رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل نسينا القضية الفلسطينية في ظل اشتعال ثورات الربيع العربي والتي يبدو أن قضايا الداخل المتعلقة بغياب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية تهيمن على توجهاتها؟
ربما يكون ذلك صحيحا بل هو صحيح إلى حد كبير ومع ذلك فإنها - أي القضية الفلسطينية - ما زالت تسكن الوجدان وتقيم في الذاكرة الشعبية وتشكل واحدة من أهم محاور حركة النخب السياسية الرسمية والفكرية. ولعل ما وقع في مصر من أحدات تتصل بالسفارة الصهيونية بالقاهرة في مطلع الشهر الحالي يؤكد - رغم الطابع المحلي لما جرى - أن فلسطين في القلب.
ويجسد هذه الحقيقة سقف الزخم العالي في مساندة التوجه إلى الأمم المتحدة للحصول على العضوية الكاملة للدولة الفلسطينية المستقلة والذي يشهد حاليا صراع إرادات داخل أروقة المنظمة الدولية فجميع العرب أبدوا مساندتهم للخطوة وهو ما شكل عنصر إسناد قويا للقيادة الفلسطينية وهي تتابع خطواتها في نيويورك.
لقد بدا الرئيس محمود عباس – أبو مازن – محملا برصيد ضخم من القوة المعنوية وهو يقدم طلب الحصول على العضوية الكاملة للدولة القادمة إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون " ثم وهو يلقي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة والذي جاء زاخرا بالحقائق بما ينسجم مع متطلبات ومحددات الشرعية الدولية ووفقا لمحددات القانون الدولي
واللافت أن حديث عباس لم يتجاوز في طرحه لجملة الحقائق المتعلقة بالصراع العربي الصهيوني الثوابت الوطنية المعروفة بل إنه لم يقدم ما يمكن اعتباره جديدا فهو أعاد إلى الأذهان مبررات لجوء القيادة الفلسطينية إلى الأمم المتحدة منطلقا من أن المفاوضات مع الكيان كادت تنهار بسبب مواقف حكومة نيتنياهو رغم أن الجانب الفلسطيني دخلها بقلب صادق وجرب خلالها كل الطرق لإنجاحها لكن الكيان ظل يلتف حولها عبر تكريس مشروعه الاستيطاني في الأراضي المحتلة إلى حد التفاخر بذلك وهو الأمر الذي يهدد بتقويض وضرب بنيان السلطة الوطنية وإنهاء وجودها وبالتالي هدم فرص حل تحقيق الدولتين.
واستند أبو مازن في طروحاته إلى مواصلة استمرار الكيان في فرض سياسة الأمر الواقع على الأراضي الفلسطينية والدخول إلى المناطق الخاضعة للسلطة عبر عمليات القتل والاغتيال إضافة إلى تصاعد العمليات الإجرامية للمستوطنين بحماية استثنائية.
ولم تفت أبو مازن الإشارة إلى التأكيد على حل قضية اللاجئين الفلسطينيين وفق القانون الدولي وإن كنت أختلف معه لأنه تركها من دون تحديد وكان من الأفضل أن يقول وفقا للقرار الدولي رقم 194 واستجابة للثوابت الوطنية والمطالبة بالإفراج عن الأسرى الفلسطينيين من سجون الاحتلال والتمسك بالمبادرة العربية للسلام ونبذ العنف ورفض الإرهاب خصوصا إرهاب الدولة وهنا أنقذ نسفه من تهمة وصف المقاومة الفلسطينية بالإرهاب وركزه على ممارسات الكيان الصهيوني التي تجاوزت كل أشكال الاحتلال على مدى التاريخ قسوة وانتهاكا لحقوق الشعب المحتل واغتيال أحلامه.
إذن أبو مازن لم يقل إلا حقائق ولم يتحدث إلا الصدق معبرا عن أشواق شعب للاستقلال والتخلص من سطوة الاحتلال.
أما رئيس وزراء الكيان بنيامين نيتنياهو فلم يعجبه هذا الحديث معتبرا أن ما أقدمت عليه القيادة الفلسطينية خطوة أحادية ملونا خطابه أمام الجمعية العامة بالأكاذيب والافتراءات والسطو على كل ما هو ثابت وطنيا وذلك في حد ذاته يعكس السمات الحقيقية للنخبة الحاكمة لهذا الكيان فقد حاول أن يوهم العالم أنه مد يده للشعب الفلسطيني من أجل السلام وهو ما قوبل للأسف بتصفيق من الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي يتأهب للدخول في معركة الترشح لفترة رئاسة ثانية وغيره من زعماء الغرب الذين يبدون لي في حالة خنوع واستسلام استثنائي للكيان وتوجهاته وهو ما تجلى في موقف الاتحاد الأوربي فضلا عن الولايات المتحدة لأي محاولة للحصول على الاعتراف الدولي والتركيز على المفاوضات الثنائية وهو ما سعى نيتانياهو إلى ترويجه داخل الأمم المتحدة إلى حد التمادي بالقول مهينا ومحذرا بأن السلام لن يمر من خلال القرارات الصادرة –وما أكثرها- عن المنظمة الدولية بل عبر المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين وإسرائيل فهل ثمة تبجح أكثر من ذلك ومع ذلك ينال التصفيق الأمريكي والأوربي
ولاشك ثمة عدد رسائل ملغومة ومسمومة في آن عمل نيتانياهو على تسريبها للمجتمع الدولي عبر الأمم المتحدة ومنها أن الدولة الفلسطينية في غزة، وليست في الضفة، وأن الفلسطينيين يرفضون التفاوض مع إسرائيل ناسيا أو متناسيا أن الفلسطينيين وقعوا اتفاقيات أوسلو قبل عقدين تقريبا واعترفوا بحق إسرائيل في الوجود دون أن يحصلوا منها على شيء، مع أنهم ألغوا ميثاقهم الوطني….!
ومن هذه الرسائل التي وجهها لرعاة السلام من الفلسطينيين والعرب هي تمسك إسرائيل بالضفة التي وصفها ضرورية لكيانه، لأنها امتداد لفضائه الجوي، وذكر أن قرار مجلس الأمن رقم 242 ينص على انسحاب إسرائيل من "أراض" عربية، وليس من الأراضي العربية المحتلة عام 1967. ومنها أيضا أن السلام أولا ثم الدولة الفلسطينية المنزوعة السلاح مقابل دولة يهودية خالصة نووية بطبيعة الحال!! وطالب الفلسطينيين الاعتراف بها معتبرا أن معاقبة الفلسطينيين لمن يبيع أرضا لإسرائيل بالتمييز العنصري، كما سخر من حق العودة، وإزالة المستوطنات من الضفة، وأكد أنه لن يكون هناك سلام من دون الاعتراف بالدولة اليهودية.
إذن هي ثوابت الكيان ولاءاته والتي للأسف يمتلك القدرة على ترجمتها عمليا بفعل التراكم الطويل في الإسناد الأمريكي والأوربي له منذ نشأته في 1948 وفق نظرية النهب والاغتصاب والقتل الممنهج التي ما زال يطبقها باقتدار.
والمرء تصيبه الدهشة عندما يتابع هذه القدرة الصهيونية الاستثنائية على تسويق الأكاذيب والافتراءات بحسبانها حقائق بل ويصدقها في أغلب الأحيان العالم الذي لا يؤمن إلا بقوة الأمر الواقع بينما العرب والمسلمين مغيبون في متاهات الصراعات الداخلية والفلسطينيين أنفسهم قدموا بتمسكهم الهزلي بالانقسام الذي تجاوز المدى وبشكل خاص بين فتح وحماس العون الأكبر لنيتنياهو ليكرس مشروعه الاستيطاني ويواصل نهجه في الاحتلال وتحدي الشرعية الدولية.
على أي حال ما يجري في أروقة الأمم المتحدة هو صراع إرادات تحكمه معادلات القوة على الأرض وهي من حيث الشكل ليست في صالح الجانب الفلسطيني والعربي ومن ثم تبدو المراهنة على التحرك النشط خلال الأيام القليلة القادمة على مستوى الجمعية العامة التي يبدو أن ملف المسألة سينقل لها بعد الفيتو الأمريكي المتوقع والمحسوب في اللحظة الراهنة لصالح إعادة انتخاب أوباما رئيسا لفترة ثانية وظني أن أغلبية دول العالم الحر لن تبخل بالتصويت لحق شعب يطالب بدولة مستقلة ليغير قواعد اللعبة في إدارة الصراع مع الكيان ومع ذلك فإن الأمر يتطلب عدم التهاون مع مطلب تفعيل المقاومة بكل أشكالها وهو ما يستوجب بداية صياغة المشهد الوطني الفلسطيني على أسس مغايرة تقود إلى مصالحة حقيقية راسخة على الأرض مع تقديم الإسناد العربي والعون الإسلامي الحقيقي الذي يقوم على الفعل وليس الكلام والبيانات وهي المعادلة التي ما زالت سائدة في التعامل مع القضية الفلسطينية حتى الآن.
السطر الأخير:
أنسج وجدي من حقول عينيك
فكوني ضوءا يسكن مرايا وجودي
سندسا يحتويني
براءة ترسم تضاريسي وحدودي
أيا شهد القرى. عسجد البلاد
رائحة الزنابق تتوهج
فتزيح عتمة الفؤاد
في انتظار مجيء أمطارك
لترسم غاية المنى
تعيد صياغة كتابة الميلاد
انتفاضة أم هبة في فلسطين..؟
ثمة من يحاول أن يقلل من الحراك الشعبي المدهش في الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة بوصفه مجرد هبة جماهيرية... اقرأ المزيد
395
| 11 يناير 2016
أحوال الأمة في العام 2016
بعد ساعات قليلة، نعانق العام الجديد 2016 وثمة تساؤل يدق الرؤوس: هل سنشهد أحوالا مغايرة لأحوالنا في العام... اقرأ المزيد
449
| 28 ديسمبر 2015
ليبيا .. الخروج من دائرة الوجع
ينطوى الاتفاق السياسي الذي وقع عليه الفرقاء الليبيون بمدينة الصخيرات المغربية يوم الخميس الماضي, على رغبة حقيقية في... اقرأ المزيد
322
| 21 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8706
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2544
| 30 أكتوبر 2026
قد يبدو مستغرباً أن تشتري قطر، وهي من أكبر منتجي الغاز الطبيعي المسال ومصدريه في العالم، الغاز من الولايات المتحدة بعقود تمتد لعقود. فهل تحتاج دولة تمتلك احتياطيات هائلة إلى الغاز المستورد؟ أم أن الصفقة تعكس تحولاً أعمق في طريقة إدارة تجارة الطاقة؟ في تقديري، لا تكمن أهمية هذه الخطوة في الشراء نفسه، بل فيما قد تضيفه إلى قدرة قطر للطاقة على الوصول إلى الأسواق والوفاء بالتزاماتها. ففي صناعة الغاز، لا تكفي وفرة الاحتياطيات وحدها؛ إذ تكتسب مرونة التوريد وإدارة المخاطر أهمية متزايدة إلى جانب الإنتاج. ففي 22 أكتوبر 2026، أعلنت قطر للطاقة توقيع اتفاقيتين طويلتي الأجل مع شركة شينيير إنرجي الأمريكية لشراء ما يصل إلى أربعة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً، بدءاً من عام 2031 وحتى نهاية عام 2054. وتتوزع الكميات بالتساوي بين منشأة سابين باس في ولاية لويزيانا ومنشأة كوربوس كريستي في ولاية تكساس، بواقع مليوني طن سنوياً من كل منهما. غير أن مليون طن من كميات سابين باس مشروط باتخاذ قرار استثماري نهائي بشأن توسعة المنشأة، ولذلك لا ينبغي التعامل مع كامل الكمية المعلنة باعتبارها مضمونة دون تحفظ. ويرتبط سعر الشراء بمؤشر هنري هب الأمريكي، مضافاً إليه رسم ثابت لم تُعلن قيمته. أما التسليم فيتم على ظهر السفينة في الموانئ الأمريكية، وفق نظام (FOB). وهذا يمنح قطر للطاقة دوراً مباشراً في ترتيب نقل الشحنات، وقد يتيح مرونة في توجيهها إلى الأسواق، في حدود ما تسمح به العقود. وتشير طبيعة الاتفاقيتين إلى أن الغاز المشترى ليس بالضرورة موجهاً للاستهلاك المحلي، بل يمكن أن يدخل ضمن محفظة قطر للطاقة التجارية، ويعاد تسويقه إلى عملائها في آسيا وأوروبا وغيرها. وبذلك تجمع الشركة بين إنتاج الغاز من مواردها المحلية وإدارة إمدادات تحصل عليها من منتجين آخرين.وهنا يبرز سؤال اقتصادي مهم: هل يمكن أن يكون شراء الغاز من الخارج أكثر جدوى من الاعتماد على التوسع في الإنتاج المحلي وحده؟قد يبدو الإنتاج المحلي الخيار الطبيعي لدولة تمتلك احتياطيات ضخمة وخبرة واسعة في هذه الصناعة. غير أن المقارنة ليست بهذه البساطة؛ فزيادة الإنتاج تتطلب استثمارات كبيرة في تطوير الحقول ومنشآت التسييل والبنية التحتية، بينما تتيح عقود الشراء الحصول على إمدادات إضافية دون تحمل التكلفة الرأسمالية الكاملة لإنشاء طاقة إنتاجية مماثلة. ولا يعني ذلك أن الشراء أقل تكلفة أو أكثر ربحية بالضرورة، فلكل خيار التزاماته ومخاطره. لكن الجمع بين الإنتاج والشراء قد يمنح الشركة مرونة أكبر في توظيف رأس المال وتوزيع المخاطر والاستفادة من الفرص التجارية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء الاضطرابات التي شهدتها المنطقة، والتي أظهرت أن امتلاك الغاز لا يضمن دائماً القدرة على تصديره. فقد تتأثر منشآت الإنتاج أو التسييل، أو تتعطل الممرات البحرية، بما ينعكس على انتظام الإمدادات. ومن هنا، فإن تنويع مصادر الغاز قد يوفر بدائل إضافية تعزز قدرة الشركة على التعامل مع الظروف غير المتوقعة. ومع ذلك، فإن الاتفاقيتين لا تمثلان حلاً فورياً لأي نقص حالي، لأن الإمدادات لن تبدأ قبل عام 2031. ولهذا تبدو قراءتهما ضمن تخطيط طويل الأمد أكثر اتساقاً مع طبيعتهما ومدتهما، دون الجزم بأن الاضطرابات الأخيرة كانت السبب المباشر وراء توقيعهما. ومن الناحية التجارية، قد تستفيد قطر للطاقة من اختلاف أسعار الغاز بين الأسواق. فالشراء وفق مؤشر هنري هب الأمريكي، ثم البيع في أسواق ترتبط بمؤشرات سعرية أخرى، قد يوفر فرصاً لتحقيق عوائد مجزية، متى غطت أسعار البيع تكاليف الشراء والنقل والتمويل والمخاطر. غير أن تحديد الربحية الفعلية يتطلب معرفة تفاصيل مالية وتعاقدية لم يُعلن عنها. وتبرز هنا ميزة اقتصادية أخرى للاتفاقيتين، تتمثل في الجمع بين فرص تحقيق العوائد التجارية ومرونة إدارة الإمدادات. فتنوع مصادر الغاز يمنح قطر للطاقة خيارات أوسع في توجيه الشحنات إلى الأسواق المختلفة، والاستفادة من فرص الأسعار والطلب، مع تعزيز قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وبذلك لا تقتصر القيمة المحتملة للصفقة على العائد المباشر من بيع الغاز، بل تمتد إلى تحسين كفاءة المحفظة التجارية وتعزيز القدرة التنافسية للشركة على المدى الطويل. ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن استثمارات قطر للطاقة في الولايات المتحدة، ومنها مشروع غولدن باس للغاز الطبيعي المسال في ولاية تكساس. فالجمع بين الاستثمار في مشاريع الإنتاج والتسييل وشراء الغاز من منتجين آخرين يعزز حضور الشركة في أسواق الطاقة العالمية، ويوسع الخيارات المتاحة أمامها. وفي رأيي، فإن هذه هي الدلالة الأهم للصفقة. فقد بنت قطر مكانتها العالمية على تطوير حقل الشمال والاستثمار في منشآت التسييل والتصدير، لكنها قد تكون اليوم بصدد إضافة بعد جديد إلى نموذج أعمالها، يقوم على إدارة محفظة عالمية من إمدادات الغاز، بدلاً من الاعتماد على تسويق إنتاجها المحلي وحده. غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب إدارة دقيقة للأسعار والنقل والالتزامات التعاقدية، لأن تنويع المصادر لا يضمن تلقائياً ارتفاع الأرباح أو انخفاض المخاطر. فالقيمة الحقيقية للتنويع تتحقق عندما يسهم في تحسين كفاءة العمليات والعائد الاقتصادي، ويمنح الشركة قدرة أكبر على التعامل مع تغيرات السوق. إن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقاس بعدد ملايين الأطنان التي تشتريها الشركة، بل بقدرتها على تحويل تلك الكميات إلى قيمة اقتصادية حقيقية، من خلال تحقيق عوائد مناسبة، وتعزيز موثوقية الإمدادات، وتقليل التعرض للمخاطر الجغرافية والتجارية. ولعل المفارقة الأهم أن قطر قد تشتري الغاز الأمريكي، لا لأنها تفتقر إلى الغاز، بل لأنها تسعى إلى تطوير قدرتها على إدارة تجارته عالمياً. فامتلاك الغاز يمنحها قوة الإنتاج، أما تنويع مصادره وحسن إدارة تدفقاته فيمنحانها مرونة أكبر في المنافسة والاستمرار. وفي صناعة تتغير فيها الأسواق والمخاطر بسرعة، قد تصبح القدرة على إدارة الغاز بقدر أهمية القدرة على إنتاجه.
1473
| 25 أكتوبر 2026