رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

خولة البوعينين


[email protected]
@Khawlalbu3inain

مساحة إعلانية

مقالات

153

خولة البوعينين

أوبة الروح ومقام الاتساق

26 مايو 2026 , 03:07ص

ثمة لحظات في مسيرة الوعي يعود فيها المرء إلى كينونة نفسه عودة المسافر الآيب من مسالك نائية غابت عنه غاياتها، وانطوت عنه مآربها، لحظة ينعطف فيها لحاظ الفكر من عوالم الخارج الموحشة إلى رياض الدواخل الآمنة، فيبصر القلب ذاته في مرآة السكون، ويتعرف الفؤاد على نفسه في انعكاسات الطمأنينة، متأملاً تفاصيله على مهل، ومستمتعاً بهدأة أغوار الاستقرار. ومع هذا الانعطاف المبارك نحو الذات، تتجلى التجربة الإنسانية في أبهى صورها الفلسفية، فتبدو الأيام الراحلة وكأنها كانت تُعمّر صروح الصدور بهدوء، وتصقل بواطن الأنفس طبقةً فوق طبقة، حتى يغدو المرء مشارفاً على فهم ما تراكم في وجدانه من مخزون الشعور وجواهر المعاني.

ومن رحم هذا التراكم الوجودي، تنفتح في عمق الروح مساحة خفية سامية، مساحة تفوق في كمالها رتبة الامتلاء وترتفع بصاحبها عن درك الفراغ، تتعداه لتشبه استعداداً فطرياً للاتساق التام، حيث تتقارب الأجزاء المتباعدة من الشتات القديم، وتتآلف في انتظام لطيف، كأنما تسترد أصلها الأول، وتعود إلى منبع صفائها الجوهري الحق.

وفي هذا الدنو المنسجم، يتغير إيقاع الصدر المتسارع، فيميل الفؤاد إلى سكينة أرحب، وطمأنينة أوسع، ويتخذ الوعي هيئة الغدير الساكن، فلا تلبث أن تتبدى خطوب الحياة أقل تشعباً، وتغدو تحدياتها يسيرة حين تقع العين عليها من هذا الموضع الهادئ المشرف على الحقائق.

ومع امتداد هذا التدرج الواعي، تستقر كينونة المرء على ملامحها الحقيقية الأقرب لجوهرها، ويستعيد الإنسان اتزانه المفقود في صورة روحانية وادعة، معلناً أن طرقات العمر كلها إنما كانت تقوده بالتدريج لبلوغ هذا الفهم، والوقوف عند هذا المقام السني.

فلا أجدى من دعاء يمس دواخلنا، نناجي فيه الكريم بأن يجمع شتات أمرنا، ويلم شعث أنفسنا، ويفيض علينا من نور سكينته ويهدينا إلى سُبل الرشاد هدايةً، وإلى سواء السبيل دليلاً.

لحظة إدراك:

اللهم لمَّ شعث أرواحنا، واجعل لنا من السكينة ما يجمع قلوبنا على نورك، ويعيدنا إلى أنفسنا برفق، ويهدي خطانا دائماً إلى المعنى الأرحب الأسمى.

مساحة إعلانية