رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب تاريخي لسمو الأمير أمام مجلس الشورى
كلمة حق بوجه مجتمع دولي جائر
خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، في افتتاح دور الانعقاد السنوي الثاني والخمسين لمجلس الشورى كان موعدا مع التاريخ، مع لحظة الحقيقة، وصوت الحق، والضمير العربي، الذي يأبى التخلي عن شعب فلسطين وقضيته العادلة، مهما بلغ التحالف العالمي مع الباطل والعدوان ضد العدل وحقوق الإنسان.
كان هذا الخطاب لحظة من التاريخ لأنها أول مرة يبدأ صاحب السمو خطابه السنوي أمام مجلس الشورى بالحديث عن قضية أو شأن خارجي، باعتبار أن هذا الخطاب موجه للداخل بقدر كبير، ويرسم استراتيجية العمل خلال المرحلة المقبلة، ويضع خريطة طريق للحكومة في عملها القادم، لكن هذه المرة تجاوز سموه ذلك، وكسر هذا العرف، ليبدأ بالحديث عن القضية الفلسطينية، لأنها هي الأخرى تعيش مرحلة فارقة من التاريخ، في ظل هذا العدوان البربري الذي تتعرض له غزة، وهذا التآمر العالمي مع المجرم على حساب الضحية، ومنحه الغطاء لارتكاب جرائمه الوحشية دون رادع.
الشأن الفلسطيني تصدر خطاب سمو الأمير في افتتاح دور الانعقاد العادي لمجلس الشورى لأول مرة قبل الشأن المحلي، وهي رسالة للعالم أن فلسطين في الأجندة القطرية ليست مجرد قضية تخص السياسة الخارجية، بل هي في موضع الأولوية والأهمية لدى دولة قطر، قيادة وحكومة وشعبا.
لقد عبر سموه عن الوجدان العربي، وألقى باللائمة على سلطة الاحتلال، وما تقوم به من حرب إبادة لا مثيل لها في العصر الحديث، مستخدمة كل أنواع الأسلحة الفتاكة والممنوعة دوليا، وبالتوازي تقع اللائمة على المجتمع الدولي، الذي يغض الطرف عن هذه الجرائم ضد الإنسانية ويكيل بمكيالين، مؤكدا أن ما يجري خطير للغاية، بما في ذلك الدوس على جميع القيم والأعراف والشرائع السماوية والقوانين الدنيوية، وليس على القانون الدولي فحسب، بل إن التصرف بات وكأن حياة أطفال فلسطين لا تحسب، وكأنهم بلا وجوه ولا أسماء.
خطاب سمو الأمير رسم صورة واضحة للحقيقة الماثلة أمام العيان، وحدد موقف قطر الصريح والواضح، وأهاب بالمجتمع الدولي، بدوله ومنظماته للوقوف صفا واحدا ضد هذه الهجمة الشرسة والعدوان الغاشم ضد شعب آمن أعزل تستباح حياته وممتلكاته ويسلب أبسط حقوق الإنسان، وضد التهجير القسري الذي يجاهر به الكيان الإسرائيلي.
هذه الحقيقة سوف يسجلها التاريخ، وستبقى محفورة في ذاكرة الأجيال الذين سيحفظون مواقف صاحب السمو الذي انتصر للشعب الفلسطيني وساند حقوقه العادلة في وقت تخلى العالم عنهم وتلكأ بعض العرب عن نصرة فلسطين وقضيتها.
انتصار سمو الأمير لفلسطين ليس لمجرد أنها قضية عربية أو إسلامية، أو انتصار لمنطقة جغرافية، بل لأنها قضية حق وعدل، قضية عادلة، قضية شعب محتل، سلبت حقوقه وأراضيه ومقدساته، ويعاني القتل والتشريد والتدمير، ويعيش في الملاجئ، ويراد له اليوم التهجير الثاني أو الثالث في تاريخه.
سيذكر التاريخ أن أمير قطر دشن خطابه أمام مجلس الشورى بالوقوف إلى جانب فلسطين والتضامن معها، خلافا لما درجت عليه خطابات سنوات ماضية، وأحداث سبقت، وفعل ما لم يفعله زعيم آخر، وأعلن بوضوح أنه يرفض الكيل بمكيالين كما يفعل المجتمع الدولي الذي ينحاز بشكل أعمى للعدوان الإسرائيلي.
وسيذكر التاريخ أن سموه قال بصراحة: «كفى. لا يجوز أن تـمنح إسرائيل ضوءاً أخضر غير مشروط وإجازة غير مقيدة بالقتل، ولا يجوز استمرار تجاهل واقع الاحتلال والحصار والاستيطان، ولا يفترض أن يسمح في عصرنا باستخدام قطع الماء ومنع الدواء والغذاء أسلحة ضد شعب بأسره».
هذا الموقف النبيل والأخلاقي لسمو الأمير ليس بالأمر المستغرب على سموه، الذي لطالما انتصر للشعوب وللقضايا العادلة، ودافع عن قضايا الأمة وشعوبها.
هذا الموقف أثلج صدور الشعوب العربية التي وجدت في خطاب سمو الأمير تعبيرا صادقا عن وجدانها، ورسالة للمجتمع الدولي المنحاز للكيان الإسرائيلي وممارساته الإجرامية.
شكرا سمو الأمير على هذا الموقف المنحاز إلى الحق والعدالة وحقوق الإنسان، والذي جاء أيضا كوقفة مدوية بوجه الضمير العالمي المستغرق في انحيازه وتجاهله لأبشع حرب إبادة تجري في العصر الحديث بحق المدنيين والأبرياء، بحق شعب فلسطين المحاصر في غزة.
ولذلك دعا سموه إلى «وقفة جادة إقليمياً ودولياً أمام هذا التصعيد الخطير الذي نشهده والذي يهدد أمن الـمنطقة والعالم، وندعو إلى وقف هذه الحرب التي تجاوزت كل الحدود، وحقن الدماء وتجنيب الـمدنيين تبعات الـمواجهات العسكرية، والحيلولة دون اتساع دائرة الصراع».
شكرا سمو الأمير لقد لامست كلماتك ـ التي خرجت من القلب ـ الوجع الفلسطيني حيث غاب الأصدقاء وتقاعس الأشقاء.
شكرا سمو الأمير لأنك عبرت في خطابك، وتحدثت بلسان الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج، التي تتألم لألم أهل غزة وشعب فلسطين وما يلاقونه من جرائم وحشية بكل دقيقة وثانية.
شكرا لأنك الصوت المرتفع دفاعا عن فلسطين وأهلها فيما يتوافد رؤساء الدول الكبرى والعظمى إلى إسرائيل للتضامن معها والإعلان عن تحالف عسكري معها في حرب الإبادة الشاملة بحق أهلنا في غزة.
شكرا سمو الأمير لإعادة تصويب الحقائق بسؤالك للمصطفين خلف الحرب ويعملون على إسكات الصوت المخالف: ماذا بعد هذه الحرب؟
شكرا سمو الأمير لردك الحاسم والجازم بوجه كل من يدعو لترحيل الفلسطينيين وتهجيرهم من أرضهم بأن «الشعب الفلسطيني باق»، ولن ينفع استمرار الحصار والمصادرة والاستيطان في إنهاء أو القضاء على القضية الفلسطينية.
شكرا سمو الأمير لكلمة الحق والحقيقة أن الحرب لا تقدم حلاً من أي نوع، وأنها سوف تفاقم الـمعاناة وازدياد عدد الضحايا، وكذلك الشعور العميق بالغبن.
شكرا سمو الأمير لأنك أخبرتهم أن صمت المجتمع الدولي يوازي التجربة المروعة لأطفال فلسطين الذين قتل أهلهم وأترابهم أمام أعينهم.
شكرا سمو الأمير لأنك أعدت تذكير هذا المجتمع الدولي المتخاذل بأن السبيل الوحيد لضمان الأمن والاستقرار للشعبين هو ما يتم تجنبه حتى الآن، وهو تحقيق السلام العادل والدائم وحصول الشعب الفلسطيني على كامل حقوقه الـمشروعة التي أقرتها الهيئات الدولية، بـما فيها إقامة دولته الـمستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
صناعة السلام
لقد جاءت هذه الوقفة المدوية دفاعا عن فلسطين وأهلها منسجمة ومتكاملة مع سياسة قطر الخارجية التي أكد سمو الأمير المفدى أنها تقوم على دور بناء في صنع السلام وحل النزاعات بالطرق السلمية، والتشديد على العدالة في العلاقات الدولية.
هذا الدور يأتي في صلب سياسة قطر الخارجية انطلاقا من قول سموه «نحن لا نقف متفرجين إزاء استمرار تردي الأوضاع في بعض الدول الشقيقة، ونعمل ما بوسعنا للمساعدة في معالـجتها من منطلقات التضامن والـمسؤولية والاستقرار الإقليمي، ونشعر بالارتياح لأي تقدم في حل الـخلافات من خلال الـحوار بين الدول».
لقد نجحت قطر في القيام بهذا الدور حتى صارت تعرف بأنها وسيط موثوق به في صنع السلام وفض النزاعات عبر الحوار والدبلوماسية، هذا النجاح هو موضع فخر للدبلوماسية القطرية وهو صفحة مضيئة تسطرها قطر على جبين التاريخ.
اقتصادنا بخير
وفي إضاءة سموه على الشأن المحلي حضر الاقتصاد حيث إن الأزمات والتحديات تعصف بالاقتصاد العالمي غير أن اقتصادنا الوطني ما زال معافى وبخير، يواصل نموه وازدهاره، معززا بمشروع توسعة الغاز وإستراتيجية التنمية الوطنية الثالثة، كما استفاد اقتصادنا الوطني من ارتفاع أسعار الطاقة عن السعر الـمعتمد في الـموازنة العامة للدولة، مما ساهم بتحقيق فائض مالي يستخدم في خفض الدين العام، والذي انخفض من 73% في 2020 إلى ما دون 40% بنهاية النصف الأول من العام الجاري، وهو ما يشكل إنجازا للاقتصاد القطري واستقراره.
وأكد سمو الأمير أن الدولة ماضية في اتخاذ إجراءات على الـمستويين التشريعي والإداري لتعزيز الانفتاح الاقتصادي والشراكة بين القطاعين العام والخاص، وحماية حقوق الـملكية الفكرية، ودعم تنافسية الـمنتج الوطني، والتحول الرقمي.
وفي هذا الإطار يأتي اهتمام سمو الأمير بتطوير بيئة الأعمال وجذب الاستثمار وتحقيق الفائدة من البنية التحتية الـمتاحة، مع التأكيد على تفعيل آلية تطوير التشريعات الـمنظمة للاستثمار الأجنبي لإزالة الـمعوقات التي تواجه ذلك الاستثمار، وإبراز قطر على الصعيد الدولي كحاضنة للاستثمار الدولي الـمباشر.
ومن بين القضايا المهمة التي تطرق سموه لها ما يتعلق بالثغرات البيروقراطية والقانونية لتعزيز الاستثمار، لافتا إلى أن هذه الثغرات قد تنجم أحياناً من جهل الـموظفين أنفسهم بها، والتضارب بين الهيئات، وهي أمور يـمكن حلها بسهولة.
في خطاب سمو الأمير لم تغب قضية التنمية التي موقع الأولية في رؤية قطر الوطنية والتي أساسها الاستثمار في رأس المال البشري، كما أن البيئة تحتل مرتبة مهمة في التنمية، حيث تعمل الدولة على زيادة المساحات الخضراء.
وحضرت السلطة القضائية في خطاب سمو الأمير، فالارتقاء بالمنظومة القضائية وصولا لتحقيق العدالة الناجزة وذلك عبر استكمال البنية التشريعية القضائية وصدور القوانين المعززة للسلطة القضائية، يشكل أولوية لسموه، وفي كل خطاب يركز سموه على ضرورة إنجاز كل ما يتعلق بتحقيق العدالة الناجزة.
ولم يغب عن خطاب سمو الأمير مضامين تتعلق بالقيم والمبادئ والأخلاق، وهو ما درج عليه سموه في ترسيخها عبر الإشارة إليها في خطابات مجلس الشورى في كل مرة، وهذه المرة أشار إلى ضرورة إدراك المواطن أهمية دوره كل في موقعه، والمسؤوليات التي تقع عليه، وواجباته تجاه الوطن، وتكامل الأدوار على مستوى الأفراد والمؤسسات، لينعكس ذلك إيجابا في صورة قطر الخارجية، والتفاعل الحضاري، وتقبل الاختلاف، وهو أمر لا يتناقض مع الهوية القطرية والعربية المسلمة، بل يسهم في مزيد من التقدم والتطور، ويواكب متطلبات المرحلة التي تعيشها المجتمعات.
إن خطاب سمو الأمير في دور الانعقاد الجديد لمجلس الشورى جعلنا مطمئنين إلى أحوالنا الداخلية والتنموية وفخورين بسياستنا الخارجية والمواقف التاريخية التي أعلنها سموه انتصارا للشعب الفلسطيني، وما يعانيه أهلنا في غزة في هذه المرحلة التاريخية الصعبة من عدوان غاشم لا يراعي قيما ولا عرفا وقانونا ولا تشريعا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. [email protected]
4818
| 09 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1494
| 11 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1257
| 11 مارس 2026