رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تنتظر الدول الغربية فيما يبدو تصديق البرلمان الليبي الشرعي على حكومة فايز السراج التي كان يفترض بها أن تكون هي من يطلب من القوى الدولية التدخل لمساعدتها على القضاء على تنظيم «داعش» الإرهابي وعلى استعادة السيطرة على الوضع الأمني المنفلت في ليبيا، حتى شنت الطائرات الأمريكية قبل أسبوع غارة جوية على منزل كان يجتمع فيه عناصر لـ«داعش» في مدينة صبراتة (على بعد 70 كلم غرب العاصمة الليبية طرابلس) تجمع فيه عشرات الأشخاص الذين يرجح انتماؤهم إلى تنظيم «داعش»، ومن بينهم رؤوس دبرت لهجومي باردو وسوسة في تونس العام الماضي، مما أسفر عن مقتل 50عنصرا من التنظيم، غالبيتهم من التونسيين.
وكانت قد تواترت منذ أسابيع المعلومات حول بحث الدول الكبرى احتمالات التدخل عسكريا في ليبيا لوقف تصاعد خطر تنظيم «داعش» الذي يسيطر على مدينة سرت على بعد 450 كلم شرق طرابلس.
وتسعى الأمم المتحدة إلى توحيد السلطات المتنازعة في ليبيا في حكومة وفاق وطني تتولى مواجهة تنظيم «داعش» والجماعات المتشددة الأخرى وبينها جماعة «أنصار الشريعة» القريبة من تنظيم «القاعدة».
يذكر أن منفذي الاعتداءات الإرهابية التي ضربت تونس (متحف باردو وسوسة وشارع محمد الخامس بالعاصمة) خلال الفترة الأخيرة، كانوا قد تدربوا في معسكرات في صبراتة التي شهدت خلال الأشهر الماضية أحداثا أمنية عديدة شملت عمليات خطف وتفجير.
وليست هذه المرّة الأولى التي تتعرض فيها مناطق ليبية إلى قصف جوي، لاسيَّما من قبل طائرات من دون طيار مجهولة بما كان يفتح التكهنات في كل مرّة على أكثر من قراءة حول الطرف أو الأطراف المسؤولة عن ذلك، لكن الغارة الأمريكية الأخيرة على معسكر تابع لتنظيم«دلعش» في صبراتة تشكل تحولاً نوعياً في مسار الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي أعلنت عن مسؤوليتها، متجاهلة كل الدعوات التي أطلقها رئيس الجهورية التونسية السيد الباجي قائد السبسي والعديد من المسؤولين التونسيين والجزائريين، الرافضة للتدخل العسكري الدولي في ليبيا، خوفاً من الحرب في هذا البلد العربي، التي قد يصعب التكهن بما ستحمله في طياتها من تداعيات أو حسابات ومخاطر تتجاوز حتما حدود الأعباء المادية الكبيرة التي يتعين على تونس تحملها في حالة تدفق اللاجئين إليها، وهي أعباء ثقيلة لا يستهان بها ولكن مقدور عليها إزاء ما هو أخطر وما يستوجب الاستعداد له لصد الشبكات الإرهابية والخلايا النائمة التابعة للتنظيم الإرهابي وشل حركتها قبل أن تلجأ إلى حرق الأخضر واليابس في حال استشعرت الخطر بعد تضييق الخناق من حولها.
وجاءت هذه الغارة الأمريكية إثر عمل استخباراتي دقيق وبعد رصد عبر الأقمار الاصطناعية لتحركات هذه المجموعة المنتمية لتنظيم «داعش»، من خلال هواتفهم الجوالة، وبعد تزايد الترجيحات في الآونة الأخيرة بقرب استهداف «الناتو» لمواقع «داعش» داخل ليبيا.
وأعادت هذه العملية على معسكر في صبراتة إلى الواجهة حقيقة خطورة الإرهابيين التونسيين المتواجدين في التراب الليبي على الأمن القومي التونسي، لاسيَّما وأن بعض الصور التي بثتها وسائل إعلام ليبية تظهر عبارة «ولاية تونس» على غرار «ولاية سيناء» في مصر، و«ولاية الحسكة» في سوريا، وغيرها من المناطق التي يسيطر عليها تنظيم «داعش» الإرهابي.
يعتبر العديد من المحللين في الشأن الليبي أن هذه العملية تمثل رسالة واضحة من الولايات المتحدة الأمريكية للدول التي مازالت مترددة بشأن التدخل العسكري في ليبيا، رسالة مفادها أن الاستهداف سيكون دقيقا ولن يطال المدنيين والأبرياء، مؤكدا أن عمليات القصف الجوي ستتواصل ضدّ «داعش » في ليبيا. ويجد الموقف التونسي الرسمي الرافض لأي تدخل عسكري في ليبيا نفسه في إحراجات لحسابات الربح والخسارة بالنظر إلى موقع تونس الجغرافي الذي يجعلها الأكثر عرضة للخطر، ولكن أيضا بالنظر إلى عدد العناصر الجهادية المنحدرة من أصول تونسية والتي باتت مند فترة مصدر انشغال حقيقي لأمن البلاد، بعد تواتر التقارير الأممية عن ظاهرة انضمام شبان تونسيين إلى تنظيم «داعش» الإرهابي سواء في العراق أو سوريا أو ليبيا، وهو رقم جعل تونس تتصدر ترتيب بقية دول المنطقة وتتحول بالتالي إلى مصنع لتفريخ «الدواعش»، رغم أنها ظلت حتى الآن النموذج الأقل ارتباكًا والأكثر نجاحًا على مسار الانتقال الديمقراطي.
ومن منظور الرسالة التي يمكن قراءتها في غارة صبراتة الأخيرة، فجر الجمعة الماضي، والدقة التي تمت بها العملية الجوية في تحديد أهدافها وعدم التسبب في أي خسائر خارج ذلك الهدف، فهي رسالة موجهة بالدرجة الأولى إلى دول جوار ليبيا، المعنية عن إعلان موقفها الرافض للضربات العسكرية في ليبيا، وهو الموقف الذي تشترك فيه حتى الآن تونس والجزائر ومصر والمغرب، وهي التي تضررت من استهداف التنظيم لمصالحها وأمنها ومحاولاته المتكررة لتهريب السلاح إلى أراضيها. ثم إن دقة العملية في استهداف الموقع قد يدفع دول الجوار إلى التسليم بهذا الخيار في توجيه الضربات العسكرية والذي يعتقد أنه «الخطة ب» التي اعتمدها البنتاجون بعد رفض الكونجرس التورط في عملية واسعة في ليبيا.
ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية قبل بضعة أيام عن المسؤولين الأمريكيين، الذين لم تسمهم، قولهم إن إيطاليا سمحت في هدوء للطائرات الأمريكية دون طيار بالانطلاق من قاعدة جوية في صقلية للقيام بعمليات ضد «داعش» في ليبيا وشمال إفريقيا.
وقال المسؤولون الأمريكيون إن هذه الموافقة تعتبر إنجازًا لواشنطن بعد أكثر من عام من المفاوضات.
وجاءت الغارة على خلفية تعهدات الرئيس الأمريكي باراك أوباما مؤخرا بعدم تمدد «داعش» في ليبيا، بعد أن تزايدت الاتهامات الأمريكية للرئيس أوباما بالضعف والتردد في مواجهة مخاطر التنظيم الإرهابي.
ورغم أن أوباما في نهاية ولايته الثانية والأخيرة، فإن الاتهامات ستلاحق الديمقراطيين، وقد أصدر نائب الرئيس الأمريكي السابق ديك تشيني كتابًا انتقد فيه تراجع الدور الأمريكي في قيادة العالم والسياسة الخارجية للرئيس أوباما، إذ يعتبر تشيني أن تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية والنجاحات العسكرية منذ إدارة فرانكلين روزفلت، ودور الولايات المتحدة منذ تلك الفترة بأنه دور«استثنائي» في الدفاع عن الحرية على مستوى العالم، ويرى أن القوة الأمريكية المعهودة في العالم قد تراجعت في عهد إدارة أوباما بما أدى إلى زيادة التهديدات الموجهة للأمن القومي الأمريكي، بل إن فشله في إدارة العديد من ملفات السياسة الخارجية بسبب اتباعه «مبدأ استرضاء الخصوم، والتخلي عن الحلفاء»، قوض الدور والتأثير الأمريكيين في التطورات التي تحدث في العالم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها، حدث ذلك مع الآلة الصناعية، ثم مع الحاسب الآلي، ثم مع الإنترنت، واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي. فمنذ أن أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع، امتلأت وسائل الإعلام بعناوين تتحدث عن اختفاء وظائف ومهن كاملة، وأصبح كثير من الموظفين يتساءلون: هل سيأتي يوم يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ لكن اللافت أن عدداً متزايداً من المحللين والخبراء الاقتصاديين يتفقون على أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيأخذ الوظائف، بل من سيكون أكثر قدرة على الاستفادة منه. فالتقارير الصادرة عن مؤسسات عالمية مثل ماكينزي وجولدمان ساكس وصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في عدد كبير من الوظائف الحالية، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء معظمها. بل إن الأثر الأكبر قد يتمثل في إعادة تشكيل طريقة العمل ورفع الإنتاجية وتغيير المهارات التي ستحدد الفائزين في سوق العمل خلال السنوات المقبلة. لقد علمنا التاريخ أن التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى الإنسان، بل تغير طبيعة مساهمته في الاقتصاد، فعندما انتشرت الحواسيب في الثمانينيات والتسعينيات، سادت مخاوف من اختفاء عدد كبير من الوظائف المكتبية. وعندما ظهر الإنترنت، توقع البعض أن تتراجع قطاعات بأكملها. لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً؛ فقد بقيت الوظائف، إلا أن العاملين فيها اضطروا إلى اكتساب مهارات جديدة للتكيف مع البيئة الجديدة. واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه. لنتخيل موظفين يمتلكان المؤهل العلمي ذاته والخبرة نفسها، أحدهما يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وتحليل البيانات وإعداد التقارير، بينما يصر الآخر على الاعتماد على الأساليب التقليدية فقط. بعد فترة من الزمن سيصبح الفرق بينهما واضحاً في سرعة الإنجاز، وجودة المخرجات، والقدرة على التعامل مع حجم أكبر من الأعمال. وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي يتحدث عنها كثير من المحللين. فالمنافسة المقبلة قد لا تكون بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يستفيد من الذكاء الاصطناعي وإنسان يختار تجاهله. وتؤكد شركة ماكينزي في عدد من دراساتها أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في استبدال الموظفين، بل في تمكينهم من أداء أعمالهم بكفاءة أعلى. كما يرى محللو جولدمان ساكس أن هذه التقنية قد تسهم في رفع الإنتاجية الاقتصادية العالمية بصورة ملموسة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات الضخمة التي تتدفق اليوم نحو هذا القطاع. ولا يقتصر الأمر على قطاع معين. ففي المحاسبة والتمويل تساعد هذه الأدوات على تحليل كميات ضخمة من البيانات خلال وقت قصير. وفي القانون تساهم في مراجعة الوثائق والعقود. وفي القطاع العقاري أصبحت تساعد على دراسة الأسواق وتحليل الاتجاهات وتقييم الفرص الاستثمارية. أما في التعليم والإعلام والإدارة، فالقائمة تطول يوماً بعد يوم. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيستبدل الإنسان بالكامل يبدو مبالغاً فيه. فما زالت هناك أمور يصعب على الآلة القيام بها بالكفاءة نفسها، مثل القيادة، واتخاذ القرارات المعقدة، وفهم العلاقات الإنسانية، والتفاوض، وتحمل المسؤولية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم معلومات واقتراحات، لكنه لا يتحمل نتائج القرار ولا يمتلك الخبرة الإنسانية المتراكمة التي يحتاجها كثير من المواقف. ومن هنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي فجوة المهارات. ففي الماضي كانت الفجوة الأساسية بين المتعلم وغير المتعلم، أما اليوم فقد بدأت تتشكل فجوة جديدة بين من يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي ومن لا يعرف ذلك. ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تغيراً كبيراً في المهارات المطلوبة في سوق العمل، وأن التعلم المستمر والتكيف مع التقنيات الجديدة سيصبحان من أهم عوامل النجاح المهني. كما حذر صندوق النقد الدولي من أن المؤسسات والدول التي تتأخر في تبني هذه التقنيات قد تواجه فجوة متزايدة في الإنتاجية مقارنة بمنافسيها. هذا لا يعني أن جميع الوظائف ستكون بمنأى عن التأثير. فبعض الأعمال الروتينية والمتكررة قد تشهد تراجعاً خلال السنوات المقبلة، خصوصاً تلك التي تعتمد على إدخال البيانات أو معالجة المعلومات بصورة نمطية. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن التكنولوجيا لا تلغي وظائف بقدر ما تعيد تشكيلها، وتخلق في المقابل فرصاً جديدة لم تكن موجودة من قبل. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما الذي سيحدث بعد عشر سنوات، بل ما الذي يمكن أن نفعله من الآن. فالتعرف على أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها في العمل اليومي لم يعد رفاهية تقنية، بل قد يصبح خلال سنوات قليلة جزءاً من المهارات الأساسية المطلوبة في معظم المهن. لقد أثبت التاريخ أن التكنولوجيا لا تكافئ الأقوى، بل تكافئ الأسرع في التكيف معها. وكما تجاوز مستخدم الحاسب الآلي من تمسك بالآلة الكاتبة، وكما تفوق من أتقن الإنترنت على من تجاهله، فإن الفائز في سوق العمل خلال السنوات القادمة لن يكون بالضرورة الأكثر خبرة أو الأعلى شهادة، بل الأكثر قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجيته وتعزيز قيمته. ولذلك، قد لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ بل: ماذا أفعل اليوم حتى لا يأخذها شخص يستخدمه أفضل مني؟. باحث اقتصادي
2820
| 10 يونيو 2026
يخوض أولياء الأمور خلال العام الدراسي سباقاً متواصلاً مع الزمن والميزانيات من أجل تأمين أفضل مستقبل لأبنائهم، فيبحثون عن المدارس المتميزة، ويتحملون أعباء الرسوم المرتفعة ويتابعون التحصيل الدراسي بدقة أملاً في بناء جيل واعٍ ومتفوق غير أن المفارقة التي تتكرر مع بداية الإجازة الصيفية تكمن في أن كثيراً من الأسر تتراجع فجأة عن دورها التربوي والتوجيهي وكأن المهمة قد انتهت بمجرد إغلاق أبواب المدارس فيُترك الأبناء لفراغ طويل بلا تخطيط ولا رقابة حقيقية تحت شعار منحهم الراحة بعد عناء الدراسة، بينما الحقيقة أن هذا الفراغ يتحول سريعاً إلى بيئة خصبة لإهدار ما تم بناؤه طوال العام. فالمشكلة الكبرى في عصرنا لم تعد نقصاً في المعرفة بل أصبحت أزمة إدمان رقمي يسيطر على عقول الأبناء من خلال الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي التي تبتلع الوقت والانتباه وتدمر التركيز، وخلال الدراسة يكون الطالب محكوماً بجدول يومي يحد من هذا الانغماس، أما في الصيف فإن غياب النظام يمنح الشاشات فرصة كاملة للهيمنة على حياته. وعندما تبتعد الأسرة من دورها التوجيهي فإن الخوارزميات تتولى التربية فتغرس في الأبناء العزلة والخمول والتشتت وتستبدل القيم والانضباط بمحتويات سريعة ومشتتة تؤثر في الأخلاق والسلوك والهوية ومع مرور الأيام يتحول الطفل من إنسان نشيط متعلم إلى مستهلك سلبي يقضي ساعات طويلة أمام شاشة لا تضيف لعقله ولا لشخصيته شيئاً نافعاً بل تدمر أفكاره وأخلاقه. ومن الأخطاء التربوية الشائعة الاعتقاد بأن التربية مرتبطة فقط بالمدرسة بينما الحقيقة أن الإجازة الصيفية تمثل الاختبار الأهم للأسرة، ففي المدرسة يجد الطالب من يوجهه ويراقبه وينظم وقته، أما في الصيف فإنه يواجه فراغاً مستمراً يحتاج إلى إدارة واعية، وقد أثبت كثير من الدراسات السلوكية أن ما يتم بناؤه خلال أشهر الدراسة يُهدم سريعاً خلال أسابيع من الإهمال والسهر والإفراط في استخدام الأجهزة الذكية، لذلك لا ينبغي النظر إلى الصيف على أنه موسم للنوم والتراخي بل فرصة حقيقية لاكتشاف المواهب وتنمية المهارات وبناء الشخصية بصورة أعمق بعيداً عن ضغط الاختبارات والواجبات المدرسية. ومن هنا تأتي أهمية البدائل العملية التي تشغل وقت الأبناء بما ينفعهم فالأندية الرياضية والمراكز الشبابية والأنشطة الحركية تمنح الجسد نشاطاً وصحة وتبعد الأبناء عن الخمول، كما أن المراكز الصيفية والدورات التدريبية في اللغات والبرمجة والمهارات الإبداعية تسهم في توسيع المدارك وتنمية التفكير بينما تساعد مراكز بناء الشخصية والأنشطة الجماعية على تعزيز الثقة بالنفس وتنمية روح التعاون وتحمل المسؤولية، وهي بدائل أكثر تأثيراً من مجرد المنع أو الحرمان لأن النفس إن لم تُشغل بالنافع انجرفت نحو الضار. إن الاستثمار الحقيقي في الأبناء لا يتوقف عند دفع الرسوم الدراسية المكلفة أو اختيار المدرسة المناسبة بل يمتد إلى حسن إدارة أوقاتهم في الإجازات فالتربية عملية مستمرة لا تعرف التوقف، والصيف قد يكون فرصة عظيمة لصناعة شخصية قوية وواعية إذا أحسن الوالدان استثماره وقد يتحول في المقابل إلى بوابة للهدم والتراجع إذا تُرك الأبناء أسرى للفراغ والشاشات لذلك فإن حماية عقول الأبناء من إدمان العصر تبدأ من قرار أسري واعٍ يملأ أوقاتهم بالعلم والنشاط والتجارب المفيدة قبل أن يملأها غيرهم بما يفسد عقولهم ويبدد مستقبلهم.
2607
| 09 يونيو 2026
السؤال مهم، ولا بد من التفكير في إيجاد إجابة أو إجابات عملية له من قبل الخبراء وأهل الاختصاص الذين لديهم القدرة على التحليل والتفكير للوصول إلى حلول مفيدة لأوطانهم وشعوبهم على المديين القريب والبعيد، فلا يعقل أن تظل دولنا الخليجية رهينة لهذا التهديد الذي يتم استخدامه ضدها في كل خلاف في المنطقة، وكما يرى الجميع فإنه في كل مرة تتصاعد فيها التوترات الإقليمية، يعود اسم مضيق هرمز إلى واجهة الأحداث باعتباره أحد أهم الممرات البحرية في العالم وأكثرها حساسية، ويكفي أن تلوح أي جهة بإمكانية تعطيل الملاحة فيه حتى ترتفع المخاوف العالمية بشأن أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية. ولذلك لا بد من تغيير السؤال الذي هو سائد حالياً والذي يركز على "كيف نحمي مضيق هرمز فقط؟"، بل لا بد أن يتم التركيز على كيفية التقليل من أهميته الاستراتيجية بحيث لا يصبح نقطة ضغط يمكن استخدامها كلما تصاعدت الخلافات أو الأزمات، والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن الجغرافيا ثابتة، بينما تتغير التحالفات والسياسات والمصالح، وقد أثبتت التجربة التي نشاهدها ونعيشها واقعاً ملموساً أمامنا اليوم، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن الاعتماد على ممر واحد لنقل الجزء الأكبر من صادرات الطاقة يمثل نقطة ضعف استراتيجية مهما كانت الضمانات الأمنية القائمة في أي مرحلة من المراحل. ومن هنا فإن التفكير المبدئي يقتضي العمل على إيجاد بدائل عملية تقلل من الاعتماد على المضيق دون أن تلغي أهميته الطبيعية كممر دولي حيوي سيبقى كما هو ممراً هاماً وحيوياً ما بقيت الجغرافيا على حالها، وعليه فإن أول هذه البدائل يتمثل في التوسع في شبكات الأنابيب البرية التي تربط حقول النفط والغاز بالموانئ الواقعة خارج الخليج العربي، سواء على بحر العرب أو البحر الأحمر أو غيرها من المنافذ البحرية، فكل برميل نفط أو شحنة غاز يمكن تصديرها بعيداً عن مضيق هرمز تعني تقليل حجم التأثير الذي قد ينتج عن أي اضطراب محتمل في الملاحة. كما أن تطوير الموانئ وشبكات النقل والخدمات اللوجستية الخليجية بصورة تكاملية، وليس بصورة منفردة، سيمنح دول المنطقة مرونة أكبر في مواجهة أي تحديات مستقبلية، فالمعادلة لم تعد تقوم على قدرات كل دولة بمفردها، وإنما على قدرة المنظومة الخليجية ككل على العمل كوحدة اقتصادية وأمنية متماسكة وموحدة، والتجربة أثبتت أنه لا بد من التعامل مع المخاطر الخارجية بكل صورها وأنواعها، ويجب التعامل معها بروح الفريق الواحد والجسد والكيان الواحد. وهنا نصل إلى النقطة الأهم، وهي أن أي أفكار لتقليل أهمية مضيق هرمز لا يمكن أن تنجح ما لم تسبقها وحدة حقيقية في الرؤية والأهداف بين دول الخليج العربية، فالتحديات المشتركة لا يمكن التعامل معها بسياسات متفرقة أو حسابات ضيقة، بل تحتاج إلى تنسيق استراتيجي طويل المدى يتجاوز ردود الأفعال المؤقتة. فالمطلوب ليس فقط تعزيز التعاون الأمني، بل بناء تصورات خليجية موحدة لأمن الطاقة والممرات البحرية والتجارة الدولية، بحيث تجعل أي محاولة لتهديد حرية الملاحة عملاً غير مجدٍ من الناحية السياسية أو الاقتصادية، وتؤكد أن أمن الممرات البحرية مسؤولية جماعية ومصلحة مشتركة لجميع دول المنطقة. كما أن هذه الاستراتيجية يجب أن تنطلق من افتراض واقعي، وهو أن التحالفات والمصالح والعلاقات الدولية تتغير باستمرار، فالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة قد يبقى على مستواه الحالي أو يتقلص أو يتغير شكله أو حتى ينتهي في مرحلة من المراحل، وفي عالم يشهد تحولات متسارعة في موازين القوى، لا يمكن بناء الخطط الاستراتيجية على افتراضات ثابتة بشأن دور أي قوة خارجية، أما الجغرافيا فهي الحقيقة الوحيدة التي ستبقى كما هي، ولذلك فإن بناء عناصر القوة الذاتية والتكامل الخليجي يصبح ضرورة استراتيجية لا خياراً سياسياً مؤقتاً. إن تقليل أهمية مضيق هرمز لا يعني الاستغناء عنه، فذلك غير ممكن عملياً، لكنه يعني تقليل القدرة على استخدامه كورقة ضغط أو مصدر قلق دائم، وهذا الهدف لا يتحقق بالشعارات، بل بالاستثمار في البدائل، وتعزيز التكامل الخليجي، وتوحيد الرؤية الاستراتيجية، وبناء منظومة إقليمية قادرة على حماية مصالحها بنفسها في عالم تتغير فيه التحالفات، بينما تبقى الجغرافيا ثابتة لا تتغير. ولذلك فإن أول خطوة على الطريق هي أن تتفق دول الخليج على أن أمنها الاستراتيجي موحد، وأن مستقبلها الاقتصادي مترابط، وأن مواجهة التحديات الكبرى تتطلب موقفاً موحداً ورؤية بعيدة المدى. فعندما تتوحد الأهداف، تصبح التحديات مهما كبرت أكثر قابلية للإدارة والاحتواء، وتتحول نقاط الضعف إلى عناصر قوة واستقرار.
1122
| 07 يونيو 2026