رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نشبت الحرب العالمية في الشرق الأوسط عام 1991، عندما هوجم العراق من جيوش أكثر من ثلاثين دولة، عربية وأجنبية، وألحقت به الهزيمة، ردا على احتلاله للكويت، وما برحنا نعاني من تلك الهزيمة المرة. والحق إن احتلال الكويت كان خطأ تاريخيا لا يغتفر، قابله العرب، في أواخر القرن العشرين، بجاهلية وأخطاء سياسية لا تغتفر.
ولد تنظيم القاعدة من رحم الحرب الأفغانية ــ السوفيتية، في ثمانينيات القرن الماضي. وكان وقود تلك الحرب، مالا ورجالا من العرب، ولا ينكر ذلك عاقل، انسحب الاتحاد السوفيتي من أفغانستان مهزوما، في اعتقادنا، ودخلت جحافل الجيوش الغربية إلى أرض العرب قاصدة العراق وفعلت به ما فعلت. هنا نما وترعرع واشتد عود تنظيم القاعدة، أي بعد الحرب على العراق، ومن ثم احتلاله من قبل تلك القوات عام 2003 م.
نقصد بالحرب العالمية، تلك الحرب التي يشترك فيها تحالف دولي يزيد على عشرين دولة، فما بالك بالحرب على العراق التي اشترك فيها أكثر من ثلاثين دولة ومن قارات مختلفة، وعلى رأس تلك القوة المسلحة كانت جيوش الدول الصناعية الأوروبية، الأكثر تطورا في صناعة السلاح وهذا كله في مواجهة دولة من دول العالم الثالث، هي العراق.
(2)
توالد تنظيم القاعدة وتكاثر، وانتشرت ذريته في هذه الدنيا، طالت أفعاله "الإرهابية" دولا كثيرة، من عربية وأوروبية وأمريكية وإفريقية، وما برح ذلك التنظيم يهدد استقرار الكثير من الدول. أُعلنت الحرب العالمية على ذلك التنظيم، بعد الحادي عشر سبتمبر 2001، وكانت النتيجة كما أسلفنا احتلال أفغانستان وإتمام المهمة في العراق. لم يتوقف تنظيم القاعدة عن أنشطته ضد الدول الغربية وحلفائها في الشرق الأوسط، في حين استطاعت تلك الحرب على القاعدة القبض على بعض قياداتها، كما تزعم الدول المتحالفة، وتم القضاء بعد سنين من الملاحقة والمطاردة على زعيمها أسامة بن لادن في غارة أمريكية نوعية على مخبئه في الباكستان. عند هذه اللحظة، اعتقد البعض أن التنظيم مات وانتهى دوره، لكن ذلك فهم خاطئ، رغم أن الحرب على التنظيم أخذت منحى جديدا منذ ذلك الحين، بالركون إلى طائرات دون طيار، واعتقالات، وملاحقات لكل من حوله شك، أو اعتقاد بصلته بأي فرد من أفراد التنظيم، من دون نسيان العمل على تجفيف الموارد المالية للتنظيم، كما اخترعت العبقرية الأمريكية آليات عدة لمراقبة الحركة المالية عبر العالم مثل رقم حساب بنكي له أكثر من عشر خانات، مسبوقة برقم سري معرف ومحدد يُسهل على السفارات الأمريكية، في كل دول العالم، من مراقبة حسابات الأفراد والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، وإلى أين تتجه الأموال. وفرضت تعاون كل دول العالم مع ذلك النمط من الرقابة المالية، بذريعة تجفيف منابع المساعدات المالية. وفات على العبقرية الأمريكية مبدأ أن لكل داء دواء، ولن تعجز المنظمات السرية عن إيجاد طرق بديلة للحصول على التمويل المالي بعيدا عن أعين الرقابة العالمية.
(3)
في هذا الشهر، أغسطس 2014، أعلنت الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، وحلفاؤها من العرب وغيرهم، الحرب العالمية الرابعة. والهدف المعلن هزيمة تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام "تنظيم داعش" ويشترك في هذه الحرب كل بطريقته الولايات المتحدة الأمريكية، ودول الاتحاد الأوروبي، وإيران والعرب ولكن الجهد الحربي لهذه الدول ينحصر في العراق حتى كتابة هذه المقالة، من دون تعدي ذلك إلى سورية، حيث المأوى المهم لتنظيم "داعش" وتشير التحليلات إلى عدم ضم المجال السوري في هذه الحرب على داعش، خشية احتمال إيقاع أضرار بإسرائيل والرأي آخر يقول بالتركيز على الجبهة العراقية، لأن هناك حقول نفط غنية واحتياطيا نفطيا كبيرا، وأن حماية حلفاء أمريكا وأوروبا في كردستان ضرورة غربية، وكذلك قهر الجهد السني كي لا يلحق أضرار بحلفاء أمريكا من الطائفة الشيعية، والذين تحالفوا معهم لاحتلال العراق وتدمير الدولة فيه وجعلها نهبا لكل لصوص العالم.
إن هزيمة تنظيم "داعش" أمر ليس بالسهل، لكن، يمكن تحجيم دوره، ولكنه من المحتمل أن يتحول إلى منظمة سرية تطيح بكل من تعاون على دحر تمدده في العراق. ويبقى السبب الأساسي الذي قام من أجله داعش ليس طمعا في الهيمنة والسيطرة بقدر القضاء على لظلم والقهر والاستبداد والطغيان والحرمان، وهي سمات الوضع الذي طال جميع اتباع أهل السنة في العراق وسورية وأماكن أخرى من عالمنا العربي أن الغرب كله والولايات المتحدة الأمريكية أسهموا في دعم أنظمة الفساد والاستبداد وحمتهم، والنموذج المعبر عن هذا التوصيف شاخص أمامنا لدى النظام القائم في دمشق، والآخر في بغداد، بقيادة "حزب طائفي (حزب الدعوة) متخلف أنه عشيرة بائسة تافهة تعبانة لا دين عنده ولا أخلاق" تلك شهادة أدلى بها عزت الشابندر من العراق.
(4)
يمكن القول، إذا كانت الحرب في أفغانستان على الاتحاد السوفيتي في ثمانينيات القرن الماضي، وأحداث عام 1990 ــ 1991 في الخليج، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، أدت إلى توسع تنظيم القاعدة وتمدده في معظم القارات، وانتشاره في الدول العربية والغربية دون أن يهزم حتى الآن، وإنما تولد عنه تنظيمات أشد عنفا وأصلب عودا وأكثر تمويلا وأقوى تسليحا وتدريبا، ذلك هو تنظيم داعش الذي أُعلنت عليه الحرب العالمية اليوم في العراق. ولا تخلو أسباب نشأته من تقاعس المجتمع الدولي والعربي عن نصرة الشعب السوري في ثورته ضد نظام بشار الأسد ونوري المالكي في العراق.
إن الحرب على "داعش" ستولد تنظيما أكثر عنفا ونفيرا وتسليحا متمتعا بمجال حيوي، يكون أكثر قدرة على حمايته. إن ذلك التنظيم اكتمل تشكيله وتسليحه وتدريبه أنه تنظيم "الحوثي" في اليمن. والذي تمكن، في مطلع شهر أغسطس الحالي من السيطرة على محافظة عمران بالكامل، مخرجا الجيش اليمني منها، وحربه في الجوف اليمني على أشدها، وبالقرب من منابع البترول في اليمن والسعودية جنوبا، وسيطر على مداخل العاصمة صنعاء، وخيم جنده وأنصاره حول الوزارات السيادية في العاصمة، لم تستطع الطائرات الأمريكية من دون طيار الحد من تمدد الحوثيين وعجز الجيش اليمني عن هذه المهمة أيضا.
آخر القول: نيران التنظيمات الإسلامية مشتعلة والحرب دائرة على محيط دول مجلس التعاون الخليجي، من دمشق إلى بغداد إلى صنعاء، حروب تأكل كل الأخضر واليابس، نيران يكاد لهيبها يحرق جبال السروات وأودية تهامة وصولا إلى قلب جزيرة العرب، والخلايا النائمة في الخليج في كل زاوية والكل منشغل بصغائر الأمور، وعلى الأرائك متكئين.
الحكومة الشرعية اليمنية والحوثيون ودعاة الانفصال
شُغِل الإنسان العربي الغيور بحال أمته الذي يسير من سيئ إلى أسوأ. في أقصى بلاد المغرب العربي ثبّتت... اقرأ المزيد
1290
| 03 يونيو 2025
بركان سياسي أوروبي يثور ضد إسرائيل والعرب يتفرجون !
تتسع دوائر الرفض العالمي لحرب الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، وعلى وجه التحديد في قطاع... اقرأ المزيد
1335
| 27 مايو 2025
سورية الشرع والعراق السوداني وفلسطين محمود عباس
سورية الجديدة بقيادة الشرع ورفاقه ما برحت تواجه عواصف داخلية وخارجية واقليمية وهي صامدة تعمل ليل نهار من... اقرأ المزيد
2160
| 29 أبريل 2025
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2235
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1125
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
636
| 12 أكتوبر 2026