رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعم بعد ما يزيد على عشرين شهراً من مفاوضات مكثفة بين إيران من جهة والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن زائد ألمانيا من جهة أخرى، تم الاتفاق على البرنامج النووي الإيراني، دليل جديد يبرز أهمية طاولة المفاوضات كبديل لساحات المعارك والحروب وخيار مجدي بل ومثمر في حل النزاعات الدولية حتى الشائك والمعقد منها، ما دفع الأمين العام بان كي مون للقول (إن الاتفاق يمثل دليلا قويا وشاهدا على قيمة الحوار والتفاوض) معبرا عن إعجابه بالمفاوضين.
الاتفاق قدر تعلق الأمر بالمصالح لم يكن متوازناً، ذلك أن الطرف الذي قدم تنازلات هائلة تمس السيادة والكرامة هي إيران، ومن الآن فصاعدا سوف يحصي الغرب حتى أنفاس إيران وليس فقط صناعاتها العسكرية وبرنامجها النووي والمغامرات المتعلقة بها بعد أن أبقى على العقوبات المتعلقة بدعم الإرهاب، تجربة الغرب مع العراق سوف تتكرر.
المفاوضات لم تنجح لمجرد أن المتفاوضين يملكون حساً استثنائياً ورغبة في السلام، ولا يتميزون بمهنية راقية في التفاوض، ولا هي الأجواء المريحة مرة في فيينا وأخرى في باريس وثالثة في بروكسيل...لا هذه ولا تلك.
الذي أنجح المفاوضات وأجبر إيران على قرارات مؤلمة هي من جانب، إبقاء الغرب على الخيار العسكري ماثلاً بالأساطيل البحرية على مرمى حجر في مياه الخليج العربي محملة بالطائرات وصواريخ كروز وتوماهوك حيث تضاعفت خلال فترة التفاوض، ومن جانب آخر تنامي غضب شعبي ولاسيَّما من الشباب قد يخرج عن نطاق السيطرة فيما لو لم تتدارك الحكومة الإيرانية الوضع الاقتصادي المتردي بسرعة وتضع حدا للعقوبات الاقتصادية القاسية التي أثقلت كاهل الوطن والمواطن.
الغرب فاوض إيران وهي مضغوطة ولذلك نجحت المفاوضات، ولو لم تكن هناك ضغوط ما حصل اتفاق، بل تسويف ومماطلة، كذب وتضليل وتقية، مناورات لا نهاية لها.. الشيطان الأكبر ومعه محور الشر يتقنانها دون شك ومع ذلك لا أحد يبز إيران في هذه المهارات، فالإيرانيون والحق يقال أساتذة (ماسترز) في هذا الشأن، ورغم ذلك فشلوا هذه المرة والفضل للضغوط التي مورست عليهم.
من تنازل لمن؟
في حساب الربح والخسارة، إيران بالمطلق هي الطرف الخاسر، والمفاوضات في قضها وقضيضها كانت تجري في مساحة مصالح إيران الحيوية فحسب، وما آلت إليه هذه المفاوضات بل وما تم الاتفاق عليه هو ببساطة حصيلة مقايضة بين مصلحة إيرانية اقتصادية ومصلحة إيرانية إستراتيجية تكنولوجية، حررت فيها إيران أموالها المجمدة لكنها قيدت أنشطتها النفطية والبنكية والملاحية والتجارية ووافقت على تحجيم مخرجات برنامجها النووي وتعليق طموحاتها النووية. الغرب لم يفرط بموارده بل وظف أموال إيران نفسها في كبح جماح برنامج إيران النووي. ليس هذا فحسب بل إن القبول بإخضاع منشآتها النووية على اختلافها بل وحتى المرافق والأماكن الحساسة ما يوحي بأنها عسكرية بحتة هو تفريط بالسيادة، وهكذا تكون إيران قد باعت سيادتها وكرامتها بثمن بخس، لن يغير الشعار المستهلك (الموت لأمريكا) (الموت لإسرائيل) من واقع الحال بعد الآن إذ إن الحقائق تشير إلى أن إيران اختارت فعلا وبدل ذلك شعار (الموت للسيادة).
المحافظون في إيران وفي مقدمتهم الحرس الثوري الإيراني على دراية بهذه الحقائق ولهذا يرفضون، أما الإصلاحيون فهم يتجاهلون في خطابهم التنازلات الإستراتيجية التي وافقت عليها إيران ومن بينها استخدام ثلث أجهزة الطرد المركزي فقط، تخفيض التخصيب إلى 3.67% بدلا من 29%، وتسويق اليورانيوم المخصب للخارج، إجبارها على شراء الوقود النووي من روسيا، تحويل مفاعل آراك من إنتاج الماء الثقيل إلى الماء الخفيف وتحويله بالكامل إلى أغراض سلمية، لن تبني إيران أي مفاعل نووي جديد على مدى 15 سنة، وضع تجارب مفاعل فوردو تحت إشراف المجتمع الدولي..إلخ، فهؤلاء أي المحافظين بالكاد يذكرون حسنات أو مكتسبات ذات مغزى، غير حديث لا يسمن ولا يغني من جوع، كالحديث عن الانتعاش الاقتصادي المنتظر بعد تحرير ثروة إيران من الحجز وإطلاق الاقتصاد من الحصار، وانتهاء عزلة إيران وعودتها للمجتمع الدولي، والاعتراف بإيران قوة نووية وإنها الدولة الأقوى في الشرق الأوسط..إلخ.
الرفض مطلوب على الأقل للابتزاز
رغم التصويت بالإجماع من جانب أعضاء مجلس الأمن، تباينت المواقف على الصعيد العربي بين مرحب ومهنئ، وآخر موافق بحذر وثالث فضل التريث والانتظار ورابع رافض ومتشائم.. إلخ المحصلة استقبال عربي فاتر رغم أن الاتفاق حصل واكتسب الشرعية الدولية، لكن أبرز الرافضين والمنددين كانت إسرائيل واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، الرفض لغرض الرفض ليس إلا، وسيلة وليس غاية، وهي فرصة لن تعوض أبداً يمكن استثمارها في ابتزاز الرئيس أوباما المتهافت جدا على إنجاح الاتفاق حيث لا شيء في السجل على مدى سبع سنوات يصلح لكتابة إرث رئيس يفخر بإنجازاته وليس لديه حتى الآن سوى ما اشتهر به أوباما من غياب الرؤية والتردد والحركة الوئيدة والتنصل من الالتزامات وتغيير المواقف في اللحظة الأخيرة وتقديم التنازلات دون مبرر.. هذا اللهم إلا إذا كان الرئيس أوباما يعتبر أن تشريع زواج المثليين إنجازا إنسانيا وحضاريا يمكن أن يفتخر به رئيس!!.
بينما يصرخ نتنياهو رافضا ومنددا ومخوفا من الاتفاق النووي، فإن عينيه على عقود مؤجلة ومطالب كانت رفضتها الإدارة الأمريكية إضافة إلى قائمة تسليح جديدة، يسعى للحصول من خلالها على امتيازات إستراتيجية أو أمنية أو اقتصادية. ألم يتحدث الرئيس عن دعم غير مسبوق لإسرائيل؟ إذا عليه أن يبرهن على ذلك، لقد حان الوقت للسداد.. لن يتراجع الرئيس أوباما وهو أكد ابتداء أنه سيواجه رفض الكونجرس بالفيتو بل سيسعى لتشريع الاتفاق النووي بأي ثمن، والثمن هنا إرضاء إسرائيل واللوبي الصهيوني وهكذا من المتوقع أن يضطر للسخاء والكرام بما لم يسبق له مثيل في تاريخ العلاقة الأمريكية الإسرائيلية. هذا ما سوف يحصل، والخاسر الوحيد هم نحن، العرب، حيث حرمنا من حق المشاركة في المفاوضات ابتداء، كما فشلنا في استثماره بالابتزاز لاحقا، بينما مازال لدينا الكثير ما يمكن أن نطالب به الإدارة الأمريكية.
.............................................................................
كذبة العالم سيكون أكثر أمنا
تعليق مخرجات البرنامج النووي وليس إلغاءه أو القضاء عليه
النفاق في التفريق بين التقليدي والكيماوي
التقليدي للقتال والنووي للردع ليس إلا
رسالتي إلى أوباما
اتفاق مبني على التحقق وليس على الثقة
كم خسرت إيران جراء موقفها المعادي للعرب
................................................................................
كذبة العالم سيكون أكثر أمنا
كذبة كبيرة سمعناها عشية غزو العراق تبريرا للغزو وتشجيعا للمترددين للالتحاق بسرعة وإضفاء الشرعية على عملية غزو لم تكتسب الشرعية الدولية.
إذا كان كما قيل إن إيران باستطاعتها الآن إنتاج القنبلة النووية خلال عام من الزمن فإن انصراف الاتفاق لكبح مخرجات البرنامج النووي دون القضاء على وسائل الإنتاج (المفاعلات) والبحوث المرتبطة بها لا يعني سوى تأجل الخطر وليس القضاء عليه.
من جهة أخرى، والعولمة وما رافقها من ثورة التكنولوجيا، المعلومات والاتصالات جعلت من العالم قرية صغيرة، وأمن العالم بات متداخلا والحملة على الإرهاب تكتسب بعدا دوليا، رغم أن الأدوات المستخدمة من أسلحة ومعدات هي تقليدية.
العالم سيكون آمنا، اللهم إلا إذا اعتبرت الإدارة الأمريكية أن أمن العالم يقتصر على أمن إسرائيل والغرب فحسب أي أمن الولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا واليابان، بما لا يشمل أمن المنطقة العربية والشرق الأوسط.
إيران تصرفت بعدوانية مطلقة، استطاعت أن تتمدد خلاف القانون الدولي إلى الجوار وتخترق دول ذات سيادة وتعمل على تمزيق نسيجها الاجتماعي بإثارة الفتن والنعرات الطائفية وتتدخل في شؤونها الداخلية وصناعة قراراتها كما عملت على نهب مواردها كما يحصل في العراق، حصل ذلك وإيران في ظل المقاطعة وتحت الحصار والتقشف، ترى كيف ستتصرف إيران بعد أن تخرج من عزلتها اقتصاديا وتحصل دفعة واحدة على ما يزيد على مائة مليار دولار خلال ستة أشهر، ويرتفع إنتاجها اليومي من النفط ربما ثلاثة أضعاف في بحر أشهر؟ كما تتحرر تجارتها الخارجية ونظامها المصرفي من أي ضغوط!! الوفرة المالية تحت تصرف دولة غير منضبطة سياستها الخارجية تتمحور حول تصدير الثورة (بمعنى تصدير الفوضى) سيضاعف من المخاطر على دول الجوار.
تجاهل الاتفاق النووي شواغل العرب ولاسيَّما أمن دول مجلس التعاون الخليج العربية، وأمنيات الرئيس أوباما بإيران دولة منضبطة ومسؤولة رد عليها مرشد الثورة حيث أكد أنه لا تغيير في السياسة الخارجية وعلاقة إيران بالدول العربية ولاسيَّما تلك التي جعلتها إيران حديقتها الخلفية وأعلنت سقوطها في منطقة نفوذها الممتدة حتى البحر المتوسط غربا وحتى اليمن جنوبا!!
ما نشر حتى الآن يدعو لقلق بالغ، ولن تنجح زيارات المسؤولين الأمريكان مهما قدموا من تطمينات في تبديد مخاوف العرب الحقيقية، واستبعد أن تكون هناك ملاحق سرية تعنى بسلوك إيران إقليميا في فترة ما بعد توقيع الاتفاق.
العالم سيكون أكثر أمنا مجرد كذبة كبرى، ليس لنا على أي حال، سمعناها في مغامرات أمريكية سابقة لكن العالم بات أكثر خطورة مما سبق، وسيكون كذلك هذه المرة، نرجسية الغرب عادة لا تعنيها مصالح الحلفاء العرب مثلا، الخطورة تضاعفت وبات العرب يواجهون تحديات هائلة ومتنوعة في وقت واحد. ما يستدعي المراجعة والبحث عن مقاربة جديدة للحياة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
● سياسي من العراق
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3444
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3264
| 06 أكتوبر 2026
في الأوقات العادية، قد تبدو الاحتياطيات المالية والاستثمارات الخارجية مجرد أرقام كبيرة في التقارير. أما في الأزمات، فتتحول هذه الأرقام إلى قدرة حقيقية على حماية الاقتصاد واستمرار الخدمات وتوفير احتياجات الناس. وهذا ما ظهر خلال أزمة هرمز، التي وضعت قطر أمام اختبار صعب لم يقتصر على تراجع الإيرادات، بل امتد إلى صادرات الطاقة وحركة التجارة وسلاسل الإمداد. وعلى الرغم من شدة الأزمة، حافظت الدولة على استمرار الخدمات، ووفرت الاحتياجات الأساسية للمواطنين والمقيمين، وأدارت آثارها بما حافظ على استقرار الحياة اليومية ومتانة الاقتصاد. وهذا نجاح يستحق الإشادة، لكنه يستحق أيضًا أن نتوقف عنده لفهم أسبابه واستخلاص ما يفيدنا في المستقبل. لم تبدأ قوة قطر المالية مع الأزمة، بل بُنيت على مدى سنوات من خلال الاحتياطيات المالية والأصول السيادية والاستثمارات الخارجية، إلى جانب قوة الجهاز المصرفي والقدرة الائتمانية للدولة. كما استفادت قطر من خبرتها في أزمات سابقة، خصوصًا في الأمن الغذائي، وتنويع مصادر الاستيراد، وتطوير الموانئ والخدمات اللوجستية. وهذا الاستعداد لم يكن مجرد انطباع، بل تؤكده التقارير الدولية. فقد أشار صندوق النقد الدولي، قبل الأزمة، إلى قوة الوضع المالي والخارجي لقطر وسلامة قطاعها المصرفي، مؤكدًا أهمية مواصلة الإدارة المالية الحصيفة. وقد أثبتت التطورات أن هذه القوة وفرت للدولة مساحة للتحرك عندما تعرضت الإيرادات ومنافذ التصدير لضغوط مفاجئة. لكن متانة الاقتصاد لا تعني أن الأزمة مرت من دون تكلفة. فقد أظهرت بيانات وزارة المالية ارتفاع عجز الموازنة إلى نحو 21.2 مليار ريال في الربع الثاني من عام 2026، بعد أن بلغ 10.3 مليار ريال في الربع الأول. ولا تعني هذه الأرقام أن الاقتصاد فقد قوته، بل تكشف حجم الضغط الناتج عن تأثر صادرات الغاز وحركة الملاحة. وفي مثل هذه الظروف تظهر قيمة ما راكمته قطر من احتياطيات وأصول سيادية؛ فقد وفر ذلك للحكومة هامشًا لمواصلة الإنفاق الضروري، وتلبية احتياجات الدولة والمواطنين والمقيمين، والمحافظة على الاستقرار رغم تراجع الإيرادات. وإلى جانب ذلك، برز دور الاستثمارات الخارجية عبر جهاز قطر للاستثمار؛ فهي تحقق عوائد للأجيال القادمة، وتعزز قدرة الدولة على مواجهة الظروف الاستثنائية، وتخفف اعتمادها الكامل على الإيرادات السنوية للطاقة. غير أن الأزمة كشفت أن القوة المالية، على أهميتها، ليست كافية وحدها. فالمال يستطيع تعويض جزء من تراجع الإيرادات، لكنه لا يوفر فورًا موردًا بديلًا لمادة أساسية، ولا يفتح مسارًا بحريًا متعطلًا، ولا يعيد تشغيل خدمة تعتمد على نظام تقني خارجي واحد. ولذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: كم نملك من الاحتياطيات فقط؟ بل أيضًا: ما البدائل الجاهزة، وكم نحتاج من الوقت لتشغيلها؟ وتزداد أهمية هذا السؤال لأن أزمات اليوم لا تبقى داخل حدودها الأولى. فقد أشار تقرير المخاطر العالمية لعام 2026، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، إلى ترابط المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية؛ فقد تبدأ الأزمة في ممر بحري، ثم تنتقل إلى الطاقة والشحن والتأمين والإنتاج والأسعار. كما توضح تقارير الأونكتاد أن تأخر السفن ليس سوى بداية لسلسلة من التكاليف التي تصل في النهاية إلى الشركات والمستهلكين. وفي الاتجاه نفسه، تذكر ورقة «الصمود الاقتصادي في ظل الأزمة الجيو-اقتصادية»، الصادرة عن المركز الدولي للتنمية، أن الاحتياطيات والمخزونات تمنح الدولة وقتًا ثمينًا، لكنها لا تصنع الصمود بمفردها. فالاحتياطي يساعد الدولة على التحرك، أما البدائل الجاهزة فتحدد نجاح هذا التحرك وسرعته. ومن المفيد، في ضوء هذه التجربة، تشكيل فريق وطني مؤقت لدراسة دروس أزمة هرمز ووضع برنامج عملي لزيادة مرونة الاقتصاد القطري. والغاية ليست إضافة تقرير نظري جديد، بل تشكيل فريق محدد المدة والصلاحيات والمخرجات، يجمع الجهات المعنية بالمالية والاقتصاد والطاقة والنقل والموانئ والغذاء والدواء والتكنولوجيا، إلى جانب المصارف والقطاع الخاص. وتكون الخطوة الأولى إعداد خريطة للاعتماد الاقتصادي الحرج. والمقصود ليس حصر جميع السلع المستوردة، بل معرفة المواد والخدمات التي قد يؤدي تعطلها إلى توقف وظيفة أساسية. فقد تكون قطعة غيار صغيرة أهم من سلعة مرتفعة الثمن إذا كان غيابها قادرًا على إيقاف محطة إنتاج أو منشأة صحية أو نظام تقني كامل. وبعد تحديد هذه النقاط، يمكن اختبار قدرة القطاعات الحيوية على الصمود لفترات تمتد إلى 30 و90 و180 يومًا. فإذا تعطل المسار البحري المعتاد، فكم يكفي مخزون الغذاء والدواء والمواد الصناعية؟ وما المدة اللازمة للانتقال إلى مورد آخر؟ وهل لدينا عقود ومسارات بديلة جاهزة، أم سنبدأ البحث عنها بعد وقوع الأزمة؟ وينبغي أن تقود هذه الاختبارات إلى مؤشرات واضحة، مثل عدد أيام تغطية السلع الحيوية، والحد الأعلى للاعتماد على مورد واحد، والوقت المطلوب لتشغيل البديل، ومدى جاهزية الأنظمة الرقمية الاحتياطية. فمن دون مقاييس محددة، قد تبقى المرونة الاقتصادية فكرة جيدة يصعب معرفة مدى تحققها. وليست الفكرة أن نخزن كل شيء أو ننتج كل ما نستهلكه؛ فهذا مكلف وغير عملي. المطلوب هو معرفة ما يمكن شراؤه بسهولة من الأسواق العالمية، وما لا ينبغي أن نعتمد فيه على مصدر أو مسار واحد. وقد يكون المورد الأقل تكلفة مناسبًا في الظروف الطبيعية، لكنه يصبح مكلفًا إذا أدى تعطله إلى توقف قطاع حيوي. وعندها تصبح تكلفة المورد الثاني أو المخزون الإضافي أشبه بقسط تأمين يحمي الاقتصاد من خسارة أكبر. وتعرض الورقة نفسها خمس خبرات دولية يمكن الاستفادة منها. فقد حددت اليابان المنتجات والخدمات الحيوية لأمنها الاقتصادي، وطورت فنلندا تعاونًا منظمًا بين الحكومة والقطاع الخاص لضمان استمرار الخدمات الأساسية، بينما اعتمدت سنغافورة على مزيج من تنويع مصادر الغذاء والمخزون والإنتاج المحلي والشراكات الخارجية. والمطلوب ليس نسخ هذه التجارب، بل الاستفادة من منطقها وتكييفه مع احتياجات قطر. وبالتوازي مع تعزيز الجاهزية داخل الاقتصاد، تظل الاستثمارات الخارجية ركيزة أساسية في بناء القوة المالية للدولة. ولذلك ينبغي مواصلة تنميتها وتنويعها، مع تحقيق توازن بين الاستثمارات طويلة الأجل والأصول التي يمكن تحويلها إلى سيولة عند الضرورة، وزيادة الاستثمارات التي تجمع بين العائد المالي والمصلحة الاستراتيجية في الغذاء والدواء والتكنولوجيا والنقل والخدمات اللوجستية. لقد أثبتت أزمة هرمز أن قطر تمتلك احتياطيات وأصولًا ومؤسسات قادرة على امتصاص صدمة كبيرة، وأن الحكومة أحسنت إدارة الأولويات وحماية احتياجات المجتمع. لكن أفضل طريقة لتقدير هذا النجاح هو البناء عليه، وتحويل ما تعلمناه إلى سياسات وبدائل جاهزة تعزز استعداد الدولة لأي أزمة مقبلة. فالهدف ليس أن نعود إلى ما كنا عليه قبل الأزمة، بل أن نخرج منها أفضل مما كنا: باقتصاد أكثر تنوعًا، ومؤسسات أسرع استجابة، وسلاسل إمداد أكثر أمانًا. وعندها تتحول الأزمة، رغم كلفتها، من مرحلة صعبة تجاوزناها إلى فرصة جعلت الاقتصاد القطري أكثر مرونة وصمودًا.
1053
| 04 أكتوبر 2026