رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بالأمس مرت بالتمام والكمال أربع سنوات على ثورة الخامس والعشرين من يناير في المحروسة والتي شكلت حدثا فارقا في تاريخها على نحو يؤكد أن ما شهدته من استبداد وتسلط ونشوء معادلة امتلاك السلطة والثروة لدى النخبة الحاكمة وغياب العدالة الاجتماعية والمحددات الديمقراطية لن يعود مرة أخرى أو بالأحرى لن يسمح به الشعب المصري وفي هذه العجالة أود أن ألفت إلى جملة من الملاحظات الرئيسية.
أولا: إن محاولة وصف ثورة يناير بالمؤامرة من قبل دوائر ترتبط بنظام مبارك لم تجد نفعا رغم الهالة الإعلامية التي صاحبت محاكمته ثم الحكم ببراءته. فقد انبرى لفيف من المفكرين والسياسيين والإعلاميين لتفنيد ودحض هذا الطرح وإثبات فساده والمسألة لم تتطلب جهدا استثنائيا، فما كان ما يجري على الأرض في زمن مبارك بلغ الذروة في الفساد والتحكم في العباد والبلاد، فضلا عن السعي الحميم وبقوة لتوريث الحكم لنجله رغم كل النفي الرسمي الذي جاء غير مرة على لسان الرئيس الأسبق وبل على لسان جمال نفسه. فقد كانت الممارسات تؤكد ذلك بقوة فجمال كان يطلق عليه لقب الرئيس داخل مؤسسة الحكم وكان يعامل من حيث البرتوكول والتأمين الأمني معاملة رؤساء الدول. وقد لفت انتباهي وكنت في طريقي إلى مطار القاهرة الدولي لتوديع زوجتي والتي كانت تستعد للسفر للسعودية لأداء فريضة العمرة أن ثمة رجال أمن منتشرين على جانبي الطريق- في تشريفة لا تجري إلا لرؤساء الدول - من منطقة مصر الجديدة، حيث قصر الحكم إلى المطار وكنت أعلم بحكم عملي أن مبارك ليس على موعد للقيام بزيارة خارجية أو أن أحدا من رؤساء الدول الأخرى سيحط ضيفا على القاهرة وعندما تحريت الأمر علمت أن جمال مبارك في طريقه إلى واشنطن في إحدى رحلاته لتسويق نفسه كرئيس قادم وهو الأمر الذي أبدت واشنطن وتلك واحدة من المفارقات الأمريكية قبولا به مقابل استمرار مصر في عهده كواحدة من أهم حلفاء مصر في المنطقة ولكن على أسس تابعة وليس بناء على قواعد الندية المعروفة في التحالفات الإستراتيجية وهذه المعلومة بالذات جعلتني على يقين بأن مبارك الابن قادم بقوة لصدارة المشهد المصري وكان ذلك بعد عودتي من الدوحة التي أمضيت فيها فترة عمل اقتربت من العشرين عاما وكل ذلك يؤشر إلى أن الشعب المصري هو الذي تحرك بعد أن ضاقت به السبل وعجزت كل محاولات الإصلاح من الداخل خاصة بعد التزوير الفاضح في انتخابات مجلس الشعب التي جرت في العام 2010 لينهي حكما، لم يشأ على الأقل في سنواته العشرين الأخيرة أن ينحاز إلى الجماهير التي كابدت وصبرت على سياساته والتي أفضت في النهاية على الرغم مما يبدو على السطح من إنجازات إلى أن أكثر من أربعين في المائة من الشعب تحت خطر الفقر مع انهيار واضح في الطبقة الوسطى التي تآكلت في العشر سنوات الأخيرة لصالح نمطين، أولهما التوسع السافر في نمو طبقة رجال الأعمال والأثرياء الجدد الذين باتوا يمتلكون النصيب الأكبر من الأصول المالية للبلاد والثاني التمدد في الطبقات الفقيرة ونشوء العشوائيات وانتشار فادح لأطفال الشوارع وتصاعد في معدلات البطالة في ظل غياب سياسات وقواعد العدالة الاجتماعية على نحو أظهر مصر وكأنها واحدة من عتادة الدول التي تطبق ما بات يعرف في الأدبيات السياسية والاقتصادية بالليبرالية المتوحشة.
ثانيا: إن ثورة يناير جاءت ضمن شرارة ثورية انطلقت من تونس التي قدم شبابها وشعبها نموذجا في الفعل الثوري المصر على إسقاط نظام عفا عليه الزمن وكرس لبقائه من دون أن يمتلك مقوماته، فقط من أجل أن تحصد الأسرة التي ينتمي إليها رأس النظام على أكبر قدر من السلطة والثروة دون أن يقدم في المقابل أي شيء لشعبه إلا اللمم البقايا، بينما جوهر المطالب الشعبية كامن في دوائر التجاهل وقل النسيان المتعمد لم يكن بن علي أو مبارك يمتلكان القدر من الحصافة الذي يؤهلهما للتفاعل مع شعبيهما ولو كانت لديهما قراءة صحيحة للواقع لكان بإمكانهما أن يتحركا للاستجابة لهذه المطالب على الرغم مما كان يبدو وأنا هنا أتحدث عن الحالة المصرية من أن ثمة هامشا للحرية عبر بعض الصحف المستقلة والخاصة، فضلا عن القنوات الفضائية الخاصة ولكني أدركت بعد فترة من التفاعل مع المشهد المصري بشقيه السياسي والإعلامي، أن كل ذلك كان آلية كان يشرف على تنفيذها أحد رموز النظام الكبار وتهدف إلى التنفيس عما في الصدور وهو ما أطلقت عليه ذات يوم إتاحة حرية الصراخ وأحيانا الغضب في هذه الصحيفة أو تلك المحطة التلفزيونية. بيد أن الأمر لا يقترب من الفعل بما في ذلك الانتقادات التي كانت توجه إلى مبارك خاصة على صعيد التوريث وهو ما كان يصب عبر سياسة توزيع الأدوار بين رموز النظام الصحفية والإعلامية في خانة تكريس التوريث كواقع لتسويقه بين شرائح الشعب كأمر طبيعي.
غير أن استمرار عوامل الخلل في بنية نظام مبارك بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية دفعت الشعب وعبر طليعته الشبابية إلى التحرك لوأد هذا النظام وتمهيد الطريق لنظام جديد يقوم على الحرية والديمقراطية والعيش والكرامة الإنسانية دون تدخل خارجي أو مؤامرة من قوى أخرى غير مصرية، فمن بوسعه خارج المحروسة أن يقوم بتحريك أكثر من عشرين مليون مصري من مختلف الشرائح والفئات، مسلمين ومسيحيين، ومن أفكار ومشارب سياسية وأيديولوجية شتى في تلاحم قلما يحدث في المحروسة إلا عندما تدلهم الأمور وتواجه الأمة وضعا شديد الصعوبة؟ إنه سؤال موجه لكل من وصفوا ثورة يناير بأنها مؤامرة كبرى وهو ما ينطوي على إهانة كبرى للشعب المصري.
ثالثا: إنني مدرك أن ثمة إحباطا لدى دوائر واسعة من شعب المحروسة، لأن أهداف الثورة لم تحقق بالكامل فما زالت المعضلات الاجتماعية والاقتصادية بل والسياسية قائمة وهناك تململ واضح من استمرارها. بيد أن ذلك طبيعي في الثورات الكبرى التي تظل تتفاعل مع قوى مناوئة لها وتتعاطى مع إمكانات محدودة ولكن المؤكد أن هذا الشعب لن يرضى بديلا عن هذه الأهداف ولديه إصرار كامل على تحويلها إلى وقائع على الأرض وأظن أن البدايات مبشرة وستخطو المحروسة في المدى القريب خطوات أكثر فعالية وقدرة على التجاوب مع أشواق شعبها الكبرى لتستعيد عافيتها الداخلية ومن ثم عافيتها الإقليمية والقومية حتى يمكن للأمة أن تتفرغ للتعامل الحاسم والحازم مع المهددات الخطيرة التي نلمس تداعياتها بأيدينا ونراها بأعيننا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3030
| 24 سبتمبر 2026