رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من المفارقات أنه بعد مضي خمس سنوات على ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، فإننا لم نعرف بعد إلى أين نحن ذاهبون، ولا ما هي أولويات التحديات التي نحن مقبلون عليها في العام الجديد؟
(١)
طوال الأسبوع الماضي كان مؤتمر معهد أبحاث الأمن القومي في إسرائيل يحاول في جلسات علنية الإجابة على السؤال: ما هي التحديات التي تواجه الدولة العبرية في العام الجديد الذي تلوح فيه مؤشرات «تغيير قواعد اللعبة؟» ــ (العبارة الأخيرة كانت عنوان دورة المؤتمر)أثارت الانتباه في مناقشات الإثنين (١٨/١) مداخلة رئيس أركان الجيش غادي أيزنكوت، الذي قدم لأول مرة طرحا مخالفا للموقف الرسمي للحكومة إزاء الاتفاق النووي مع إيران. إذ هون من شأن الاتفاق في الأجل المنظور. وكان من رأيه أن طهران تتجه للالتزام به. وأن موقفها الاستراتيجي لا يمضي باتجاه تطوير سلاح نووي. وإن لم تتنازل عن تطلعاتها كي تصبح دولة عظمى إقليميا. في اليوم التالي انتقد أطروحته نائب مدير معهد أبحاث الأمن القومي الكولونيل أودي ديكل حين تحدث عن الارتباك في الاتفاق على التحدي الأكبر لإسرائيل. دلل على ذلك بالإشارة إلى أن الجنرال أيزنكوت هوَن من شأن خطر إيران وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) واعتبر أن حزب الله هو الطرف الوحيد الذي يشكل تهديدا خطيرا لأمن إسرائيل. وفي الوقت ذاته ذكر أن التحدي الاستراتيجي والقضية المركزية الأكبر التي تهدد إسرائيل تتمثل في الجمود السياسي والفشل في التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية وأوضاع الأراضي المحتلة. وخلص ديكل إلى أن رؤية رئيس الأركان انطلقت من تقديره للتحدي العسكري. بالمقابل فإن آخرين مثل رئيس المعهد الجنرال عاموس يادلين ذكر أن الخطر الأكبر يكمن عمليا في استمرار المسعى الإيراني لإقامة محور «متطرف» يبدأ في إيران ويمر عبر العراق وسوريا وصولا إلى حزب الله في لبنان.
الرئيس الإسرائيلي روبي ريفلين في خطابه إلى المؤتمر يوم الإثنين اعتبر أن الخطر الأكبر على إسرائيل يتمثل في تغلغل تنظيم داعش في صفوف الفلسطينيين واستغلال أوضاع الفئات المهمشة منهم في تجنيدهم وحثهم على مهاجمة الدولة. وكان أيزنكوت وقبله وزير الأمن الإسرائيلي موشيه يعلون اعتبرا داعش ظاهرة عابرة. وأضاف أيزنكوت أن الخطوة الأولى في تصفية وجود داعش تتمثل في القضاء على فرعها فيما سمي «ولاية سيناء».
اشتركت في المناقشة وزيرة الخارجية السابقة تسيبي ليفني التي انتقدت سياسة الحكومة قائلة إنها باسم الأمن تبرر كل شيء وتخاطر بكل شيء، وذكرت أنها تواصل بناء المستوطنات في مواقع نائية لن تكون جزءا من إسرائيل في أي تسوية، ولكنها تستهدف بذلك بقاء اليمين في السلطة وتحديدا استمرار نتنياهو في موقعة كرئيس للحكومة. تحدث أيضا وزير الدفاع الأسبق موشيه ارتس الذي شكك في إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية مع الفلسطينيين في الوقت الراهن. لأن الرئيس أبومازن لا يقبل وإذا قبل فإنه لا يستطيع تسويق الاتفاق. أما مفاجأة المؤتمر فكانت كلمة وزير التعليم وزعيم «البيت اليهودى» نفتالي بينيت الذي قال إن إسرائيل فقدت عنصر المبادرة في السنوات الأخيرة وباتت تنجر وراء الأحداث والأطراف المحيطة بها. ذلك أنها رغم تطورها الفكري وتقدمها العسكري تعاني تحجر العقل السياسي. فهي لا تزال تستعد لحروب الماضي بينما يستعد أعداؤها للحروب المقبلة، ويواصل الجيران تطوير أنفسهم. ومما ذكره في هذا الصدد أن طائرات «إف ٣٥» المتطورة لم تعد قادرة على إخضاع ٥٠ مقاتلا من حماس.
(٢)
هذه اللقطات من المؤتمر الإسرائيلي عرضها تقرير نشرته صحيفة العربي «الجديد» في ٢٠/١ أعدته مراسلتها في الأرض المحتلة. وهى تقدم نموذجا لتشكيل الرؤية في بلد يعيش لحظة نادرة من الاسترخاء الاستراتيجى. إذ اطمأن إلى أن جريمته في فلسطين لم تعد تشغل العالم العربي، الذي بات غارقا في مشاكله إلى حد الانكفاء على ذاته مع فقدان بوصلة النظر إلى المستقبل. وهو ما يسوغ لنا أن نقول بأن أنظمة العالم العربي أصبحت تحارب في الداخل بأكثر مما تحارب في الخارج. كما أنها أصبحت مشغولة بالحاضر بأكثر من انشغالها بالمستقبل. ورغم أن تحديات كبرى أصبحت تتزاحم في الأفق، بحيث ما عادت تخطئها عين، فإننا لا نعرف أن الموضوع طرح للمناقشة على مستوى المسؤولين العرب بحيث سمعت فيه مختلف الآراء وطرحت فيه التصورات والحلول. وهو ما يجعلنا نقرر بأسى شديد أن العالم العربي لم يعد له عقل يديره ويرشده، الأمر الذي جعل مصائره تصنع في خارجه. تشهد بذلك الجهود التي تبذلها القوى الكبرى لحل المشكلات المعقدة في كل من ليبيا وسوريا واليمن.
عبرت عن ذلك صحيفة القدس العربي حين ذكر في ١٨/١ أن اللاعبين في المنطقة الآن هم: الإسرائيليون والروس والأمريكان والإيرانيون. ولم يكن ذلك تقديرا مبالغا فيه لأن القامات والأوزان العربية تراجعت بحيث أصبحت قاصرة عن الإسهام بشكل فاعل في صناعة المصير.
لقد شاءت المقادير أن يمر العالم العربي بأسوأ مراحله السياسية وأن يواجه في الوقت ذاته أكبر تحدياته المصيرية. إزاء ذلك فإنه لم يعد يستحق فقط أن يوصف بأنه العربي المريض، على غرار وصف رجل أوروبا المريض الذي أطلق على الدولة العثمانية في زمن انحطاطها وقبل اندثارها، ولكنه أيضا صار المبتلى والممتحن. فالحروب الأهلية صارت سمة للدولة العربية في مشرقها ومغربها، والذين نجوا من الحروب الأهلية روعهم انهيار أسعار النفط وبات بعضهم يتحدث الآن عن ترتيبات ما بعد البرميل الأخير. وفي هذه الأجواء انتعشت أحلام إسرائيل الاستيطانية، ودخلت إيران إلى الساحة متحللة من قيود الحظر، وقد مدت أذرعها في أربعة أقطار عربية وقرأنا لأحد الكتاب الإسرائيليين قوله إن حضورها في اليمن منذ عام ٢٠١٥ يعادل الحضور المصري هناك في عام ١٩٦٢.
يقبل عرب ٢٠١٦ على العام الجديد وبعضهم ذاهل ومصدوم من جراء انهيار أسعار النفط، والبعض الآخر قلق من تمدد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أو متحسب للعمليات الإرهابية والغارات الروسية. وحائر في كيفية التعامل مع إيران وما إذا كان ذلك التعامل يواجه التطلعات التوسعية، أم التغول المذهبى أم النزعات الفارسية. يحدث ذلك في حين يستمر نزيف الدم ويتواصل قتل البشر في سوريا والعراق واليمن وليبيا، وتتفاعل عوامل الغليان والانفجار في بقية أنحاء الوطن الكبير.
(٣)
المشهد في مصر ليس بعيدا عن تلك الأجواء، ولكنه جزء منها وإن اختلفت العناوين. ذلك أنني لا أعرف أن جهة ما في مصر أجرت حوارا مفتوحا مع الخبراء وأهل الاختصاص حول التحديات التي يواجهها البلد في العام الجديد. ولا يعالج تلك الثغرة أن تكون تلك المناقشات قد جرت في غرف مغلقة وبين نفر من أهل الثقة أو الأجهزة الأمنية. ولذلك يظل نظرنا إلى الموضوع في حدود التخمين والاجتهاد. في هذا الصدد أزعم أن التحدي الأكبر يتمثل في سد النهضة الإثيوبي الذي يفترض أن ينتهي بناؤه في العام القادم. ذلك أنه يثير مخاوف مكتومة تتجاوز بكثير الآثار المترتبة على انهيار أسعار النفط. فالسد يهدد الوجود أما هبوط أسعار النفط فإنه يهدد الرفاه. فضلا عن أن آثاره ليست عاجلة. في ذات الوقت فإن خطط التقشف المطروحة في دول الخليج لها انعكاساتها المباشرة على المعونات التي تقدم إلى مصر، المعول عليها في استقرار الأوضاع الاقتصادية. إضافة إلى أثرها على مصائر آلاف المصريين العاملين في دول الخليج الذين أصبحوا مهددين بالرحيل في أى وقت. وما عاد سرا أن مستقبل الوضع الاقتصادي الذي يلوح فيه شبح الأزمة لا يؤرق الإدارة السياسية المصرية فحسب، لكن له صداه المحسوس أيضا في رسائل بعض الدول الغربية والولايات المتحدة في المقدمة منها. وهو ما يعنى أن مصر في العام الجديد ستظل مستقرة للتعامل مع الأمن المائي، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية فضلا عن الأزمة السياسية المتمثلة في الانقسام الأهلي وانفراط عقد القوى الوطنية. ولئن تراجعت العمليات الإرهابية إلى حد كبير. وهو ما عبر عنه الرئيس عبد الفتاح السيسي حين أعلن أن مصر تحارب الإرهاب في واحد بالمائة من مساحة شبه جزيرة سيناء، إلا أن استمرار السياسة الأمنية يظل مصدرا آخر للتوتر يؤثر على الاستقرار المنشود. وهو أكثر ما يتجلى في انتهاكات حقوق الإنسان التي أصبحت وصمة يتسع نطاقها حينا بعد حين. وقد كان الظن أن السياسة سيرد لها الاعتبار في الآونة الأخيرة، إلا أن التدخلات الأمنية في الانتخابات التشريعية الأخيرة والصورة التي تابعناها في أداء مجلس النواب بددت ذلك الأمل، حتى عدنا إلى المراهنة على المستقبل البعيد وليس القريب.
(٤)
يبدو كئيبا هذا العام الجديد. تدل على ذلك القرائن التي أشرت إلى بعضها، وغيرها كثيرا مما لا يتسع له المقام أو المجال. قد نختلف في تقدير نسبة الكآبة في الكوب، سواء مثلت ربعه أو نصفه أو غير ذلك، إلا أنها موجودة ولا نستطيع أن نتجاهلها. لكن أخوف ما أخافه أن يدفعنا ذلك إلى اليأس. والانضمام إلى حملة ملاعنة الربيع العربي وسنينه أو الحنين إلى زمن تزوير الانتخابات والديكتاتورية المقنعة والفساد المستور.
استوقفتني في هذا الصدد مقالة نشرتها صحيفة «لوفيجارو» الفرنسية في ١٤/١ كتبها فرانسوا هيزبورج أحد خبراء الشؤون الاستراتيجية تطرق فيها إلى الأوضاع السائدة في العالم العربي في الوقت الراهن وقارنها بالخبرة التاريخية الأوروبية. إذ تحدث عما شهدته أوروبا خلال حرب الثلاثين عاما في بداية القرن السابع عشر (بين عامي ١٦١٨ و١٦٤٨) التي أشاعت الاقتتال والخراب والمجاعات في أوروبا. إذ بدأت حربا بين البروتستانت والكاثوليك (السنة والشيعة؟) وانتهت صراعا سياسيا على الحدود والنفوذ اشترك فيه الفرنسيون والألمان والإيطاليون والسويديون والإسبان وغيرهم (هبط خلالها سكان ألمانيا من عشرين مليونا إلى ثلاثة عشر مليونا ونصف المليون)ـ وبعدما غرقت أوروبا في الدماء خرجت من أنقاض الحرب الأمَتان الألمانية والفرنسية.
أشار الكاتب إلى أن الرياح التي هبت على العالم العربي في عام ٢٠١١ كانت متوقعة لأن التقارير التي تحدثت عن التنمية فيه والفجوة المتسعة بينه وبين العالم الخارجي على كل المستويات بينت أن أوضاعه السياسية والاجتماعية والاقتصادية لا يمكن أن تستمر على حالها. وهو ما يهدم مزاعم البعض الذين تبنوا سيناريو «المؤامرة» لتشويه انتفاضة العالم العربي خصوصا في مصر.
لقد حرص الكاتب على أن يحذر من التعجل في تقييم الوضع في العالم العربي تأثرا بالخيبات والصراعات التي عانت منها بعض أقطاره. ودعا إلى قراءة المشهد العربي من خلال استدعاء تلك الخبرة الأوروبية التي شهدتها القارة في القرن السابع عشر، وهو ما أؤيده وأشدد عليه، لكنني تمنيت ألا نستنسخ فظائع وقائع تلك الحرب، كما أنني استشعرت استياء من مدة الثلاثين عاما، لأن أمثالي لن يقدر لهم أن يشهدوا بزوغ حلم الأحياء. وأرجو أن يلمس الأحفاد بعض ثماره.
اقتباس
لقد شاءت المقادير أن يمر العالم العربي بأسوأ مراحله السياسية وأن يواجه في الوقت ذاته أكبر تحدياته المصيرية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8745
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3540
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3120
| 30 أكتوبر 2026