رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل نستكثر على المصريين الذين تحدَّوا جبروت نظام مبارك حتى أسقطوه من عليائه، أن يقوموا بما عليهم إزاء مسؤولية بناء النظام الجديد؟
(1)
ما دعاني إلى طرح السؤال هو تلك الجولة التي يقوم بها في منطقة الخليج، رئيس وزراء الثورة المصرية الدكتور عصام شرف. وكان قد سبقه إلى واشنطن وزير المالية الدكتور سمير رضوان، الذي ذهب مخاطبا صندوق النقد وآملا في تدخله لمساندة الوضع الاقتصادي المصري. وهى المهمة التي أحسب أن جولة رئيس الوزراء ليست بعيدة عنها. إذن لست أخفي أن في نفسي شيئا إزاء الهدف من الزيارتين، هو في حده الأدنى شعور بعدم الارتياح المسكون بالاستياء. ذلك أنني ما تمنيت أن يعالج الأمر بهذه الصورة، التي تحضر فيها الحكومة ويغيب المجتمع، كما تبدو فيها مصر الثورة طالبة لا مطلوبة. أدرى أننا بصدد أزمة اقتصادية لأسباب متوقعة ومفهومة. وذلك أمر لا مفاجأة أو غرابة فيه، علما بأن بعض الدول الأوروبية تواجه الآن أزمات اقتصادية تتفاوت درجاتها، من فرنسا وانجلترا إلى إسبانيا واليونان مثلا. وهى تتعامل معها بهدوء، وبغير ذعر أو ضجيج.
أضيف إلى ما سبق ثلاث ملاحظات من حيث الشكل على التحركات التي تقوم بها الحكومة في تعاملها مع المشهد الاقتصادي بعد الثورة هي:
* إن موقفها لا يتسم بالشفافية الكافية. وهذه ملاحظة الاقتصاديين الذين حدثتهم، ووجدت أنهم يدركون جيدا أن ثمة أزمة لكنهم لا يعرفون شيئا عن حقائقها. ولا ما إذا كانت قد بلغت مرحلة الخطر أم أنها في الحدود الآمنة. صحيح أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة دعا إلى ندوة في 7/4 تم فيها عرض الموقف الاقتصادي من مختلف جوانبه، إلا أن أغلب حضور الندوة كانوا من الإعلاميين والسياسيين وأقلهم كانوا من الاقتصاديين.
* إن بعض الدول الخليجية التي زارها رئيس الوزراء لم تكن سعيدة ولا مرتاحة للثورة المصرية، حتى إن إحداها منعت إعطاء تأشيرات زيارة أو السماح بتعيينات جديدة لأبناء الدول التي شهدت ثورات أو انتفاضات مؤخرا، ومنها مصر. وهذه الخلفية تشكك في حماس تلك الدول للتفاعل مع المهمة التي يسعى رئيس الوزراء لإنجازها.
* إن لجوء الحكومة إلى مخاطبة الخارج ما كان له أن يتم إلا بعد استنفادها لوسائل التعامل مع الأزمة في الداخل. في هذا الصدد أزعم أن ثمة استحقاقات داخلية أخرى لو تم الوفاء بها لكان موقف الحكومة المصرية أفضل في مخاطبة أي طرف خارجي.
(2)
لا أخفي أنني فيما عبرت عنه من مشاعر قلقة، انطلق من موقف شخصي يتحفظ على بعض الأطروحات التي تتردد في الساحة المصرية، في المقدمة منها ما يلي:
لدي تحفظ على المبالغة في الاهتمام بالسلطة مع تجاهل دور المجتمع، الذي تشكل عافيته خانة أساسية لاستقامة السلطة والحيلولة دون جنوحها. وأستغرب مثلا انشغال وسائل الإعلام وإشغال الرأي العام بالتالي بالمرشحين لرئاسة الجمهورية دون أي ذكر للإعداد لانتخابات مجلس الشعب التي تسبق انتخابات الرئاسة. علما بأن الانتخابات البرلمانية تشكل أول خطوة باتجاه التمثيل الشعبي الحر وتأسيس النظام الديمقراطي الذي يتوق إليه المصريون.
لدى تحفظ أشد مقترن بالشك والارتياب إزاء الإلحاح على فكرة الدولة المدنية مع تجاهل وجود المجتمع المدني. وأستغرب الحملة الإعلامية التي يقودها مثقفون وسياسيون دفاعا عن لافتة تلك الدولة، دون أن يبذلوا أي جهد يذكر للدفاع عن المجتمع المدني ممثلا في المنظمات الأهلية التي تنشط في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.. الخ. وكانت النتيجة أننا لم نشهد أي تطور لافت للنظر في محيط تلك المنظمات الأخيرة.
لدىّ تحفظ أيضا على فقدان الثقة بالناس والتهوين من قدرتهم على العطاء فضلا عن الابتكار والإبداع. ومما يثير الدهشة في هذا الصدد أننا خارجون من مشهد أثبت للقاصي والداني مدى قوة المجتمع وبأسه، وهو ما تجلى في خروج الملايين في أنحاء مصر وإصرارهم على إسقاط النظام وتحدى زبانيته بشجاعة نادرة. كأن الثورة أخرجت من الناس ما كان كامنا فيهم من عزم وشجاعة. وهو ما ينبغي أن يعزز ثقتنا في الجماهير العريضة، وما يستدعى سؤالا كبيرا هو: كيف يمكن استعادة تلك الروح واستثمار تلك الطاقة في بناء النظام الجديد، بعد نجاحها في هدم النظام القديم.
لأنني ممن يتمثلون الحديث النبوى الذي يقول إن اليد العليا خير من اليد السفلى. فإن لدي تحفظا على فكرة أن تكون مصر طالبة لا مطلوبة. حيث ليس سرا أن الذي يطلب يظل دائما في الموقف الأضعف. أدرى أن الاقتراض من المؤسسات الدولية أو من المصارف أمر معمول به في كل مكان. لكن هناك فرقا بين أن تقترض بكرامة كما يفعل الجميع ثم تلتزم بالرد وأنت مرفوع الرأس وإذا عجزت عن الرد فلك أن تطلب مهلة للسداد، وبين أن تلتمس إسقاط الدين والإعفاء منه. ومثل ذلك الالتماس الذي قدمه وزير المالية المصري في زيارته الأخيرة إلى واشنطن يخصم من رصيد نظام ما بعد الثورة، وينال من صدقيته وكفاءته في إدارة البلد.
(3)
إذا لم نستسلم لمنطق التعويل على الحكومة وتجاهل المجتمع في مواجهة التحدي. فسنجد أن استحقاقات المواجهة تتوزع على الجانبين. وقد رجعت فيما خص الحكومة إلى عدد من الخبراء وأهل النظر الذين وجدت أن لديهم كلاما كثيرا في الموضوع، وما أسجله هنا هو مجرد خلاصة وبعض العناوين التي يمكن الانطلاق منها إلى مناقشة موسعة. إذ تحدثت في هذا الصدد إلى كل من: الدكتور كمال الجنزوري رئيس الوزراء الأسبق، والدكاترة والأساتذة حازم الببلاوي ومحمود عبدالفضيل وإبراهيم العيسوي وأشرف بدرالدين (الأخير كان عضوا بلجنة الخطة والمواطنة في مجلس الشعب). وأثار انتباهي أن الاتفاق منعقد بينهم حول ثلاثة منطلقات أساسية هي: ضرورة مصارحة الرأي العام بحقائق الوضع الاقتصادي ــ أهمية إجراء حوار مع أهل الاختصاص للاتفاق على حلول للأزمة ووضع جدول ترتب فيه الآجال والأولويات ــ عدم التردد في إعلان سياسة للتقشف تبدأ فيها الحكومة بنفسها بحيث تراجع باب المصروفات لاستبعاد كل ما لا لزوم له، خصوصا ما تعلق بالوجاهات وبذخ والسفرات والحفلات والإسراف في مكاتب التمثيل غير الدبلوماسي بالخارج. وحين يتحقق ذلك. وتصبح الحكومة قدوة يضرب بها المثل في التقشف الذي يلمسه الناس، يكون لها بعد ذلك أن تطالبهم بشد الأحزمة والالتزام بذات النهج الذي ارتضته لنفسها.
أثار أولئك الخبراء نقطتين أخريين، الأولى تتعلق بضرورة الحد من سفه الواردات التي أصبحت قوائمها تضم سلعا استفزازية لا حصر لها، لا يعقل أن يكون لها مكان في مجتمع يواجه أزمة. الثانية تتصل بإيرادات الصناديق الخاصة التي أنشأتها بعض الوزارات والمؤسسات العامة، وقدرت حصيلتها في السنة المالية الأخيرة بنحو 21 مليار جنيه. وقد رأوا أنها تمثل رصيدا مهولا ينبغي أن يستثمر لصالح التنمية، ولا يترك نهبا للعابثين وأصحاب الأهواء في كل قطاع. حيث لا رقيب ولا حسيب.
لابد أن يكون لأهل الاقتصاد كلام أكثر وربما أفضل مما ذكرت. ولذلك لن أستطرد فيه لأن ما عندي بخصوص المجتمع يستحق أن نفكر فيه جيدا.
(4)
كنت قد وقعت على فتوى لإمام الحرمين عبدالملك الجويني في كتابه «غياث الأمم» قال فيها إن ولي الأمر إذا اعتزم أداء فريضة الحج، وأدى ذلك لتعطيل مصالح الخلق، فإن مراده يصبح «محرما على الحقيقة». وحين قرأت أن حكومة الثورة بحاجة إلى سيولة تقدر بنحو 2 مليار دولار لتلبية احتياجات السنة المالية الحالية (حتى شهر يونيو المقبل)، ووجدت أن المصريين يدفعون المبلغ ذاته كل سنة تقريبا لأداء العمرة وفريضة الحج، توجهت بالسؤال التالي إلى الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين: هل يجوز دعوة الراغبين في أداء العمرة أو الحج إلى توجيه المبالغ التي خصصوها لهذا الغرض لصالح صندوق يدعم اقتصاد البلد في الظروف الراهنة؟ وما مصير العمرة أو الحجة في هذه الحالة؟ وهل يدخل دعم اقتصاد البلد ضمن مصارف الزكاة التي يتعين على المسلمين الوفاء بها؟
هاتفيا وجهت إليه السؤال. وحين رد صغت إجابته وقرأتها عليه وأجازها. وكانت كالتالي: إذا حل ظرف طارئ ببلاد المسلمين عانت فيه من الشح في الموارد المالية، فلولي الأمر أن يقيد العمرة لأنها نافلة وليست فرضا، ويسري ذلك أيضا على حج التطوع الذي يعد نافلة بدوره (المسلم مكلف بحجة واحدة وما زاد على ذلك عد نافلة). والقيد هنا ينصب على الحالة التي يدفع فيها الراغب مالا للحج أو العمرة، ولا يشمل ما كان منها بالمجان. وإذا أودع المسلم حصته من المال في هذه الحالة بعد أن عقد نيته على السفر، فإن العمرة أو الحجة تحسب له. أما توجيه الزكاة لصالح إنقاذ اقتصاد البلد المسلم أو حتى تنميته والوفاء بحقوق أهله فذلك مما يعد في سبيل الله، الأمر الذي يدخل ضمن المصارف الشرعية المعتبرة.
هذه الفتوى المهمة إذا توافقت عليها المؤسسات الدينية ومجمع البحوث الإسلامية في المقدمة منها، فإنها يمكن أن تشكل إسهاما إيجابيا في مواجهة الأزمة، فضلا عن أنها تضع أيدينا على باب لاستثمار الطاقات الإيمانية لصالح المجتمع، يخرجنا من دوامة الشائعات والتلويحات الفجة التي تروج لتنفير الناس من القيم الدينية أو محاولة تشويهها وتوظيفها لتفكيك المجتمع والوقيعة بين مكوناته المختلفة.
خارج هذه الدائرة فليت خطابنا الإعلامي المشغول بالماضي وبتتبع تفاصيل حياة أركان النظام السابق في معتقلهم بسجن طرة، يصرف بعض اهتمامه نحو هدفين هما تعبئة الرأي العام لصالح إعادة تشغيل المصانع بطاقتها الطبيعية، بعد أن تراجعت إنتاجيتها بنسبة تجاوزت 40?، إلى جانب تراجع إنتاجية العمال أنفسهم، الأمر الذي بات يهدد بعض المصانع بالإغلاق. أما الأمر الثاني فهو ترشيد الاستهلاك الذي لم يعد يخضع لأي منطق في بعض الحالات. يكفي أن تعلم مثلا أن مصر أكبر دولة مستوردة للقمح في العالم (تستورد سنويا 6 ملايين طن بما يعادل 2 مليار دولار). وأن استهلاك المواطن المصري هو الأعلى أيضا في العالم، حيث تصل حصة الفرد إلى 130 كيلو جراما في العام، في حين أن المعدل في الدول النامية يتراوح بين 60 و70 كيلو جراما. وثمة كلام كثير حول تسريب الدقيق المدعوم إلى السوق السوداء التي لم تنجح محاولات القضاء عليها إلى الآن، وحول استخدام الخبز كعلف للماشية.
تلك مجرد نماذج لما ينبغي أن يستنفر لأجله المجتمع قبل أي تحرك خارجي. هذا إذا كنا جادين في مواجهة التحدي ومطالبة الناس بربط الأحزمة والتقشف. وهى مسؤولية ينبغي أن ينهض بها المجتمع المدني، الذي نسيه مثقفوها الذين يصرون على استمرار إشغالنا بالحرب بين الدولة المدنية والدولة الدينية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها، حدث ذلك مع الآلة الصناعية، ثم مع الحاسب الآلي، ثم مع الإنترنت، واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي. فمنذ أن أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع، امتلأت وسائل الإعلام بعناوين تتحدث عن اختفاء وظائف ومهن كاملة، وأصبح كثير من الموظفين يتساءلون: هل سيأتي يوم يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ لكن اللافت أن عدداً متزايداً من المحللين والخبراء الاقتصاديين يتفقون على أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيأخذ الوظائف، بل من سيكون أكثر قدرة على الاستفادة منه. فالتقارير الصادرة عن مؤسسات عالمية مثل ماكينزي وجولدمان ساكس وصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في عدد كبير من الوظائف الحالية، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء معظمها. بل إن الأثر الأكبر قد يتمثل في إعادة تشكيل طريقة العمل ورفع الإنتاجية وتغيير المهارات التي ستحدد الفائزين في سوق العمل خلال السنوات المقبلة. لقد علمنا التاريخ أن التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى الإنسان، بل تغير طبيعة مساهمته في الاقتصاد، فعندما انتشرت الحواسيب في الثمانينيات والتسعينيات، سادت مخاوف من اختفاء عدد كبير من الوظائف المكتبية. وعندما ظهر الإنترنت، توقع البعض أن تتراجع قطاعات بأكملها. لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً؛ فقد بقيت الوظائف، إلا أن العاملين فيها اضطروا إلى اكتساب مهارات جديدة للتكيف مع البيئة الجديدة. واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه. لنتخيل موظفين يمتلكان المؤهل العلمي ذاته والخبرة نفسها، أحدهما يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وتحليل البيانات وإعداد التقارير، بينما يصر الآخر على الاعتماد على الأساليب التقليدية فقط. بعد فترة من الزمن سيصبح الفرق بينهما واضحاً في سرعة الإنجاز، وجودة المخرجات، والقدرة على التعامل مع حجم أكبر من الأعمال. وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي يتحدث عنها كثير من المحللين. فالمنافسة المقبلة قد لا تكون بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يستفيد من الذكاء الاصطناعي وإنسان يختار تجاهله. وتؤكد شركة ماكينزي في عدد من دراساتها أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في استبدال الموظفين، بل في تمكينهم من أداء أعمالهم بكفاءة أعلى. كما يرى محللو جولدمان ساكس أن هذه التقنية قد تسهم في رفع الإنتاجية الاقتصادية العالمية بصورة ملموسة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات الضخمة التي تتدفق اليوم نحو هذا القطاع. ولا يقتصر الأمر على قطاع معين. ففي المحاسبة والتمويل تساعد هذه الأدوات على تحليل كميات ضخمة من البيانات خلال وقت قصير. وفي القانون تساهم في مراجعة الوثائق والعقود. وفي القطاع العقاري أصبحت تساعد على دراسة الأسواق وتحليل الاتجاهات وتقييم الفرص الاستثمارية. أما في التعليم والإعلام والإدارة، فالقائمة تطول يوماً بعد يوم. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيستبدل الإنسان بالكامل يبدو مبالغاً فيه. فما زالت هناك أمور يصعب على الآلة القيام بها بالكفاءة نفسها، مثل القيادة، واتخاذ القرارات المعقدة، وفهم العلاقات الإنسانية، والتفاوض، وتحمل المسؤولية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم معلومات واقتراحات، لكنه لا يتحمل نتائج القرار ولا يمتلك الخبرة الإنسانية المتراكمة التي يحتاجها كثير من المواقف. ومن هنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي فجوة المهارات. ففي الماضي كانت الفجوة الأساسية بين المتعلم وغير المتعلم، أما اليوم فقد بدأت تتشكل فجوة جديدة بين من يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي ومن لا يعرف ذلك. ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تغيراً كبيراً في المهارات المطلوبة في سوق العمل، وأن التعلم المستمر والتكيف مع التقنيات الجديدة سيصبحان من أهم عوامل النجاح المهني. كما حذر صندوق النقد الدولي من أن المؤسسات والدول التي تتأخر في تبني هذه التقنيات قد تواجه فجوة متزايدة في الإنتاجية مقارنة بمنافسيها. هذا لا يعني أن جميع الوظائف ستكون بمنأى عن التأثير. فبعض الأعمال الروتينية والمتكررة قد تشهد تراجعاً خلال السنوات المقبلة، خصوصاً تلك التي تعتمد على إدخال البيانات أو معالجة المعلومات بصورة نمطية. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن التكنولوجيا لا تلغي وظائف بقدر ما تعيد تشكيلها، وتخلق في المقابل فرصاً جديدة لم تكن موجودة من قبل. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما الذي سيحدث بعد عشر سنوات، بل ما الذي يمكن أن نفعله من الآن. فالتعرف على أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها في العمل اليومي لم يعد رفاهية تقنية، بل قد يصبح خلال سنوات قليلة جزءاً من المهارات الأساسية المطلوبة في معظم المهن. لقد أثبت التاريخ أن التكنولوجيا لا تكافئ الأقوى، بل تكافئ الأسرع في التكيف معها. وكما تجاوز مستخدم الحاسب الآلي من تمسك بالآلة الكاتبة، وكما تفوق من أتقن الإنترنت على من تجاهله، فإن الفائز في سوق العمل خلال السنوات القادمة لن يكون بالضرورة الأكثر خبرة أو الأعلى شهادة، بل الأكثر قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجيته وتعزيز قيمته. ولذلك، قد لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ بل: ماذا أفعل اليوم حتى لا يأخذها شخص يستخدمه أفضل مني؟. باحث اقتصادي
2655
| 10 يونيو 2026
يخوض أولياء الأمور خلال العام الدراسي سباقاً متواصلاً مع الزمن والميزانيات من أجل تأمين أفضل مستقبل لأبنائهم، فيبحثون عن المدارس المتميزة، ويتحملون أعباء الرسوم المرتفعة ويتابعون التحصيل الدراسي بدقة أملاً في بناء جيل واعٍ ومتفوق غير أن المفارقة التي تتكرر مع بداية الإجازة الصيفية تكمن في أن كثيراً من الأسر تتراجع فجأة عن دورها التربوي والتوجيهي وكأن المهمة قد انتهت بمجرد إغلاق أبواب المدارس فيُترك الأبناء لفراغ طويل بلا تخطيط ولا رقابة حقيقية تحت شعار منحهم الراحة بعد عناء الدراسة، بينما الحقيقة أن هذا الفراغ يتحول سريعاً إلى بيئة خصبة لإهدار ما تم بناؤه طوال العام. فالمشكلة الكبرى في عصرنا لم تعد نقصاً في المعرفة بل أصبحت أزمة إدمان رقمي يسيطر على عقول الأبناء من خلال الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي التي تبتلع الوقت والانتباه وتدمر التركيز، وخلال الدراسة يكون الطالب محكوماً بجدول يومي يحد من هذا الانغماس، أما في الصيف فإن غياب النظام يمنح الشاشات فرصة كاملة للهيمنة على حياته. وعندما تبتعد الأسرة من دورها التوجيهي فإن الخوارزميات تتولى التربية فتغرس في الأبناء العزلة والخمول والتشتت وتستبدل القيم والانضباط بمحتويات سريعة ومشتتة تؤثر في الأخلاق والسلوك والهوية ومع مرور الأيام يتحول الطفل من إنسان نشيط متعلم إلى مستهلك سلبي يقضي ساعات طويلة أمام شاشة لا تضيف لعقله ولا لشخصيته شيئاً نافعاً بل تدمر أفكاره وأخلاقه. ومن الأخطاء التربوية الشائعة الاعتقاد بأن التربية مرتبطة فقط بالمدرسة بينما الحقيقة أن الإجازة الصيفية تمثل الاختبار الأهم للأسرة، ففي المدرسة يجد الطالب من يوجهه ويراقبه وينظم وقته، أما في الصيف فإنه يواجه فراغاً مستمراً يحتاج إلى إدارة واعية، وقد أثبت كثير من الدراسات السلوكية أن ما يتم بناؤه خلال أشهر الدراسة يُهدم سريعاً خلال أسابيع من الإهمال والسهر والإفراط في استخدام الأجهزة الذكية، لذلك لا ينبغي النظر إلى الصيف على أنه موسم للنوم والتراخي بل فرصة حقيقية لاكتشاف المواهب وتنمية المهارات وبناء الشخصية بصورة أعمق بعيداً عن ضغط الاختبارات والواجبات المدرسية. ومن هنا تأتي أهمية البدائل العملية التي تشغل وقت الأبناء بما ينفعهم فالأندية الرياضية والمراكز الشبابية والأنشطة الحركية تمنح الجسد نشاطاً وصحة وتبعد الأبناء عن الخمول، كما أن المراكز الصيفية والدورات التدريبية في اللغات والبرمجة والمهارات الإبداعية تسهم في توسيع المدارك وتنمية التفكير بينما تساعد مراكز بناء الشخصية والأنشطة الجماعية على تعزيز الثقة بالنفس وتنمية روح التعاون وتحمل المسؤولية، وهي بدائل أكثر تأثيراً من مجرد المنع أو الحرمان لأن النفس إن لم تُشغل بالنافع انجرفت نحو الضار. إن الاستثمار الحقيقي في الأبناء لا يتوقف عند دفع الرسوم الدراسية المكلفة أو اختيار المدرسة المناسبة بل يمتد إلى حسن إدارة أوقاتهم في الإجازات فالتربية عملية مستمرة لا تعرف التوقف، والصيف قد يكون فرصة عظيمة لصناعة شخصية قوية وواعية إذا أحسن الوالدان استثماره وقد يتحول في المقابل إلى بوابة للهدم والتراجع إذا تُرك الأبناء أسرى للفراغ والشاشات لذلك فإن حماية عقول الأبناء من إدمان العصر تبدأ من قرار أسري واعٍ يملأ أوقاتهم بالعلم والنشاط والتجارب المفيدة قبل أن يملأها غيرهم بما يفسد عقولهم ويبدد مستقبلهم.
2595
| 09 يونيو 2026
السؤال مهم، ولا بد من التفكير في إيجاد إجابة أو إجابات عملية له من قبل الخبراء وأهل الاختصاص الذين لديهم القدرة على التحليل والتفكير للوصول إلى حلول مفيدة لأوطانهم وشعوبهم على المديين القريب والبعيد، فلا يعقل أن تظل دولنا الخليجية رهينة لهذا التهديد الذي يتم استخدامه ضدها في كل خلاف في المنطقة، وكما يرى الجميع فإنه في كل مرة تتصاعد فيها التوترات الإقليمية، يعود اسم مضيق هرمز إلى واجهة الأحداث باعتباره أحد أهم الممرات البحرية في العالم وأكثرها حساسية، ويكفي أن تلوح أي جهة بإمكانية تعطيل الملاحة فيه حتى ترتفع المخاوف العالمية بشأن أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية. ولذلك لا بد من تغيير السؤال الذي هو سائد حالياً والذي يركز على "كيف نحمي مضيق هرمز فقط؟"، بل لا بد أن يتم التركيز على كيفية التقليل من أهميته الاستراتيجية بحيث لا يصبح نقطة ضغط يمكن استخدامها كلما تصاعدت الخلافات أو الأزمات، والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن الجغرافيا ثابتة، بينما تتغير التحالفات والسياسات والمصالح، وقد أثبتت التجربة التي نشاهدها ونعيشها واقعاً ملموساً أمامنا اليوم، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن الاعتماد على ممر واحد لنقل الجزء الأكبر من صادرات الطاقة يمثل نقطة ضعف استراتيجية مهما كانت الضمانات الأمنية القائمة في أي مرحلة من المراحل. ومن هنا فإن التفكير المبدئي يقتضي العمل على إيجاد بدائل عملية تقلل من الاعتماد على المضيق دون أن تلغي أهميته الطبيعية كممر دولي حيوي سيبقى كما هو ممراً هاماً وحيوياً ما بقيت الجغرافيا على حالها، وعليه فإن أول هذه البدائل يتمثل في التوسع في شبكات الأنابيب البرية التي تربط حقول النفط والغاز بالموانئ الواقعة خارج الخليج العربي، سواء على بحر العرب أو البحر الأحمر أو غيرها من المنافذ البحرية، فكل برميل نفط أو شحنة غاز يمكن تصديرها بعيداً عن مضيق هرمز تعني تقليل حجم التأثير الذي قد ينتج عن أي اضطراب محتمل في الملاحة. كما أن تطوير الموانئ وشبكات النقل والخدمات اللوجستية الخليجية بصورة تكاملية، وليس بصورة منفردة، سيمنح دول المنطقة مرونة أكبر في مواجهة أي تحديات مستقبلية، فالمعادلة لم تعد تقوم على قدرات كل دولة بمفردها، وإنما على قدرة المنظومة الخليجية ككل على العمل كوحدة اقتصادية وأمنية متماسكة وموحدة، والتجربة أثبتت أنه لا بد من التعامل مع المخاطر الخارجية بكل صورها وأنواعها، ويجب التعامل معها بروح الفريق الواحد والجسد والكيان الواحد. وهنا نصل إلى النقطة الأهم، وهي أن أي أفكار لتقليل أهمية مضيق هرمز لا يمكن أن تنجح ما لم تسبقها وحدة حقيقية في الرؤية والأهداف بين دول الخليج العربية، فالتحديات المشتركة لا يمكن التعامل معها بسياسات متفرقة أو حسابات ضيقة، بل تحتاج إلى تنسيق استراتيجي طويل المدى يتجاوز ردود الأفعال المؤقتة. فالمطلوب ليس فقط تعزيز التعاون الأمني، بل بناء تصورات خليجية موحدة لأمن الطاقة والممرات البحرية والتجارة الدولية، بحيث تجعل أي محاولة لتهديد حرية الملاحة عملاً غير مجدٍ من الناحية السياسية أو الاقتصادية، وتؤكد أن أمن الممرات البحرية مسؤولية جماعية ومصلحة مشتركة لجميع دول المنطقة. كما أن هذه الاستراتيجية يجب أن تنطلق من افتراض واقعي، وهو أن التحالفات والمصالح والعلاقات الدولية تتغير باستمرار، فالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة قد يبقى على مستواه الحالي أو يتقلص أو يتغير شكله أو حتى ينتهي في مرحلة من المراحل، وفي عالم يشهد تحولات متسارعة في موازين القوى، لا يمكن بناء الخطط الاستراتيجية على افتراضات ثابتة بشأن دور أي قوة خارجية، أما الجغرافيا فهي الحقيقة الوحيدة التي ستبقى كما هي، ولذلك فإن بناء عناصر القوة الذاتية والتكامل الخليجي يصبح ضرورة استراتيجية لا خياراً سياسياً مؤقتاً. إن تقليل أهمية مضيق هرمز لا يعني الاستغناء عنه، فذلك غير ممكن عملياً، لكنه يعني تقليل القدرة على استخدامه كورقة ضغط أو مصدر قلق دائم، وهذا الهدف لا يتحقق بالشعارات، بل بالاستثمار في البدائل، وتعزيز التكامل الخليجي، وتوحيد الرؤية الاستراتيجية، وبناء منظومة إقليمية قادرة على حماية مصالحها بنفسها في عالم تتغير فيه التحالفات، بينما تبقى الجغرافيا ثابتة لا تتغير. ولذلك فإن أول خطوة على الطريق هي أن تتفق دول الخليج على أن أمنها الاستراتيجي موحد، وأن مستقبلها الاقتصادي مترابط، وأن مواجهة التحديات الكبرى تتطلب موقفاً موحداً ورؤية بعيدة المدى. فعندما تتوحد الأهداف، تصبح التحديات مهما كبرت أكثر قابلية للإدارة والاحتواء، وتتحول نقاط الضعف إلى عناصر قوة واستقرار.
1110
| 07 يونيو 2026