رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قيادة السلطة الفلسطينية صرحت عبر أكثر من مسؤول وأكثر من مرة بأنها لا تمانع من تمديد المفاوضات التي تُجريها مع الجانب "الإسرائيلي" لفترة إضافية بعد نهاية المهلة التي يفترض أن تنتهي في 29 أبريل القادم.. آخر ذلك ما صرح به كبير مفاوضيها - عريقات – الذي اقترح تمديدها سنة – 12 – شهرا في حال التوصل إلى إطار اتفاق.. منوها أنهم لم يحققوا حتى الآن - بعد خمسة أشهر من انطلاقها - أي نتائج إيجابية في الملفات المهمة.. وأقول:
رغم التحفظ المبدئي على منهجية وسلوك المفاوضات ونتائجها وشخوصها.. فإن لنا أن نتساءل: إذا لم تكن الخمسة أشهر الماضية كلها بأكثر من 20 اجتماعا تفاوضيا علنيا فيها كافية للاتجاه إلى الملفات المهمة – مجرد الاتجاه لها – فما الذي يغري القوم بالتمديد؟ وهل من المرجح أن تكون المدة أو المدد المضافة مختلفة عن الخمسة أشهر الماضية أو الأربعة القادمة أو حتى عن العشرين سنة التي ضاعت في الفشل والتوهان الماثل والمعلن؟
لقد صار واضحا أن العدو الصهيوني لن يقدم شعرة من ذقنه للفلسطينيين بهذه المفاوضات، وصار مؤكداً أنه إنما يستخدمها لتخدير الرأي العام الفلسطيني والعربي ثم الدولي المستعد أصلا لتقبل هذا التخدير وللتذرع به للتخلي عن المسؤولية وللسقوط والتفريط، فيما الاحتلال يمارس كل معاني الاحتلال الاستيطاني التهويدي الكولونيالي، ويجسد على أرض الواقع كل ما من شأنه حرق ما قد يتوهم الفلسطينيون أنهم استفادوه أو حصلوه منها.
الحقيقة أن لدى السلطة (أو المنظمة) خيارات وليس خيارا وحيدا سوى المفاوضات.. ولكن هل هي مستعدة لقيادة القضية على أساس التضحية والمواجهة والتفريط في المميزات الشخصية للانخراط في التسوية؟
لديها خيار المقاومة المسلحة الذي لا يجوز أن يسقط كفكرة وكفعل تحت أي ظرف بالأخص مع عدو كالصهاينة لا يعطي إلا تحت الضغط بالقوة.. المقاومة المسلحة هي الكفيلة بإعادة الأمور لجوهرها ولطبيعتها، والظن أن الذين تنكبوا طريقها طمعا في حل سهل ما كانوا ليفعلوا ذلك لو كانوا يعلمون ما تخبئه التسوية لهم من الفشل والتوهان.. هذا الخيار ليس بعيدا عن الواقعية.. ولدى الشعب الفلسطيني الدليل والنموذج من حماس رغم كل المعيقات وفارق القوة والحصار والمؤامرات والفبركات الإعلامية والاستهدافات الأمنية.. بل والدليل والنموذج من منظمة فتح ذاتها التي أجبرت العدو على مفاوضتها وتقبل نديتها له بالمقاومة المسلحة وبالصمود المادي.. هنا لا بد من إدراك أن اتجاه السلطة للمقاومة بما فيها المسلحة سوف تتوفر له من شروط التوافق والدعم الشعبي وسيكون مبررا من الناحية القانونية والسياسية والتاريخية أكثر مما يتوفر لحماس اليوم لاعتبارات كثيرة أهمها أن المنظمة هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وأنها أعطت المساعي السلمية أكثر مما تستحقه من الفرصة، وأنها منظمة علمانية لا تثير مخاوف مذهبية أو دينية أو تطرفية، إضافة لكل ما استقر في وجدان العالم من قناعة بأن العدو الصهيوني هو الذي أفشل مسار السلمية.
فإن لم ترغب السلطة في هذا الخيار الأعلى من المقاومة والمواجهة المفتوحة – رغم إمكانيته وجدواه - وإذا أخذنا أصرت على أنها مكبلة بالالتزامات والاتفاقات وأنها لا تستطيع إلا الاستمرار في مسار المفاوضات.. فإنها تستطيع أقل من ذلك أن تشاغل العدو وأن تناور بين المقاومة الشعبية وأن تغض النظر عن المسلحة.. ولا يمكن هنا أيضا اتهام هذا الطرح بعدم الواقعية.. فقد فعله عرفات ونجح فيه لأكثر من خمس سنوات ما بين انطلاق الانتفاضة عام 2000 وبين إنهائها باغتياله في أواخر 2004 فإن قيل سوف تفعل (إسرائيل) بهم ذات ما فعلته بعرفات من الحصار والاغتيال.. فالجواب أن قيادة الشعب الفلسطيني وأي قيادة تواجه احتلالا أجنبيا كالاحتلال الصهيوني لا يجوز أن يكون معيار تحركها هو السلامة الشخصية على حساب المشروع الوطني التحرري، ثم إن ما استطاعه العدو ضد عرفات واستغل فيه عامل المفاجأة والخدعة ليس بالضرورة أن يستطيعه مرة أخرى مع غير عرفات، ومن يقول إن على القيادة أن تنتظر حدوث ذلك أو شبيهه دون إجراءات وقائية واستباقية متسلسلة..
فإن ادعوا أنهم أعجز من أي مواجهة مع الاحتلال، وأن لديهم مئات آلاف الموظفين ورجال الأمن والشرطة والجيش الذين سيصيرون في مهب الريح مع أي تصعيد ضد الاحتلال، وأن السلطة مكسب وطني وتاريخي.. إلى آخر هذه الأسطوانة المشروخة من الذرائع.. وأصروا على البقاء داخل اعتبارات السلمية وأن لا يزيدوا على ذلك.. فلنا أن نذكرهم – على الأقل - بعلاقاتهم مع المجتمع الدولي؟ وبمكسب اعتراف الأمم المتحدة بدولتهم التي طالما طبلوا وزمروا لها؟ ولماذا توقفت مساعيهم لتوصيل هذه الدولة بالمنظمات الدولية بعد نجاحهم في التوصل لليونيسكو؟ ثم أين مكسب اعتراف العالم بأنهم الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني الذي يفاخرون به بمناسبة وبدون مناسبة؟
آخر القول: لا أظن أن ضمير القيادة الفلسطينية يثق بجدية أو جدوى المفاوضات لتحقيق المشروع الوطني الفلسطيني والتحرير والسيادة والاستقلال، والظن أنهم يرفضون الخيارات الأخرى ليس لعدم توفرها ولا لأنهم لا يؤمنون بجدواها؛ ولكن لأنهم رضوا بأن يكونوا مع الخوالف، ولأنهم غرقوا في الحد الأدنى من الأداء اليومي الخدمي تحت الاحتلال، ولأنهم استبدلوا الثوابت الجوهرية بالمال السياسي وبمصالحهم الشخصية التي عرف العدو بالضبط كيف يقدمها أو يؤخرها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3423
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3165
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1218
| 01 أكتوبر 2026