رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تعتبر البطالة في أوساط الشباب مشكلة متزايدة في الدول العربية وهي مسألة لها عواقب سياسية واقتصادية واجتماعية وخيمة في حال عدم إيجاد حول ناجعة لها. كما تترك معضلة البطالة في الدول العربية تداعياتها على دول مجلس التعاون الخليجي.
حقيقة القول، تتطلع الدول العربية إلى دول مجلس التعاون لتقديم العون للمساهمة في حل معضلة البطالة من خلال توفير فرص عمل من جهة ومنح عطايا مالية لتحفيز الاقتصاديات العربية من جهة أخرى. يشكل الأمر تحديا بحد ذاته نظرا لوجود بطالة في أوساط المواطنين في بعض الدول الأعضاء في المنظومة الخليجية وشباب تواق لدخول سوق العمل.
بالعودة للوراء، ساهم الإحباط المتراكم للمسائل الاجتماعية والاقتصادية وخاصة البطالة بين الشباب في ظهور الربيع العربي، بدءا من تونس في أواخر عام 2010 وليس انتهاء بمصر في يناير 2011. صحيح تشكل الإصلاحات السياسية حجر الزاوية للربيع العربي لكن لعبت التحديات الاقتصادية دورا محوريا في تسريع وتيرة المطالبات كونها تمس معيشة المواطنين حيث ضمنت مشاركة قطاعات واسعة من المواطنين في الحراك الشعبي.
حقيقة القول، تعد الإحصاءات الجديدة بخصوص البطالة والتي تم الكشف عنها خلال الاجتماع رقم 42 لمنظمة العمل العربية في الكويت الأسبوع الماضي أمور مدعاة للقلق. فوفقا للمدير العام لمنظمة العمل العربية أحمد لقمان، زاد عدد العاطلين العرب بواقع مليوني شخص منذ عام 2011.
يعتبر هذا التطور مثيرا كونه يتزامن مع تاريخ انطلاق الربيع العربي. من المفارقات، كان من المتوقع أن يساهم الحراك في إيجاد حلول وليس تعميق مستوى التحديات الاجتماعية والاقتصادية العالقة.
وعلى هذا الأساس، ارتفع عدد العاطلين في الدول العربية إلى قرابة 20 مليون في عام 2014. وهذا يضع معدل البطالة في كافة الدول العربية عند حد 17 بالمائة، وكلها أرقام ليست محل ارتياح.
تكشف هذه الحقائق جانبا من الإحصاءات الحيوية الأخرى عن العمل والسكان في الدول العربية. من جملة الأمور، يبلغ مجموع القوى العاملة العربية نحو 118 مليون فرد من أصل 368 مليون نسمة عدد السكان الدول العربية.
ويفهم من هذه الإحصاءات بأن ثلث السكان لا أكثر في العالم العربي مندرجين تحت لواء القوى العاملة، حيث تعتبر هذه النسبة ضئيلة لحد ما قياسا مع الدول الغربية. على سبيل المثال، يندرج نصف الشعب الأمريكي ضمن صفوف القوى العاملة.
تؤكد هذه الحقائق بأن الشباب دون سن العمل يمثلون نسبة كبيرة من السكان، وهذا يعني بأن البطالة أزمة في الوقت الراهن على الرغم من المشاركة النسبية الضئيلة للسكان في مجموع القوى العاملة. السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف يمكن حل معضلة البطالة في أوساط الشباب العربي مع توقع دخول أعداد ضخمة إلى سوق العمل في السنوات القادمة بحثا عن فرص عمل تتناسب وتوقعاتهم؟ بمعنى آخر، إذا كانت البطالة مشكلة في ظل مشاركة محدودة نسبيا للمواطنين العرب في القوى العاملة، فكيف سوف يكون عليه الحال في المستقبل مع الأخذ بعين الاعتبار النمو السكاني والتغييرات المستمرة للتقنية والمنافسة بين الاقتصاديات العالمية؟
وفي الوقت نفس، تجلى من خلال الإحصاءات التي تم نشرها خلال اجتماعات المنظمة العربية في الكويت بأن نسبة البطالة بين الشباب العربي في حدود 30 بالمائة أي أعلى بشكل نوعي من المتوسط. يعكس هذا الواقع حقيقة الظروف الاقتصادية فيما يخص بعض الدول العربية من حيث صعوبة اجتياز المشاكل الكفيلة بضمان توافر فرص عمل مناسبة للشباب.
كما هناك مسألة البطالة المقنعة في العديد من الدول العربية، حيث يميل بعض الخريجين لقبول فرص عمل لا تتناسب مع مؤهلاتهم، لكن الحاجة تضطرهم لقبول وظائف عادية على الأقل لفترة زمنية بغية توفير حياة كريمة لأنفسهم وأسرهم. ويضاف لذلك موضوع نقص التشغيل حيث يوافق البعض للعمل لساعات تقل عن 8 ساعات يوميا. بيد أنه لا يتم رصد هؤلاء في عداد الغياب في جنيف.
بنظرة إجمالية، يشكل العرب نحو 5 بالمائة أو تحديدا 5.2 بالمائة من إجمالي عدد السكان في العالم، والمقدر عددهم قرابة 7 مليارات نسمة. ومع ذلك، يوجد توقع متفائل بأن يصل عدد الرعايا العرب إلى 500 مليون نسمة بحلول عام 2025 على خلفية مستويات النمو المرتفعة للسكان. في المقابل، تعاني دول مثل اليابان وروسيا ودول أخرى في أوروبا من ظاهرة النمو السلبي للسكان.
مما لا شك فيه، يوجد تباين فيما يخص التحديات الاقتصادية التي تواجه الدول العربية بما في ذلك مستويات البطالة. تتراوح معدلات البطالة في الدول العربية ما بين 50 بالمائة في جيبوتي و 0.6 بالمائة في قطر. كما تعتبر البطالة تحديا كبيرا في بعض الدول العربية المحورية مثل مصر.
وفيما يخص المنظومة الخليجية، تعتبر البطالة تحديا في ثلاث دول وتحديدا عمان والبحرين والسعودية. فحسب تقرير إعادة حول البطالة في الدول العربية ومصدره المنتدى الاقتصادي العالمي ومقره سويسرا، تقف معدلات البطالة في الدول الثلاث عند8.1 بالمائة، 7.4 بالمائة و 5.6 بالمائة على التوالي. كما تعتبر نسب البطالة في أوساط الشباب في الدول الخليجية أعلى بكثير من المتوسط.
ختاما، تعتبر البطالة تحديا في الوطن العربي تتطلب اهتماما من جميع الأطراف ذات العلاقة. وتبين بأن البطالة مشكلة خطيرة في أوساط الشباب والذين بدورهم يمثلون العمود الفقري للمجتمع العربي. وربما كشفت تجربة الربيع العربي انطلاقا من تونس ومن خلال ما قام به محمد البوعزيزي بإضرام النار في نفسه أمام مقر ولاية سيدي بوزيد احتجاجا على منعه من ممارسة البيع ضرورة عدم ترك قضية البطالة دون حلول واقعية بل واعتبار الأمر تحديا مستمرا غير مرتبط بفترة زمنية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4245
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3174
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1116
| 28 سبتمبر 2026