رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

روضة مبارك راشد العامري

مساحة إعلانية

مقالات

372

روضة مبارك راشد العامري

الأندية بين الرياضة وصناعة الإنسان

26 مايو 2026 , 12:05ص

في قاعةٍ تتقاطع فيها الرؤى الوطنية مع نبض المجتمع، لم تكن الجلسة مجرد اجتماعٍ تشريعيٍّ اعتيادي داخل مجلس الشورى، بل بدت وكأنها مساحة لإعادة قراءة العلاقة بين الإنسان ومؤسساته، وبين الرياضة والثقافة، وبين الفعل التنفيذي واحتياجات المجتمع المتجددة.

كان الموضوع في ظاهره متعلقاً بالأندية الرياضية، لكنه في جوهره أعمق من ذلك بكثير؛ إذ انفتح النقاش على سؤال جوهري: كيف تتحول الأندية من منشآت رياضية إلى منصات لصناعة الإنسان، وبناء الهوية، وتعزيز التلاحم الاجتماعي؟

تحت قبة المجلس، بدا واضحاً أن الرؤية لم تعد تقبل الفصل التقليدي بين الرياضة والثقافة، أو بين النشاط البدني والدور المجتمعي. فالأندية، كما طُرح في المداخلات، ليست مجرد ملاعب تُدار فيها المنافسات، بل فضاءات حيوية تُشكّل وعي الأجيال، وتحتضن طاقاتهم، وتعيد توجيهها نحو قيم الانتماء والعمل الجماعي.

وقد تكررت الإشارة إلى أن كثيراً من الأندية اليوم تميل بكثافة نحو البعد الرياضي، في حين تتراجع الأنشطة الثقافية والاجتماعية، رغم أنها كانت في السابق روح هذه المؤسسات وسبب ارتباط المجتمع بها. ومن هنا برزت الدعوات لإعادة التوازن، بحيث تعود الندوات، والمناظرات، والأنشطة الصيفية، والمبادرات التطوعية، جزءاً أصيلاً من هوية النادي لا نشاطاً هامشياً.

في المقابل، لفتت بعض المداخلات الانتباه إلى جانب لا يقل أهمية: الإدارة والتسويق والابتكار. فوجود الأنشطة وحده لا يكفي ما لم يُحسن تقديمها للمجتمع بصورة حديثة وجاذبة، قادرة على مخاطبة الجيل الجديد الذي يعيش في عالم سريع الإيقاع، متصل رقمياً، ويبحث عن التجربة لا التلقين.

ومن زاوية أعمق، برزت قضية الكفاءات الوطنية، وأهمية إعادة الاعتبار للخبرات القطرية التي راكمت تجارب طويلة في العمل الشبابي والثقافي والرياضي، إلى جانب ضرورة الاستفادة من الكفاءات الخارجية ضمن إطار يضمن نقل المعرفة لا استبدال الخبرة الوطنية.

ولم يكن النقاش بعيداً عن البعد المالي والتشريعي، إذ طُرحت بوضوح مسألة تداخل الموازنات بين الرياضة والثقافة، وما يترتب عليه من ميلٍ غير متوازن لصالح النشاط الرياضي على حساب البعد الاجتماعي والثقافي. وهنا ظهرت الحاجة إلى إطار تشريعي أكثر وضوحاً، يضمن عدالة التوزيع، ويحدد بدقة الأدوار، ويمنع الازدواجية في العمل المؤسسي.

كما كان لافتاً أن الجلسة لم تغفل التحولات المجتمعية الحديثة؛ فالشباب اليوم لم يعودوا يتعاملون مع النادي بالطريقة التقليدية، بل يبحثون عن بيئة مرنة، مبتكرة، تشاركية، تمنحهم مساحة للإبداع، وتربطهم بمحيطهم المحلي والعالمي في آن واحد. ومن هنا جاء التأكيد على أهمية الأنشطة الصيفية، والمبادرات التفاعلية، والشراكات مع وزارات التعليم والثقافة والإعلام، لتشكيل منظومة واحدة متكاملة.

وفي خلفية المشهد، ظل الحضور الهادئ لفكرة أكبر: أن الأندية ليست مؤسسات رياضية فقط، بل أدوات وطنية لصناعة الإنسان، ومختبرات للانتماء، ومساحات لبناء القيم قبل بناء المهارات. ولهذا، فإن تطويرها لا يمكن أن يكون إجراءً إدارياً، بل مشروعاً مجتمعياً متكاملاً، يتطلب متابعة جادة مع الجهات التنفيذية، لضمان تحويل التوصيات إلى واقع ملموس.

ومع اختتام النقاش، بدا أن هناك إجماعاً غير معلن على أن المرحلة القادمة يجب أن تكون مرحلة "إعادة التوازن"، حيث تستعيد الأندية دورها الطبيعي كحاضنة للرياضة والثقافة والمجتمع معاً، لا كمساحات أحادية الاتجاه.

إنها ليست مجرد توصيات تُرفع، بل رؤية لإعادة تشكيل العلاقة بين الشباب ومؤسساتهم، وبين الدولة ومجتمعها، وبين الحاضر الذي نعيشه والمستقبل الذي نطمح إليه.

وهكذا، خرجت الجلسة من إطارها الرسمي لتتحول إلى رسالة واضحة: أن بناء الأوطان لا يتحقق فقط بالإنجازات، بل أيضاً بقدرة المؤسسات على احتضان الإنسان، وصناعة وعيه، وتوسيع دائرة انتمائه، ليصبح شريكاً في الفعل لا متلقياً له.

مساحة إعلانية