رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تصريح الرئيس الأمريكي بأن مصر ليست حليفا للولايات المتحدة، وعدم ترتيبه للقاء الرئيس محمد مرسي عندما يحل ضيفا على الولايات المتحدة لإلقاء كلمة بلاده بالجمعية العامة للأمم المتحدة يمثل استمرارا لطقوس انتخابية انتهازية بدأت قبل عدة سنوات. ففي مواسم الانتخابات الرئاسية اعتاد المرشحون الأمريكيون التنافس في مهاجمة الجانب المصري والتودد إلى اللوبي الإسرائيلي. وكانت الانتقادات التي توجه إلى الجانب المصري عادة ما تدور حول تراجع سجله في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان. ولكن الغريب هذه المرة أن النقد الأمريكي ليس بسبب التراجع في مجال الديمقراطية كما كان الحال في الماضي، ولكن لأن الانتخابات الديمقراطية قد أتت بمن لا تحبهم إسرائيل ولا تود التعامل معهم من الإسلاميين. والأغرب أن يساير الرئيس الأمريكي هذه الطقوس وينزلق إلى مجموعة من المواقف والتصريحات غير الحصيفة التي يمكن أن تسهم في إضعاف موقفه الانتخابي وإرباك موقف إدارته في الشرق الأوسط.
فالرئيس الأمريكي الذي نفى أن تكون مصر حليفا لبلاده لا يبدو أنه يدرك أن النظام المصري لم يكتسب صفة الحليف بشكل رسمي ولكن بوصفه أحد "الأنظمة المعتدلة" التي تعتمد عليها واشنطن بشكل أساسي وذلك لكونها (1) تقبل بمبدأ السلام مع إسرائيل، (2) تقبل بضخ مواردها (النفطية أساسا) إلى الغرب وفق أسعار معقولة، (3) تسمح للولايات المتحدة باستخدام ممراتها المائية وغلافها الجوي، (4) تمتنع عن دعم الأنظمة الراديكالية أو الأفكار القومية أو الدينية المتشددة. وقد شملت هذه الأنظمة في منطقة الشرق الأوسط كلا من إيران الشاه، والأردن، وأنظمة الخليج العربي، فضلاً عن مصر بعد توقيعها معاهدة السلام مع إسرائيل.
بهذا المعنى تكون مصر قد احتفظت بصفة الحليف الأمريكي في المنطقة لأكثر من ثلاثة عقود، وعليه لا يمكن حمل التصريح الأمريكي الأخير إلا على أساس أن الإدارة الأمريكية لم تعد تعتبر النظام الجديد في مصر معتدلا بالدرجة الكافية، وأنها من ثَمَّ لن تعتمد عليه في المستقبل، كما كانت تفعل في الماضي، لحماية مصالحها في المنطقة. وذلك لكون هذا النظام يطالب بإعادة النظر في اتفاقيات كامب ديفيد، وإعادة النظر في أسعار تصدير الغاز إلى الكيان الصهيوني، ويرفض التبعية الاقتصادية أو السياسية للغرب، ويدين سياسات الاحتلال والاستيطان، ويطالب أمريكا باحترام تعهداتها بمنح الفلسطينيين حكما ذاتيا. وهذا ليس هو الدور الذي تنتظره الإدارة الأمريكية من حلفائها "المعتدلين".
المشكلة الأساسية أن النظام المصري الذي يمارس كل هذه الخروقات— من وجهة النظر الأمريكية، قد وصل إلى الحكم عبر عملية ديمقراطية سليمة. وعليه لا تمتلك الإدارة الأمريكية مبررات كافية لمعاداته. ولولا أحداث السفارة الأمريكية بالقاهرة، وما كان من اقتحام المتظاهرين الغاضبين لها لما توافر لواشنطن الغطاء اللازم لتبني موقفها المتشدد إزاءه من دون أن تبدو أنها ضد التحول الديمقراطي الذي جاء به على رأس السلطة.
ولكن هل ستؤدي هذه الأجواء بإدارة أوباما إلى الاستمرار في سياستها المتحفظة إزاء النظام المصري حال فوزها بفترة ثانية؟ الأرجح أن إدارة أوباما تمارس لعبة انتخابية ستنقضي بانقضاء موسم الانتخابات. فمن المفهوم لدى الأمريكان أن تجربة فقدان حليف إقليمي لا ينبغي أن تتكرر، فقد فقدت أمريكا حليفتها إيران بعد قيام الثورة وسبب لها هذا العديد من المشاكل، والآن هي غير مستعدة لإعادة الكرة مع مصر أيا ما تكن التغيرات التي تمر بها. ولعل هذا ما يفسر الرسائل المختلطة التي صدرت عن البيت الأبيض في الفترة الأخيرة، فهو يدين اقتحام السفارة، وإنزال العلم الأمريكي، ويصف النظام المصري بأنه ليس حليفا ولكنه في الوقت ذاته يبعث إليه برسالة شكر عن جهوده اللاحقة في تأمين السفارة، ويصف العلاقة بين البلدين بالشراكة الإستراتيجية.
بنفس هذا التحليل يمكن أن نفهم قرار الإدارة الأمريكية الامتناع عن مقابلة الرئيس المصري في زيارته الأولى إلى الولايات المتحدة، فهو قرار تكتيكي يهدف فقط إلى مغازلة الصوت اليهودي. فالرئيس المتطلع إلى ولاية ثانية، يهمه ألا يغضب اللوبي الإسرائيلي، وحلفاؤهم من المحافظين اليمينيين ممن يلتقطون أي تقارب مع الرئيس المصري لشن حملة عداء ضده وإظهاره على أنه يغض الطرف عن المخاطر التي تتعرض لها إسرائيل بعد وصول رئيس ذي مرجعية أيدلوجية معادية إلى السلطة على حدودها.
غير أن هذه السياسة الملتوية قد تتمخض عن العديد من النتائج السلبية بالنسبة للرئيس الأمريكي قبل غيره، فمن ناحية فإن أوباما الذي امتنع عن لقاء الرئيس المصري حتى لا يبدو أقل تشددا من منافسه الجمهوري، قد لا ينجح رغم ذلك في استمالة الناخبين العقائديين. وإلا فلماذا يختار الناخب الأيدولوجي أوباما الذي يتظاهر بالتشدد إزاء الرئيس المصري، في الوقت الذي يوفر له فيه ميت رومني نسخة أصلية من التشدد، تؤمن بالهيمنة المباشرة ولا ترضى من حلفائها بأقل من أن يكونوا وكلاء إقليميين.
ومن ناحية أخرى فإن عنصر الرياء في السياسة الأمريكية، والمجاملة المفضوحة للوبي الإسرائيلي على حساب أحد أهم رموز الربيع العربي هي من الأمور التي ستزيد من رصيد الكراهية لدى الشعوب العربية للمواقف والسياسات الأمريكية، وهو ما اختبرته أمريكا بوضوح في أعقاب أزمة الفيلم المسيء. الأمر الذي يوحي أن السياسة الأمريكية لا تتعلم من أخطاء الماضي، وأنها مازالت مفتقدة للبوصلة اللازمة للتعامل مع الشارع العربي.
وأخيرا فإن مواقف الرئيس الأمريكي المزدوجة يمكن أن تصب في مصلحة الرئيس المصري — المستهدف بكل هذه القرارات السلبية، فهذه القرارات تؤكد الصورة التي يحرص الأخير على تأكيدها لنفسه كزعيم مستقل عن القرار الأمريكي، ومن ثم فإن تخلف أوباما عن لقائه، وإصراره رغم ذلك على الذهاب إلى الولايات المتحدة لحضور اجتماعات الجمعية العامة يرفع من أسهم الرئيس المصري وينفي عنه الصورة التقليدية للرئيس التابع الذي يذهب إلى البيت الأبيض فقط لتقديم فروض الطاعة للإدارة الأمريكية كما كان يحدث في السابق.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
16161
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3909
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3159
| 30 أكتوبر 2026