رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد الموارد البشرية وإدارتها أحد عوامل الإنتاج فحسب بل أصبحت تحتسب كاستثمارات حاضرة ومستقبلية مثل حاجة المؤسسات المالية والاقتصادية لرأسمالها تماما.. لذلك أصبح هناك اهتمام متزايد للإدارة المعاصرة بالموارد البشرية فالاستثمار في تنمية الموارد البشرية أمر ضروري لما للموارد البشرية من أهمية قصوى، فهي الثروة الحقيقية والرئيسة للدول فأحسنت التخطيط السليم والإستراتيجي لها ونفذت برامج التدريب والتطوير لتنمية هذه الثروة..
ولقد أصبح واضحا بكل المعاييرأن أي مؤسسة (عامة – خاصة) وهي بسبيل تحقيق الأهداف لكل أنشطتها وخدماتها أن توفر مجموعة من الموارد تساعدها على تحقيق هذه الأهداف ومن هذه الموارد بصفة أساسية هي الموارد البشرية والمالية والمادية والتكنولوجية التي يجب توفرها بما يتناسب ونشاط المؤسسة ووفقا لمبادئ ومعايير تطبيقات الجودة الشاملة التي هي أحد المفاهيم الإدارية الحديثة الموجهة وهي أيضا تمزج بين الوسائل الإدارية والأعمال الابتكارية من جهة، وبين المهارات الفنية ذات التخصص الدقيق وذلك من أجل إسناء مستويات الإدارة وحظيت إدارة الجودة الشاملة بالاهتمام (محليا - عالميا ).
وأوصت معظم الدراسات الإدارية والأبحاث الحديثة لتطبيقات إدارة الجودة الشاملة ومعاييرها لأنه ينعكس بشكل إيجابي على أداء أي مؤسسة تطبق مبادئها ومعاييرها لذلك فانخفاض التكاليف وتحسن الأداء وتحسين العلاقة بين العاملين وارتفاع مستوى الرضا الوظيفي بينهم وهو من أهم أهداف المؤسسات المالية والاقتصادية فمن مهمات إدارة الجودة الشاملة خصوصا في أداء الأعمال ترفع الكفاية الأعمال في أداء في أي مؤسسة أو منظمة أو إدارة حكومية.. ومن هنا لا بد لهذه المؤسسات أن تواجه الصعوبات والتحديات التي تقف عائقا أمام التطوير والتحسين ويكون ذلك بتطبيق مفهوم إدارة الجودة وتميز هذه المؤسسة عن غيرها من المؤسسات المشابة لها وذلك بوساطة تحقيق زيادة الإنتاج وتخفيض الكلفة في الأداء وتحسين مستوى الجودة للخدمة المقدمة في ضوء ذلك كان ذا أثر بليغ في مؤسسات المال والأعمال والاقتصاد والإدارة بسبب بسيط وهو ارتباط هذه المؤسسات وجودتها مع المجتمع ونموه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتكنولوجي والتعليمي وهوما سيشمله التقرير من المحاورالتالية:
أولا: المفهوم الحديث لإدارة الموارد البشرية (HRM)
يتلخص المنطق الأساسي لإدارة الموارد البشرية الجديدة في ضرورة احترام الإنسان واستثمار قدراته وطاقاته بتوظيفها في مجالات العمل الأنسب له واعتباره شريكا في العمل، وليس مجرد أجير.. وفي ذلك فإن مفاهيم إدارة الموارد البشرية الجديدة تختلف جذريا عن مفاهيم إدارة الأفراد أو إدارة الموارد البشرية التقليدية فإدارة الموارد البشرية تمثل المحور الأساس في تنظيم العلاقة بين المنظمة والعاملين وترمي إلى تحقيق أهدافها وأهدافه ويتم ذلك من خلال مجموعة أنشطة وبرامج خاصة بالحصول على الموارد البشرية وتنميتها وتوظيفها وتقويم أدائها وصيانتها والاحتفاظ بها بشكل فعال وهي من هذا المنطلق تعد إدارة إستراتيجية هامة لا يمكن الاستغناء عنها..
ثانيا: مخاطرعدم الإدارة والتنظيم في قطاع الموارد البشرية (RM)
تطورت وظيفة إدارة الموارد البشرية، فبعد أن كان دورها التقليدي مقصورا على القيام باستقطاب اليد العاملة والتعيين وصرف الأجور ومنح الإجازات أخذ دورها يتسع ليصبح أكثر شمولا وتخصصًا وأصبح لإدارة الموارد البشرية دور إستراتيجي يتطلب توافر كفاءات متخصصة وإستراتيجية إلى جانب المهام التنفيذية لأن ذلك يؤدي للحد من المخاطرمنها:
* المخاطر نتيجة لعدم القدرة على دراسة واختيار العمليات الاستثمارية الملائمة
* المخاطر نتيجة عدم الاستخدام الأمثل لموظفي المؤسسة ورفاهيتهم.
* المخاطر نتيجة لعدم قدرة الموارد على متابعة أداء وتقييم العمليات الاستثمارية والخدمات
* المخاطر نتيجة لعدم القدرة على ابتكار حلول للمشكلات في التطبيق العملي.
ثالثا: المقصود بتنمية قطاع الموارد البشرية (HRD)
تمثل كل أنشطة إدارة الموارد البشرية المصممة لتنمية المهارات والاتجاهات المثلي للمواقف العملية والفنية ذات المتطلبات الخاصة بالعاملين بالمؤسسة والتي تكوِّن جزءاً من المفهوم الشامل لإدارة الموارد البشرية وهي تضع أهمية على أنشطة التدريب كما تغطى جوانب أخرى مثل التدرج الوظيفي ودوران العمل والإحلال والترقي وهكذا.
رابعا: قطاع التدريب والتطوير(D&TM)
تشمل كلا من إنجاز أهداف التدريب المرغوبة للمؤسسة داخل مجموعة التدريب والتطوير بصفة خاصة والمؤسسة بصفة عامة وفي بيئة تساعد على إحداث هذا الإنجاز، وبأخذ هذه المفاهيم في الاعتبار يمكن القول إن هدف الإدارة العامة للمؤسسة هو التحقق من المعلومة التي ستمكنِّ من اتخاذ القرارات على المدى ( قصير- متوسط - طويل) لتحقيق أقصى تنمية ممكنة للمؤسسة ويجب أن تكون هذه العناصر الثلاثة متناسقة تماماً لضمان تطبيقات الجودة الشاملة لكل من الإستراتيجات والأهداف وفقا لسياسة المؤسسة الموضوعة بالميزانية العامة وتغطي الإدارة الاقسام الآتية ( الإدارة الماليـة- الإدارة الفنيـة - إدارة الموارد البشرية)...
خامسا: أهداف إدارة الموارد البشرية (HRMO)
تشتمل إدارة الموارد البشرية على جميع الأنشطة المطلوبة لتزويد المؤسسة بالكادر الوظيفي ذي الكفاءة والقدرة العالية على أداء المهمات والأعمال الموكلة لهم بعد تزويدهم بالمعلومات والمهارات المطلوبة عن طريق ( قطاع التدريب والتطوير) في الوقت المناسب والمكان المناسب.. ويوجد نوعان من الأهداف مثل:
(المشاركة) تتمثل في استقطاب واختيار الموارد البشرية القادرة على تحقيق أهداف المؤسسة وكذلك التعريف بها وأنشطتها بشكل سليم بحيث يرغب طالبو العمل في الانضمام إلى طاقم عملها مع الاحتفاظ بالأفراد الناجحين في عمليات الاختيار واستقرار القوي العاملة في المؤسسة..
(الفعالية) تمثل دفع القوى العاملة لتنجز ما يطلب منها بنجاح ومثابرة وهي مرتبطة بعدة عوامل منها كتحفيز الأفراد تطوير قدراتهم ومهاراتهم مدهم بمهارات جديدة والمواد الكفيلة لتحقيق ذلك، وكذلك مساعدتهم على التوصل إلى الأداء المرغوب فيه.
سادسا: مسؤوليات قطاع الموارد البشرية في المؤسسة
تشكَّل كل الأقسام نظام فرعياً ومركباً لقطاع الموارد البشرية له عناصره الداخلية بأهدافها وأنشطتها النوعية الخاصة التي يجب أن تكون متناسقة وفق معايير الجودة الشاملة بالتطبيق ومنها:
* تحليل العمل المرتبط بعملية تهدف إلى تجميع المعلومات عن خصائصها الوظيفية والتي تميزها عن غيرها من الوظائف، أي تحديد الأنشطة المكونة للمهام، المكونة للوظيفة ووضع ذلك في توصيف متكامل وتحديد لمواصفات شاغل الوظيفة.
* تخطيط الموارد البشرية لتحديد أعداد ونوعيات الموارد البشرية المطلوبة خلال فترة الخطة.
* الاختيار والتعيين تشمل المراحل أو العمليات المختلفة للبحث عن المرشحين الملائمين للوظائف.
* تصميم نظام هيكل الأجور والرواتب وتحديد الأهمية النسبية لكل وظيفة ودرجات ترقيات نظامية.
* الحوافز والمكافآت هي الوسائل المختلفة التي تستخدمها الإدارة لحث الموارد البشرية وتشجيعهم على زيادة الإنتاج بشكل أو بآخر والوصول بمعدلاته وأرقامه إلى ما هو مخطط له مما يدفع بعجلة الإنتاج إلى الأمام وتحقيق أهداف المؤسسة المالية والاقتصادية.
* تقييم الأداء الوظيفي مثل نظام يتم من خلاله تحديد مدى كفاءة أداء العاملين لأعمالهم.
* قطاع التدريب والتطويرز.. هي تلك العملية المستمرة والتي تهدف إلى رفع كفاءة ومعارف ومهارات العاملين وتوجيه اتجاهاتهم نحو أنشطة المؤسسة.
* تخطيط وتنمية المسار الوظيفي كتحقيق التوافق والتطابق بين إدارات المؤسسة وبين الوظائف من خلال وظائف إدارة الموارد البشرية، أي هي العملية التي تؤديها إدارة الموارد البشرية لتمكين المؤسسة من الحصول على الأفراد المناسبين واستمرارهم ومساعدتهم على التقدم المهني بالمستوى المطلوب من الإنتاجية والرضا.
سابعا: تطبيقات الجودة الشاملة في إدارة وتنظيم قطاع الموارد البشرية
تنمية الموارد البشرية لها مكانة واسعة من الاهتمام بوصفها من أعلى درجات الاستثمار على مستوى عالمي ومحلي خصوصا العناية بتنمية الموارد البشرية والتدريب المستمر دوريا، فأحدث الأبحاث في مجال تنمية الموارد البشرية لإحدي الجامعات البريطانية في عام 2015 م أوصت بأن ارتباط مستوى كفاءة وفعالية عناصر الموارد البشرية يمكن لنظم إدارة الجودة الشاملة وتطبيقاتها في المؤسسات المالية والاقتصادية أن يؤثر على تنميتهم من خلال تأثيره على مجموعة من الأبعاد منها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية فاهتمت الدول بالتنمية الاقتصادية عبر تحقيق التقدم لها وتوفير الموارد البشرية المؤهلة والمدربة تعليميا في ضوء مبادئ الجودة الشاملة وبجودة عالية والتدريب المستمر سيحافظ على الدقة في العمل ويزيد من فرص التعليم الجيد ويحافظ على الوقت واستثمار الزمن.
ثامنا: الإستراتيجيات المعاصرة لإدارة الموارد البشرية
تتجه المؤسسات العالمية الحديثة إلى إعداد إستراتيجية عامة للموارد البشرية تتضمن الغايات والأهداف والسياسات والتوجهات الرئيسية التي تعتمدها الإدارة في مجالات الموارد البشرية ثم يكون للمؤسسة مجموعة متكاملة من الإستراتيجيات الفرعية تنبع جميعها من الإستراتيجية العامة للموارد البشرية وإن كانت كل منها تختص بأحد المجالات المتخصصة ذات الأهمية الخاصة بها وبذلك تكون وفق الإستراتيجيات التالية:
* استقطاب وتكوين أقسام الموارد البشرية
* إدارة الأداء وأفراد قطاع الموارد البشرية
* تدريب وتطوير وتنمية أفراد قطاع الموارد البشرية
* إستراتيجية تعويض ومكافأة وحوافز أفراد قطاع الموارد البشرية
هل نقيس ساعات التدريب.. أم قيمة التغيير؟
قد تنجح مؤسسة في تنفيذ خطتها التدريبية بنسبة مائة في المائة، وتحقق العدد المستهدف من البرامج والمتدربين والساعات،... اقرأ المزيد
33
| 10 أغسطس 2026
مقومات نجاح التوطين في القطاع الخاص
لا يختلف اثنان على أن القطاع الخاص أحد أهم ركائز الاقتصاد، فهو المحرّك الرئيس للنمو، والشريك الأساسي في... اقرأ المزيد
132
| 10 أغسطس 2026
قطر وسلطنة عُمان.. علاقات أخوية راسخة
تعكس الزيارات المتبادلة على أعلى المستويات بين دولة قطر وسلطنة عمان، حرص القيادة الحكيمة في كلا البلدين، على... اقرأ المزيد
42
| 10 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
8391
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4845
| 05 أغسطس 2026
منذ أن رفع الإنسان عينيه نحو السماء، لم يتوقف عن سؤال محوري يتكرر بصور مختلفة: أين نقف؟ وعلى أي أرض نسير؟ قد يبدو السؤال بسيطاً في ظاهره، لكنه في الحقيقة من أكثر الأسئلة التي حيّرت الفلاسفة، وأربكت العلماء، وأشعلت الجدل بين الحضارات. والأعجب من ذلك أن هذا الاستفهام ما زال حتى اليوم يثير انقساماً فكرياً واسعاً، رغم كل ما بلغته البشرية من تقدم هائل في علوم الفضاء والاستشعار عن بُعد. فهل الأرض كرة كاملة؟ أم أنها مفلطحة عند القطبين وأقرب إلى الشكل البيضاوي؟ أم أن هناك من يرى أنها ليست كذلك أصلًا، وإنما هي سطح واسع لم نفهم تمام كنهه بعد؟ إن المتأمل المنصف لا يستهين بأي سؤال، ولا يقدس رأياً لمجرد شيوعه؛ فتاريخ العلم كله قائم على مراجعة المسلّمات. لقد كان الناس يعتقدون أن الشمس تدور حول الأرض ثم تبدلت الصورة، وظنوا أن الذرة أصغر جزء في الكون حتى انقسمت إلى عالم أعجب، وكانوا يرون الزمن ثابتاً حتى جاء أينشتاين ليجعله قابلاً للتمدد والانكماش. وهذا يدلك على أن العلم ليس كتاباً أُغلق، بل رحلة استكشاف لا تنتهي. النموذج العلمي السائد تتبنى المؤسسات العلمية في العالم أن الأرض ليست كرة تامة، بل جسم مفلطح قليلًا عند القطبين ومنتفخ عند خط الاستواء، وهو ما يُعرف في الفيزياء بـ "القطع الناقص الدوراني" ويستند هذا النموذج إلى صور الأقمار الصناعية، وحسابات الجاذبية، وملاحة الطائرات والسفن، والقياسات الدقيقة مما جعله الأكثر قبولاً في المجتمع العلمي. لماذا يستمر الجدل؟ في المقابل، ترى فئة أخرى أن كثيراً مما يُقدَّم للناس يعتمد على الثقة بالمؤسسات أكثر من اعتماده على التجربة الشخصية المباشرة. ويطرح أصحاب هذا الاتجاه أسئلة من قبيل: كيف يشعر الإنسان بوجود دوران الأرض؟ ولماذا يبدو الأفق مستقيماً؟ وهل تعكس جميع الصور الفضائية الواقع كما هو؟ قد يختلف الباحث مع هذه التساؤلات أو يوافقها، لكنها تبقى جزءاً من حركة الفكر الإنساني التي لا يجوز مصادرتها بالسخرية؛ فالعلم الحقيقي لا يخاف من السؤال. المقاربة القرآنية ومن اللافت أن القرآن الكريم لم يجعل الشكل الهندسي للأرض قضية إيمانية، ولم يربط الهداية بأبعادها؛ بل وجَّه الإنسان إلى ما هو أعظم وأشمل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. دعا القرآن إلى التفكر في التكوين، ولم يفرض نموذجاً هندسياً محدداً. ولهذا نجد ألفاظاً مثل "مدّ الأرض"، "دحاها"، و"سطحت"، وهي تعابير تناولها المفسرون بطرائق متعددة دون أن يجعلوا منها سبباً للتنازع أو الخلاف. عالم الأراضين السبع… أبعاد تتجاوز الإدراك ومما يزيد الأمر ذهولاً وتأملاً، أن النص القرآني لم يقف عند حدود هذه الأرض التي نعيش عليها ونقيس أبعادها، بل أشار إلى أبعاد وعوالم أخرى بوضوح في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. إن هذا التماثل بين السماوات والأراضين يفتح الباب أمام أسئلة أكثر عمقاً وأشد إبصاراً: هل أرضنا هذه مجرد طبقة واحدة من منظومة أعظم؟ وهل الأراضين الأُخرى طبقات جيولوجية داخلية، أم أبعاد كونية موازية لا نراها بأعيننا ولا تدركها مراصدنا؟ لقد أشار المفسرون الأوائل - كابن عباس رضي الله عنهما - إلى أن في كل أرض خلقاً وعوالم لا نعرف حقيقتها. واليوم، تقترب الفيزياء النظرية الحديثة من هذا المفهوم حين تتحدث عن "الأبعاد المتعددة" و"الأكوان الموازية"، مما يثبت أن محاولة حصر "الأرض" في شكل هندسي مجرد (كرة أو سطح) قد يكون تبسيطاً قاصراً لواقع كوني معقد جداً لم نكتشف منه إلا القشور. هل الحقيقة أكبر مما نتصور؟ يخبرنا التاريخ أن الإنسان كثيراً ما ظن أنه وصل إلى نهاية المعرفة، ثم اكتشف أنه كان في بدايتها فقط. فلعل أجيال القرن القادم سيبتسمون لبعض نقاشاتنا اليوم كما نبتسم نحن لنظريات القرون الوسطى، وربما يكتشف العلم مستقبلاً أن توصيف الأرض أعقد بكثير من مجرد حصرها في كلمات مثل "كرة" أو "بيضة" أو "سطح"؛ فالطبيعة لا تُختصر في المصطلحات. إن المشكلة الحقيقية ليست في شكل الأرض، بل في شكل العقول؛ فهناك من يحوّل الرأي العلمي إلى عقيدة جامدة لا تُناقش، وهناك من يتخذ النظرية غير المثبتة يقيناً مطلقاً، وكلا الطرفين يبتعد عن روح البحث العلمي السليم. فالقيمة الكبرى ليست في الوصول إلى الشكل النهائي، بل في بقاء العقل حراً يجمع بين الإيمان، والتواضع، والبرهان.
966
| 06 أغسطس 2026