رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في فترة الخمسينيات من القرن الماضي سيطرت أنظمة الانقلابات الثورية الشمولية على أكثر بلاد الشرق الإسلامي وحقق المد الماركسىي امتدادا في نصف الكرة الأرضية، وارتبطت به أنظمة ومجتمعات دارت في فلكه وكانت تدين له بالولاء الأيديولوجي، والمسلمون الذين هاجروا إلى الغرب كان بينهم وبين أنظمة بلادهم صدامات بسبب انتماءاتهم الدينية والأيديولوجية، وقد كان من مصلحة الغرب أن يستقبل هؤلاء المهاجرين ويؤويهم ليحقق بذلك أكثر من هدف في وقت واحد.
1. فوجودهم في بلاده يقدم للغرب دعاية مجانية ويصوره كملاذ آمن للحريات ويكتسب بوجودهم مصداقية في دفاعه عن حقوق الإنسان.
2. كان هؤلاء يشكلون طليعة المعارضة السياسية والقوى المضادة للانقلابات التي تتبنى النظم الاشتراكية في بلدانهم الأصلية، لذلك رأى الغرب فرصة الاستفادة منهم كورقة ضغط سياسية في مواجهة الأنظمة التي تعاديه، وكذلك يمكن توظيف وجودهم في صراع الأيديولوجيات.
3. وجود هؤلاء في مجتمع الغرب، خصوصا التيار الحركي منهم يجعل نشاطهم تحت سمعه وبصره، ومن ثم يأمن شرهم ويعمل على ترويضهم بعكس ما إذا تولى هؤلاء السلطة في بلادهم وكانوا خارج حدود السيطرة، فربما يشكلون تهديدا لمصالحه في المنطقة.
4. كان الغرب يرى أن خصائص هؤلاء وهوياتهم الإسلامية المتفردة والمتميزة ستذوب بعد جيل أو جيلين ومن ثم تنمحي وتتلاشى تلك الخصائص وتتم في هدوء عملية الدمج والذوبان.
• هذه هي بعض الأهداف- فيما أراه ـ وراء ترحيب الغرب بالوجود الإسلامي في النصف الثاني من القرن الماضي، لكن الرياح تأتي بما تشتهي السفن، وأحيانا تأتي عكس ما تشتهي السفن، فقد سقط القطب الشيوعي وتحلل الاتحاد السوفيتي، وانحصر المد الماركسي الذي كانت أمريكا والغرب تخافه وتخشاه.
• في الجانب الآخر انكمشت دول عدم الانحياز وانفرد قطب واحد بزمام العالم وسقطت شعارات "الإمبريالية و"قوى الرجعية والتخلف" "والاستعمار" وما إلى ذلك من الشعارات، وقدمت أكثر الأنظمة التي كانت ثورية أوراق اعتمادها لتخدم في بلاط النظام العالمي الجديد بعدما أعلنت توبتها وتطهرها من رجس الماركسية والشيوعية، والتحقت بقاطرة الغرب نفسه وأضحت تأخذ عنه وتتلقى منه، وتحولت العلاقة من العداء لتكون سمنا على عسل، ومن ثم فلم يعد الوجود الإسلامي يستعمل كورقة للضغط على تلك الأنظمة.
• وبذلك سقطت المبررات الثلاثة: الأول والثاني والثالث من حسابات الغرب في التعامل مع الوجود الإسلامي في مجتمع المهجر.
• ثم إن فكرة الذوبان والتلاشي للمهاجرين المسلمين بعد جيل أو جيلين أو ثلاثة أجيال على الأكثر، كانت خاطئة، وكانت المفاجأة المذهلة أن أجيال الأخلاف نشأت أشد تمسكا بدينها وتماسكا في هوياتها، بل تحولت إلى جزء من النسيج الاجتماعي واللحمة الحضارية لمجتمعات الغرب وظهرت الخصوصيات أكثر فأكثر، وأضحت ظاهرة التمايز واضحة جلية، وبدلا من الذوبان والتلاشي كان التأثير المباشر في النسيج الاجتماعي الغربي، ومن ثم تم التداخل والمزج بين الديني والاجتماعي، حيث تزوج أبناء المسلمين من نساء غربيات وهؤلاء وجدن في الدين الإسلامي وتقاليد الشرق والتماسك الأسري ضالتهن فأسلمن وحسن إسلامهن، وارتبطت حركة التغيير الوجداني بحركة في تغيير المفاهيم والتصورات، صاحبها وأعقبها تغيير في السلوك والممارسة، الأمر الذي أضحى من المألوف أن ترى المرأة الأوروبية ترتدي الحجاب وتعتز وتفاخر به كخيار لها وكحق من حقوقها المدنية بجانب كونه واجبا دينيا لا يجوز لأحد أن يمنعها عنه، والأمر كذلك بالنسبة للرجال، حيث أصبح من المألوف أن ترى مسلما من أصل أوروبي هو الذي يجلس ليفاوض أو يحاور نيابة عن المسلمين في بعض المصالح الحكومية، ومن ثم سقط المبرر الرابع وجاءت الرياح على عكس ما تشتهي السفن.
• لكن اليمين المتطرف والذي تتنامى دعوته وتحتضنها بعض السياسات وبعض الأنظمة التي تستعمله ذراعا للضغط والسيطرة لم يُفَوِّتوا الفرصة طبعا، فقد اعتمدوا سياسة التخويف من الإسلام، وسعوْا في مجتمعات الغرب كله للتأكيد على أن الوجود الإسلامي يتمدد بسرعة خطيرة ويشكل عبئا على رفاهية الغرب ولا يضيف إليه شيئا جديدا، كما سعوا بكل الوسائل لتأزيم المواقف وصناعة الأزمات بين المسلمين وغيرهم وليسوقوا دليلا دامغا على أن المسلمين في الغرب شر كلهم، وأن وجودهم يشكل خطرا محتملا على المدى البعيد وحتى في القريب العاجل.
• كل هذه العوامل دفعت بالغرب إلى إعادة النظر في إستراتيجيته تجاه الوجود الإسلامي في مجتمع المهجر، ومن ثم كانت حالة التراجع في الحريات العامة وحالة الانتكاس في الحقوق المدنية، التي تمثلت وترجمت عنها ترسانة القوانين الجديدة التي تحد من حريات الناس وتحجم نشاطهم وتخول لأجهزة الأمن المختلفة وقف ومصادرة أي نشاط لمواطنيها تحت دعوى محاربة التطرف وتجفيف منابعه.
• ورغم قدرة بعض مراكز القرار في الغرب ومعهم اليمين المتطرف وبراعتهم في تغليف عدائهم بغشاء رقيق من الدبلوماسية وغطاء هش من حرية التعبير والإبداع والبحث العلمي، لكن هذا الغطاء لم يكن كافيًا لتغطية حالة العداء التي بدت وكأنها ظاهرة في كثير من الكتابات والتعليقات وحتى القرارات، ولم تكن قوافل الميديا في الساحة وحدها، وإنما كان خلفها من يقدم لها الدعم والمساندة والتأييد، كما كان يمدها بالدعم اللوجستي في مجال المعلومات كتيبة من الأكاديميين تقربهم مراكز القرار وتمولهم جهات استخباراتية وتمكنهم من نشر آرائهم التي تساعد على تبرير العدوان وتأجيج نيران الصراع والكراهية، وحاول اليمين المتطرف التركيز على أن التكوين الثقافي للجنس الأبيض يعتمد على نظرية نجابة الجنس ونقاء العرق وتقسيم البشر، وقد نجح إلى حد بعيد في إشاعة هذه الرؤية حتى نضحت في كتاباتهم رغم حديث القانون عن المساواة والحريات وحقوق الإنسان وبدرجة فاقت حدود الشعارات المرفوعة في الغرب ذاته، وبالطبع إنسان الشرق في تلك الرؤية يختلف عن إنسان الغرب، وإنسان الجنوب يختلف عن إنسان الشمال، حتى تجرأ بعضهم وأحيا في طرحه رؤية عنصرية قديمة، وحاول أن يروج لها من باب هندسة الرأي العام وتهيئته تمهيدًا للقبول بفكرة الاستعمار بناءً على نجابة الجنس ونقاء العرق وتقسيم الناس إلى سادة يجب أن يسيطروا ويسودوا، وإلى عبيد عليهم أن يخلصوا في خدمة السادة، ليلاً ونهارًا، والويل لهم إن تمردوا أو طالبوا بحقوق آدمية.
• نظرة الاستعلاء والفوقية هذه ليست جديدة، وحتى ما طرحه صموئيل هنتنتجنتون في كتابه صراع الحضارات لم يكن جديدا، وإنما كان نسخة معدلة مما طرحه من قبل الصحفي الأمريكي لوثروب ستودارد، فقد ذكر في كتابه الصادر في سنة 1921، بعنوان "المد الصاعد للون ضد السيادة البيضاء على العالم"
"The Rising: Tide of Color against White supremacy"
حيث يقرر الصحفي الأمريكي لوثروب ستودارد "lothrop Stoddard "
صلاحية الجنس الأبيض للسيادة على العالم، فيقول:
"من ظلال ما قبل التاريخ برزت العناصر البيضاء إلى المقدمة، وأثبتت بطرق لا تحصى صلاحيتها للهيمنة على النوع البشري، لقد شكلوا بالتدرج حضارة مشتركة، ثم حين أتيحت لهم فرصتهم الفريدة للهيمنة على المحيطات قبل أربعة قرون انتشروا في كل أنحاء الأرض فملأوا أماكنها الخالية بذريتهم المتفوقة، وضمنوا لأنفسهم التفوق في العدد والسيادة... وأخيرًا توحد الكوكب تحت هيمنة عرق واحد بحضارة مشتركة. هكذا!!
• ولم يكن ذلك الصحفي والتيار الذي ينتمي إليه في ساحة الهجوم على الإسلام وحده، وإنما رافقه آخرون أكاديميون من ذوي الشهرة والصيت ذاعت كتاباتهم في طول الأرض وعرضها تحاول النيل من الإسلام ونبيه، وكان في مقدمة هؤلاء المستشرق المعروف هاملتون جيب الذي كان يعمل في الولايات المتحدة الأمريكية مديراً لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة هارفارد والذي حاول أن ينفي عن النبي صفة الرسالة والنبوة ولم ير فيه إلا أنه مجرد مصلح اجتماعي عكس ضرورات البيئة العربية في مكة، وأنه صلى الله عليه وسلم صنعته بيئته الخاصة بمركزها الثقافي والديني والتجاري، وبحكم موقعها من العالم وصلتها بأرقى شعوبه. ثم جاء تلميذه النجيب برنارد لويس ليكمل المسيرة غير الميمونة وغير المأمونة، وليدلي بدلوه في تطوير وأداء الدور المطلوب.
• فإذا أضيف إلى ذلك رد الفعل على الحملة الشرسة التي تولت كبرها مصانع الكذب الإعلامي ودعايات إمبراطورية هوليوود بعد أحداث 11 سبتمبر والتكثيف الشديد على اعتماد التشويه والكذب، هذا الأمر المبالغ فيه جدا دفع الكثير من الناس إلى محاولة معرفة شيء عن هذا المارد المرعب والذي جاء ليحطم الحضارة ويطفئ أنوار الحياة، فنفدت كل الكتب التي تتحدث عن الإسلام كما نفدت جميع المصاحف من المراكز والمؤسسات الإسلامية، وبالإضافة إلى ما يتمتع به المواطن الأوروبي من الحرية ومع البحث والتحري ظهرت الحقائق، كل ذلك جعل الإسلام هو الخيار الأول لبعضهم بعدما اتضحت الصورة واكتشف الناس حجم المغالطات والتدليس والغش وصدقت حكمة الشاعر التي تقول:
وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت …. أتاح لها لسان حسود
• لسان الحسود هنا قدم للإسلام دعاية لا تستطيع الدول الإسلامية مجتمعة أن تقوم بها وكان هذا الأمر من تدبير الله وحده.
• ثم إن أحداث 11 سبتمبر أحدثت تطورا نوعيا في وعي المسلمين بحركة الصراعات وطبيعتها ومسارها، هذا التطور النوعي أكسب المسلمين خبرة في التعامل مع الأزمات وكيفية مواجهتها والقدرة على امتصاصها، كما حقق لهم حضورا ملحوظا وقبولا يحسب على أنه إنجاز ضخم في بناء جسور حيوية ومحترمة للتفاهم وتأكيد معنى التعددية الثقافية والحضارية وحتى الدينية وتفاعلهم معها، ومن ثم فقد بدأت قطاعات كبيرة من مجتمعات الغرب نتيجة الاحتكاك بالمسلمين في الداخل تتفهم قلق المسلمين وهمومهم وتشعر أن وجودهم إضافة حضارية وثقافية وليس عبئا ومن ثم بدأت تقف بجوار قضاياهم، لكن هذا الأمر مقلق طبعا لبعض الدوائر التي تقتات على الأزمات والكراهية وتسعى لضرب الجميع ببعضهم، وبالمناسبة يقال إن أحداث فرنسا أعلنت عنها وسائل إعلام إسرائيلية بعد وقوعها بثلاث دقائق، أي قبل أن تعلن عنها السلطات الفرنسية، كما أعلنت صحيفة تابعة لهم أسماء الجناة وحددت ديانتهم وجنسياتهم بعد أقل من 15 دقيقة !! فهل جاءت أحداث فرنسا نتيجة وثمرة لهذا التخطيط....؟ حتى الآن لست متأكدا من إجابة هذا السؤال "بلا" أو "بنعم".
لكني أحسب أن الوجود الإسلامي في مجتمع الغرب بدأ الدخول في مرحلة جديدة من التحديات خططت لها أعلى الدوائر سيادية وأكثرها حساسية وعما قريب ستراوده عن نفسه بين الرفـض والاحـتواء.
فهل يمكن أن تنتصر النفايات والمؤامرات على الخلق العظيم؟ هنا أقول بالقطع: "لا" ومبدأ الإنصاف الذي ربانا عليه ديننا الحنيف ونبينا العظيم محمد، صلى الله عليه وسلم، والذي جعلوه هدفا لنفاياتهم ـ وهيهات - يجعلني أقول بإصرار: "ليسوا سواء" وإذا كنا كلنا محمدا …. فليسوا كلهم شارلي.
الأب.. ظِلٌّ لا يميل
هناك كلمة إذا نُطقت، اعتدل لها القلب قبل اللسان، وارتجف لها الوجدان قبل أن يفهمها العقل. كلمةٌ تحمل... اقرأ المزيد
633
| 31 يوليو 2026
أدب الحوار ونهي الشريعة عن صخب الصوت
وهم علو النبرة يُخطئ من يظن أن ارتفاع الصوت أثناء الحوار هو وسيلة لإثبات الحجة أو أداة فعالة... اقرأ المزيد
279
| 31 يوليو 2026
حصص التربية الرياضية بالأندية
الرياضة محور أساسي من محاور العملية التعليمية، يقول تعالى في سورة البقرة آية 247 (قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ... اقرأ المزيد
147
| 30 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
9480
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1635
| 26 يوليو 2026
الله يرحم أيام المحكمة الشرعية، حين كانت القضايا تُعرض على القضاة فيستمعون إلى الخصوم مباشرة، ويفهمون أصل الخلاف، ثم يفصلون فيه بعد جلسة أو جلستين، من دون هذا الامتداد الطويل الذي نراه اليوم. نتذكر بكل تقدير أصحاب الفضيلة من قضاة المحاكم الشرعية في قطر: الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود، والشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي البنعلي، والشيخ عبدالقادر بن محمد العماري، والشيخ عبدالله بن عبدالعزيز آل محمود، رحم الله من رحل منهم وجزاهم خير الجزاء. أما اليوم، فقد أصبحت بعض القضايا تمر بمراحل وإجراءات متعددة؛ من ابتدائي واستئناف وتمييز، وتأجيلات ومذكرات وردود على المذكرات، حتى إن الإجراءات في بعض الأحيان تبدو أطول من القضية نفسها. كما أصبح كثير من الجلسات يدور حول تقديم المذكرات والرد عليها، بدل المرافعة المباشرة التي تختصر الوقت وتوضح جوهر النزاع، وأصبح المتقاضي بحاجة إلى محامٍ حتى في بعض القضايا البسيطة التي كان يستطيع في السابق عرضها بنفسه. ومن وجهة نظري، فإن تعقيد الإجراءات أسهم في توسيع دور مكاتب المحاماة، حتى في أبسط القضايا، بما جعلها قطاعًا اقتصاديًا مزدهرًا. ولعل الانتشار اللافت لمكاتب المحاماة في كل زاوية من الدولة يعزز هذه الرؤية. ولا أحد ينكر أهمية الضمانات القانونية ودرجات التقاضي، فوجودها لحماية الحقوق وتحقيق العدالة، لكن العدالة لا ينبغي أن تتحول إلى رحلة طويلة تستنزف الوقت والجهد والمال. لا أحد يطالب بالعودة إلى الماضي بحذافيره، ولا بانتقاص حقوق المتقاضين، وإنما نأمل تبسيط الإجراءات، وتسريع الفصل في القضايا، وإعادة الاعتبار للمرافعة المباشرة والصلح، حتى تصل الحقوق إلى أصحابها بأقصر الطرق وأقلها كلفة. فالعدالة لا تكتمل بصحة الحكم وحدها، بل بسرعة وصوله أيضًا.
1350
| 30 يوليو 2026