رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يروي تاريخنا أن ملك فارس أرسل الهرمزان إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ليفاوضه وكان على رأس وفد يلبسون أغلى الثياب وأفخرها، وكان الهرمزان متهيبا من مقابلة عمر، فلما وصل إلى المدينة سأل عن قصر عمر فقيل له: لا قصر له، فقال: أين حرسه؟ قالوا: لا حرس له. قال: أين مكانه؟ قالوا: هذا بيته، فأتوا بيته فإذا هو من طين، فسألوا عنه، فقال ابن له صغير: إنه خرج وقد يكون نائما في المسجد، فخرج معهم للبحث عنه فوجدوه نائما تحت شجرة وقد وضع حجرا تحت رأسه، فقال لهم: هذا عمر، فتعجب الهرمزان وقال وهو لا يكاد يصدق: أهذا عمر الخليفة؟ أهذا أمير المؤمنين؟ قالوا: نعم. فقال: حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر.
أثبت التاريخ أن الحاكم العادل لا يحتاج إلى قمع شعبه وظلمه لكي يبقى حاكما، كما لا يحتاج إلى مئات الحراس للحفاظ على حياته، فالعدل الذي قيل عنه إنه أساس الملك هو القادر على حماية الحاكم لأنه في الوقت نفسه هو القادر على حماية الشعب من الظلم والقهر والاستبداد، وقد أثبت التاريخ ذلك في كثير من فتراته القديمة والحديثة.
ولأن عدل الحكام ليس هو الأصل - على تفاوت بينهم في مقدار الظلم وأسبابه - فإن مطلب العدالة أصبح مطلبا ملحا عند الشعوب التي تشعر بالظلم، وقد عبرت الشعوب عن هذا المطلب بطرق متنوعة وما زالت تفعل ذلك.
بعض الحكام لم يكتفوا بظلم شعوبهم بطريقة واحدة وإنما فعلوها مرتين؛ المرة الأولى عندما حكموهم بغير إرادتهم ومارسوا عليهم أنواعا من الظلم، والمرة الثانية، وهي الأسوأ، عندما قتلوا مجموعة منهم ظلما وعدوانا ثم اتهموا مناوئيهم بقتلهم ليبرروا لأنفسهم الاستمرار في قتل المناوئين الذين خرجوا على القانون واعتدوا على المواطنين وأساءوا إلى الدين الحنيف - كما زعموا.
الخليفة العباسي المهدي هو من بدأ هذه العملية عندما أنشأ ديوانا للزنادقة كان هدفه محاربة الماجنين، ثم اتسعت أهداف الديوان ليشمل محاربة الخارجين على الدولة، ثم اتسع النطاق - بحسب الحاجة - فأصبح هذا المصطلح تهمة سياسية يطلقها الخصوم بعضهم على بعض والرابح منهم من يستطيع إقناع الخليفة بصحة رأيه، وبطبيعة الحال لابد أن يكون المتهم عدوا للخليفة لكي ينال العقوبة التي غالبا ما تكون القتل والتكفير!! وقد ذكرتني هذه التهمة بتهمة (الإخوان) هذه الأيام، أو تهمة العمالة للخارج، أو إحداث الفتنة في المجتمع!! وقد قتل بسبب هذه التهمة أعداد كبيرة كان منهم بعض المقربين للخليفة، منهم الشاعر المشهور (بشار بن برد)، وقد كان هدف الخليفة قتل المعارضين أو إسكاتهم على أقل تقدير.
وعندما نصل إلى تاريخنا المعاصر نجد أن عددا من حكام العرب لجأ إلى الأسلوب نفسه مع بعض التحسينات التي تتطلبها ظروف المرحلة مع التقدم العلمي في وسائل الإجرام والقتل!! ففي مصر - مثلا - ومنذ عهد جمال عبد الناصر بدأ استخدام هذه التكتيكات وكان أولها مسرحية اغتيال عبد الناصر في 26 أكتوبر 1954 الذي اتهم فيها أحد الإخوان المسلمين، وقيل إنه كان من أفضل الرماة وأنه أطلق على جمال ثماني طلقات من على بعد سبعة أمتار لكنه لم يصبه على الإطلاق!! ولست أدري كيف يكون ماهرا وفي الوقت نفسه يكون قريبا جدا ويطلق ثماني رصاصات وتخطئه جميعها!! ردة الفعل العادلة أن يحاكم الفاعل محاكمة عادلة ثم ينفذ فيه الحكم، لكن لأن الهدف من العملية كان شيئا آخر، فقد تم اعتقال آلاف المعارضين من الإخوان والشيوعيين (ما علاقة الشيوعيين إذا كان الفاعل إخوانيا!!)، كما تم فصل مئات الضباط، وحكم على ثمانية من قادة الإخوان بالإعدام، وتكملة للهدف من العملية تمت إزاحة محمد نجيب - الحاكم الرسمي - ووضع في الإقامة الجبرية!! ولكي يحقق عبد الناصر أهدافه في ظل الشحن العاطفي للعملية المزعومة أوقف كل الصحف المعارضة، لأنها تسبب الفتنة!! كما أشرف بنفسه على حملة تحث المغنين والمسرحيين على عمل أغان ومسرحيات تمجده وتنتقص من خصومه.
الفريق السيسي - الذي أشيع أنه يشبه عبد الناصر - حاول فعل الشيء نفسه ولكن بطريقة أكثر بشاعة؛ انقلب على رئيسه ولكنه أخفاه أشهرا ثم لفق له العديد من التهم ولست أدري بأي طريقة يريد التخلص منه، لاسيَّما وهو يرى حجم الرفض الشعبي لفعله وتعلق الكثير من المصريين، إما برئيسهم الشرعي وإما بفكرة إنكار الخروج على الشرعية.
السيسي لم يكتف بقتل الآلاف في الميادين وإنما لجأ أيضا إلى استخدام مسلسل التفجيرات واتهام الإخوان بها ليتسنى له إسكات كل المعارضين أو سجنهم!! لكن الفرق بين عبد الناصر والسيسي أن المواطن العربي اليوم لم تعد تنطلي عليه تلك الألاعيب التي كانت تنطلي عليه زمن عبد الناصر، فالوعي اليوم ازداد كثيرا، كما أن وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي تراقب الأحداث أولا بأول وتحللها ولا تسمح بتزييف الوعي المجتمعي، وهذا كله لم يسمح للسيسي بتمرير مشروعه كما رغب.
مسلسل التفجيرات التي جرت في أكثر من مكان في مصر كان المتهم فيها مباشرة هم الإخوان وبطريقة فجة ومضحكة!! فعندما جرى الحديث عن محاولة اغتيال وزير الداخلية استعانوا بشاهد عيان قال: إنه رأى ثلاثة من الإخوان واقفين إلى جانب السيارة وهم المتهمون!! ولكن لم يقل كيف عرف أنهم من الإخوان إلا إذا كان الله قد ميز الإخوان بخلقة خاصة تختلف عن غيرهم! ومثلها حكاية تفجير مبنى مديرية أمن القاهرة المفترض أنه شديد التحصين، خاصة في مثل الظروف التي تمر بها مصر وحديث الدولة عن محاولات التخريب التي سيقوم بها الإخوان وأنصارهم بهذه المناسبة، وقد ثبتت أدلة كثيرة تنفي رواية وزارة الداخلية حول الحدث، فقد ذكرت جريدة الشعب الجديد الصادرة يوم الجمعة 24 يناير أن النيابة العامة كذبت رواية وزارة الداخلية وقالت إن التفجير تم بواسطة ريموت كنترول وعن بعد، كما أن العميد طارق الجوهري قائد الحراسة الليلية لمنزل الرئيس المخلوع قال في اتصال هاتفي مع الجزيرة مباشر: إن التفجير يعد تكرارا لسيناريو تفجير أمن القليوبية من أجل التلاعب بمقدرات الدولة وأرواح المصريين، ووصف العملية بالمسرحية الهزلية.
في سوريا بدأ الأسد وعصابته بنفس الطريقة ومنذ الأيام الأولى للثورة التي انطلقت من درعا، حيت سارعت السلطة باتهام جماعات مندسين بتدبير المظاهرات، ثم أصبحوا جماعات إرهابية تقتل المواطنين، ثم سارع هؤلاء المواطنون فطلبوا من الدولة حمايتهم ففعلت!! وبنفس أساليب الحكام الظلمة تم إسكات كل الأصوات المعارضة، إما بالسجن وإما بالقتل. الشيء الجديد الذي جاء به بشار وزمرته أنهم تعاونوا مع جماعات إرهابية لكي تتولى قتل البعض والإساءة للبعض الآخر باسم الإسلام، وهذا الاتفاق أتاح لهم ادعاء أنهم يقاتلون الإرهاب وأن على العالم الوقوف إلى جانبهم في محاربته وكذلك توقف الدول التي تساعده لأنها تساعد الإرهاب!! وتناسى هؤلاء عشرات الآلاف الذين قتلوهم والملايين الذين شردوهم في مشارق الأرض ومغاربها.
نفس التمثيليات تكررت في العراق وبكثرة، كما رأيناها في اليمن قبل الثورة وفي الجزائر على فترات متفرقة - وقد شاهدت لقاء أجرته قناة الجزيرة مع أحد رجال الأمن الجزائريين تحدث فيه عن الفظاعات التي كان يقوم بها هو ومجموعة معه ثم يتم اتهام المجموعات الإسلامية المعارضة بها لتتم تصفيتهم فيما بعد بصفتهم إرهابيين وأعداء للشعب الجزائري!!
الشعوب العربية تعاني من أنواع متعددة من الظلم والمقال الواحد لا يستطيع استيعابها، ولكن الذي أود أن يفهمه هذا النوع من الحكام أن الشعوب العربية ما عادت تنطلي عليها تلك الأكاذيب، بل إنها تزيدها كراهية لحكامها الظلمة، كما تزيدها حماسهم للمطالبة بحقوقها مهما ازدادت التضحيات ومهما طال الوقت.
إن وقوف الإعلام الرسمي إلى جانب الحكام قد يجد ما يبرره، لأنه يفعل ذلك مرغما ولكن الذي يستحيل تبريره وقوف من يسمون أنفسهم ليبراليين أو علمانيين أو إسلاميين إلى جانب من يودع المطالبين بحقوقهم في السجون أو يقتلهم، مخالفين بذلك أبسط القواعد الأخلاقية التي يتحدثون عنها، وقد أثبتت الأحداث الأخيرة براءتهم منها!! هل يمكن أن نتخيل أن مفتيا يكفر المتظاهرين ويطالب بقتلهم ويرميهم بالكفر!! وهل يمكننا تخيل أن أحد رموز الليبراليين ودعاة الحرية يطالب باستخدام المدارس والمساجد سجونا عندما تضيق السجون؟!! وهل نتصور أن علمانيين وليبراليين يكتبون عشرات المقالات تحرض ضد طائفة أخرى في بلدهم لأنها تخالف مذهبهم؟!! كل ذلك ومثله رأيناه لنكتشف كثيرا من الزيف والأكاذيب عند هؤلاء القوم الذين جعلوا مصالحهم الخاصة أهم بكثير من مصلحة وطنهم ومواطنيهم، بل وحكامهم أيضا!!
التاريخ يؤكد لنا أن الظلم لا يمكن أن يدوم، كما يؤكد أن العدالة وحدها هي التي تجعل الحاكم محبوبا وقريبا عند مواطنيه، أما ما يفعله بعض الحكام فهو طريقهم الأسرع للزوال.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8991
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4899
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4278
| 23 سبتمبر 2026