التي اشعر انها تذهب إلى المدرسة صباح كل يوم، كأنها تساق إلى سجن يسمى «المدرسة»، تقضي ساعات فيه وهي بانتظار لحظة الانصراف.
السبب الذي سيق لتحويل هذه المدرسة من تدريس مادة الشرعية، التي هي اساسا خريجة هذا القطاع، ومرتاحة اليه جدا، ومبدعة في عملها، دون تقصير طوال السنوات العشر...، السبب هو ان هناك نقصا في مدرسات اللغة العربية! والشيء الغريب ان « طوابير» الفتيات خريجات اللغة العربية ينتظرن التعيين منذ سنوات، وليس هذا فقط بل ان الجامعة قامت بإغلاق تخصص اللغة العربية، لان هناك اكتفاء، ولكن يظهر ان الأمر غير ذلك.
انني اتساءل كيف يمكن خلق بيئة للابداع والتميز في قطاع التدريس، اذا ما كان المنتسبون إلى هذا القطاع مرغما بعضهم، فيما الآخر يعمل بعيدا عن تخصصه، وتبقى فئة هي التي تحترق ألما كونها لا تستطيع ان تفعل شيئا للارتقاء بالعملية التعليمية، في أوضاع يسودها الإحباط في جوانب مختلفة؟!
فلا غرابة اذن من التحول الكبير لأولياء الامور نحو المدارس الخاصة، وتحمل الاعباء المالية الكبيرة من اجل الحاق ابنائهم في تلك المدارس، فما الذي يدفع ولي امر إلى دفع الآلاف سنويا في سبيل الحاق ابنه في مدرسة خاصة، اذا ما كان التعليم الحكومي لا يقل مستوى بالنسبة لخريجيه في المدارس الخاصة؟!
ان فوضى اسناد المقررات والمناهج إلى كل من يحمل صفة مدرس أو مدرسة، دون النظر في تخصصاته، يجب ان تتوقف، وان يعاد النظر في هذه القضية، وان يتم التركيز في اسناد المواد إلى المتخصصين، ونركز بالدرجة الأولى على المرحلة الابتدائية التي اهملت بصورة كبيرة، حتى اصبحت ملاذا للبعض ممن يرغب في الحصول على راتب آخر الشهر، دون النظر إلى كفاءته العلمية والمهنية والتدريسية والتربوية.
اننا نأمل خلال الاعوام الدراسية القادمة، بدءا من العام المقبل ان تختفي مثل هذه الظواهر التي تعمل على هدم العملية التعليمية، وتمثل تراجعا في المسيرة التعليمية، في بلد يستنهض كل قدراته وإمكاناته، ويسخرها من أجل التعليم.
هذا ما نأمله حرصا على تعليم نوعي جيد ومرض في مجتمعنا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1599
| 04 يناير 2026
كنت أقف عند إشارة المرور حين فُتح شباك سيارة مجاورة، وامتدت يد على عجل، ثم طارت ورقة منديل بيضاء واستقرت على الإسفلت، أُغلق الشباك، تحركت السيارة، وبقيت الورقة في مكانها، كأنها تنتظر من يلتفت إليها، مشهد مألوف، يتكرر كثيرًا، لكنه في تلك اللحظة بدا أوسع من حجمه، وأعمق من كونه تصرفًا عابرًا. ورقة المنديل ليست فعلًا منفصلًا عن غيره من السلوكيات، إنه جزءٌ من منظومة كاملة، إن الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع الطريق العام تعكس نظرته إلى كل ما هو مشترك، وتكشف مستوى الإحساس بالمسؤولية تجاه المكان والآخرين، فالتفاصيل الصغيرة كثيرًا ما ترسم ملامح الثقافة العامة أكثر مما تفعل الشعارات. إن الطريق الذي نمر به إنما هو مرفق شُيّد من مواردنا، وصُرفت عليه أموال عامة، وسُخّرت له إمكانات كان يمكن أن تُوجَّه للتعليم، أو للصحة، أو لتحسين جودة الحياة، وكل جهد يُبذل لمعالجة سلوكيات عشوائية هو جهد يُعاد توجيهه من البناء إلى التصحيح، ومن التطوير إلى التنظيف، بسبب إهمال بسيط كان يمكن تفاديه. ويمتد هذا السلوك في صور متعددة نراها كل يوم؛ من إتلاف الأرصفة، وترك المخلفات في الأماكن العامة، إلى الصخب غير المبرر في الأحياء السكنية، والتعامل مع المرافق المشتركة بلا عناية، أفعال تبدو متفرقة، لكنها تنتمي إلى منظومة واحدة، وتكشف مستوى الإحساس بالمكان المشترك وبحق الآخرين فيه. أما في التربية، فتتحول هذه التفاصيل إلى دروس صامتة، الأطفال لا يتعلمون القيم من العبارات المجردة، إنهم يتعلمونها من المشاهد اليومية، ما يرونه من الآخرين يتحول إلى عادة، وما يُمارَس يتحول إلى ثقافة، حين ينشأ الطفل على أن الممتلكات العامة جزء من حياته، وأن احترامها احترام لنفسه ولغيره، تتكوّن لديه منظومة سلوكية متماسكة تبدأ من الطريق ولا تنتهي عنده. في الأسبوع الماضي جاءتني دعوة كريمة للمشاركة في مسيرة النظافة العامة تحت رعاية سعادة وزير البلدية، مبادرة تحمل دلالة إيجابية وتعكس اهتمامًا مؤسسيًا يستحق التقدير، غير أن القيمة الحقيقية لمثل هذه المبادرات لا تُقاس بحجم المشاركة ولا بعدد الصور، إنما تقاس بقدرتها على التحول إلى سلوك فردي دائم، فالمسيرة تنتهي، واللافتات تُطوى، لكن الطريق يبقى، والاختبار يبدأ حين يعود كل منا إلى سيارته، وإلى عاداته اليومية. حب الوطن والولاء له لا يقف عند قصيدة تُلقى، ولا عند مشاركة في فعالية وطنية، تلك لحظات جميلة ومهمة، لكنها تكتمل حين تُترجم إلى سلوك يومي هادئ ومستمر، يظهر في احترام المكان، وفي مراعاة النظام، وفي الحرص على ألا نترك خلفنا أثرًا سلبيًا مهما كان صغيرًا. عندما نهم بإلقاء منديل من السيارة في الطريق العام، لنستحضر الحديث النبوي الشريف: "إماطة الأذى عن الطريق صدقة"، ونتذكر بأن ذلك مما أوصى به الدين، وأن النظافة مسيرة تبدأ من سلوك فردي بسيط، يعكس حس المسؤولية الاجتماعية لدى الفرد حتى لو كان ورقة منديل.
771
| 31 ديسمبر 2025
لا شكّ أن الجهود المبذولة لإبراز الوجه الحضاري والسياحي هي جهودٌ مقدَّرة ومحلّ اعتزاز، ونأمل أن تبلغ أسمى درجات التميّز والإبداع من خلال التكامل والتنسيق بين مختلف الجهات، وبمشاركة أطياف المجتمع كافة؛ بما يعكس الصورة المشرّفة للبلد، وثقافتها، وقيمها، ورُقيّ أهلها. وبحكم كوني من روّاد كورنيش الدوحة، فقد استوقفتني بعض الممارسات التي -من وجهة نظري- قد تؤثّر سلبًا في المشهد العام وجودة التجربة السياحية التي نطمح جميعًا إلى الارتقاء بها. إذ إن لهذه الممارسات انعكاساتٍ مباشرة على سمعة القطاع السياحي، وعلى جودة الخدمات المرتبطة به. ومن أبرز هذه الملاحظات انتشار مجموعات من الأشخاص الذين يمارسون الإرشاد السياحي دون ترخيص أو تأهيل مهني، يتمركزون في نقاط معيّنة على الكورنيش والمواقع الحيوية، ويعمدون إلى استقطاب السياح بصورة عشوائية تفتقر إلى التنظيم. وأشير هنا -من باب رصد الواقع لا التعميم- إلى بعض العمالة، ولا سيما الآسيوية منها، التي تفتقر إلى أبسط أدوات الإرشاد السياحي السليم، وإلى الوعي والبعد التاريخي والثقافي للمكان. وهنا يبرز تساؤلٌ مشروع: هل يحمل هؤلاء تصاريح رسمية تخوّلهم مزاولة هذه المهنة؟ وهل يمتلكون التأهيل المعرفي اللازم لنقل المعلومة الدقيقة عن التاريخ، والعادات، وقيم المجتمع؟ فالإرشاد السياحي ليس مجرّد مرافقة عابرة، بل هو تمثيلٌ حيّ، وصورة واقعية تُنقل إلى العالم عبر التواصل الإنساني المباشر، وتترك أثرًا دائمًا في ذاكرة الزائر والسائح. وتبرز ملاحظةٌ أخرى تتعلّق بالقوارب الخشبية السياحية التقليدية، حيث تظهر على بعضها علامات التهالك، وتدنّي معايير السلامة والنظافة، فضلًا عن غياب الأسلوب الاحترافي السياحي في التعامل مع الزوّار والسائحين، وهو ما يثير تساؤلًا حول مدى توافق هذه المشاهد مع الصورة العصرية والحضارية التي نحرص على تقديمها في أحد أبرز معالمنا السياحية. إن إعادة تأهيل هذه القوارب السياحية والارتقاء بجاهزيتها، من خلال تحسين معايير الأمان، وتوفير سبل الراحة، والالتزام الصارم بمعايير السلامة والنظافة، واعتماد أسلوب احترافي في الخدمة، من شأنه أن يجعلها أكثر جاذبية للسياح، ويحوّلها من وسيلة نقل عشوائية إلى عنصر سياحي فعّال يسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية على الكورنيش. إن كورنيش الدوحة ليس مجرّد معلمٍ عابر، بل لوحة نابضة تروي قصة وطن؛ فعن يمين الزائر تتجلّى الأبراج الشاهقة رمزًا للحداثة، وعن يساره يستحضر عبق التاريخ المرتبط بالبحر والغوص والبادية. وفي هذا التلاقي الفريد، يلتقي الماضي بالحاضر ليجسّدا رحلة بلدٍ حافظ على هويته وهو يعانق المستقبل. ومن هنا تكمن المفارقة في وجود بنية تحتية عالمية المستوى، يقابلها ضعف في جودة بعض التفاصيل الميدانية التي قد تبدو بسيطة، لكنها عميقة الأثر في جوهر التجربة السياحية. وفي المقابل، تمثّل مهنة الإرشاد السياحي فرصةً حقيقية وواعدة لأبناء الوطن من الجنسين، لما تتطلّبه من مخزون ثقافي ومعرفي واعتزاز بالهوية. وقد أثبت الشباب القطري كفاءته في شتى المجالات، وهو الأقدر على تقديم تجربة سياحية أصيلة تعكس القيم والتاريخ بصورة مشرّفة. إن اختيار الدوحة عاصمةً للسياحة الخليجية لعام 2026 هو إنجازٌ يفخر به الجميع، لكنه في الوقت ذاته يضع الجميع أمام مسؤوليةٍ مضاعفة لترجمة هذا اللقب إلى واقعٍ ملموس، يتجلّى في جودة التنظيم، وسلامة المرافق، ورُقيّ مستوى الخدمة. خلاصة القول.. تظلّ التجربة السياحية ناقصة ما لم يُرافقها محتوى إنساني وثقافي مؤهَّل يعكس روح المكان. إن الاستثمار في تنظيم وضبط معايير الخدمات الميدانية هو استثمارٌ في سمعة القطاع السياحي واستدامته؛ إذ لا يدوم التميّز إلا حين يلمسه الزائر والسائح واقعًا في كل تفاصيلها.
645
| 04 يناير 2026