رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل استقال محافظ البنك المركزي المصري راغبا أم طلبت منه الاستقالة؟ ولماذا أعلنت الاستقالة قبل أكثر من شهر على انتهاء مدته في ٢٦ نوفمبر المقبل؟ وما العمل إذا اعترض المحافظ الجديد على قرار اتخذه المحافظ المستقيل خلال الشهر الذي بقي له في منصبه؟ وهل صحيح أن المحافظ المستقيل مسؤول عن أزمة الدولار وتدهور قيمة الجنيه المصري؟ وهل تخفيض سعر الجنيه المصري ٢٠ قرشا خلال عشرة أيام كان قرارا منفردا اتخذه المحافظ أم أنه نال موافقة المراجع الأعلى؟ وهل الرجل كان صاحب القرار في الموضوع أم أنه كان ينفذ سياسة؟ وهل ثمة علاقة بين الإعلان المفاجئ للاستقالة وبين حديث المحافظ عن إسهام تكلفة الإسراع بحفر تفريعة قناة السويس خلال عام في أزمة الدولار التي واجهتها مصر؟ وإلى أي مدى أسهمت في الأزمة العوامل الإقليمية (تراجع أسعار النفط) أو الدولية (انخفاض معدل التجارة العالمية)؟ وهل للإخوان والتنظيم الدولي علاقة بالموضوع؟ وأين أخطأ المحافظ المستقيل وأين أصاب؟ وهل تعيين محافظ جديد سيحل الإشكال؟ وهل نحن بحاجة إلى محافظ جديد للبنك المركزي أم أننا بحاجة أيضا إلى سياسة اقتصادية جديدة؟
هذه الأسئلة مجرد عيّنة لما يدور على ألسنة المتابعين للشأن العام في مصر، الذين يدور بينهم لغط كبير منذ أعلن خبر استقالة الأستاذ هشام رامز من منصب محافظ البنك المركزي يوم ٢١ أكتوبر الحالي. وفي حدود الدوائر التي أعرفها فإنني لم أجد أحدا قادرا على أن يقدم إجابة شافية عن أي من تلك الأسئلة. لكنني أعرف أن كل سؤال مردود عليه بقصص وروايات وشائعات تحير أكثر مما تقنع أو تفيد.للدقة فإن تلك الحيرة ليست جديدة بقدر ما إن المفاجأة ليست جديدة، ذلك أن السياسة التي قيل إنها فن الممكن في بعض التعريفات، هي في بلادنا فن المفاجآت، ولأنها كذلك فإن أي تمهيد لها أو توقع يفقدها النشوة التي يستشعرها كهنة القرار وصُنَّاعه حين يرون علامات الدهشة والحيرة على وجوه المتلقين، إذ إنهم يعتبرون التكتم من مقتضيات الهيبة واستحقاقات التميز. ثم إنهم مقتنعون بأن ثمة حدودا لمعرفة «الرعية»، وليس من حق كل من هب ودب من عوام الخلق أن يدسوا أنوفهم في القرارات السياسية العليا. وهو منطق لا يخلو من وجاهة في واقع الحال، ذلك أن الناس طالما أنهم ليسوا شركاء في القرار، فإن محاولتهم فهم خلفياته أو ملابساته قد تعد من قبيل الفضول والتزيد.
ليست بعيدة عن أذهاننا واقعة استقالة المهندس إبراهيم محلب رئيس الوزراء السابق في ١٢ سبتمبر الماضي بعدما ظل طوال ١٧ شهرا ملء السمع والبصر في وسائل الإعلام، بسبب حركته التي لم تهدأ في طول البلاد وعرضها. لكننا لم نعرف لماذا خرج من المشهد ولماذا جيء برئيس وزراء آخر بديلا عنه. وحينذاك تركنا للحيرة والبلبلة وغرقنا في بحر الشائعات والأقاويل التي هدأت بمضي الوقت. وبدا أن المراهنة على ضعف ذاكرة الناس واستسلامهم للنسيان، أكبر من المراهنة على إحاطة الرأي العام وإشراك الناس في متابعة تطورات الأحداث في البلد.
لديَّ ملاحظة جانبية في هذا الصدد، خلاصتها أنه ليس من الإنصاف ولا من المروءة أن نكيل الاتهامات للمسؤول بمجرد مغادرته لمنصبه دون أن نسمح له بالدفاع عن نفسه وإيضاح وجهة نظره فيما نسب إليه. وإذا اختار أهل القرار أن يحجبوا عن المجتمع أسباب خروجه أو تنحيته ــ وذلك أمر مؤسف لا ريب ــ فلا ينبغي أن نهيل عليه التراب ونشطبه من التاريخ. ليس فقط احتراما له ولكن احتراما للمنصب وللدولة التي كان المسؤول جزءا منها وأحد رموزها.
لا تعرف كيف يفكر المحافظ الجديد، لكن الذي لا يختلف عليه أحد أن الظروف التي سيعمل الرجل في ظلها بالغة الصعوبة، وأن التحديات التي يواجهها تقتضي اتخاذ قرارات صعبة وشجاعة لا ينبغي أن يقدم عليها إلا بعد التشاور مع الخبراء وأهل الاختصاص. والخشية كل الخشية أن يتردد الرجل في اتخاذ القرارات التي يتعين عليه أن يقدم عليها استجابة لرؤى أهل الثقة. وهذا الكلام ليس من عندي، لكنني سمعته من بعض الخبراء ومنهم من قال إن البنك المركزي تحت ضغط الطلب دأب على ضخ ١٢٠ مليون جنيه مصري في السوق على ثلاث دفعات كل أسبوع، أي ما يعادل ستة مليارات جنيه في السنة، وهو أمر يتعذر احتماله إلا بمراجعات حازمة للعديد من السياسات الاقتصادية، بدءا من الافتتان بفكرة المشروعات العملاقة وانتهاء بوقف استيراد السلع الاستفزازية، ومرورا باتباع سياسة جمركية تحد من استهلاك السلع غير الأساسية. وتلك مجرد نماذج للتفكير ينبغي أن تطرح للمناقشة كحلول لابد منها للأزمة. قال لي بعض مديري البنوك إن محافظ البنك المركزي لم يكن يستشير أحدا أو يحاوره، وكان تعليقي أن ذلك أمر مؤسف حقا، لكن الرجل لا ينفرد به، لأن الحاصل في الاقتصاد هو ذاته الحاصل في السياسة. الأمر الذي يعني أننا بصدد أزمة أوسع نطاقا وأكبر يعاني منها الوضع العام، وقد تجلت بصورة حادة في قطاع الاقتصاد الذي يمس المصالح المباشرة للناس. وحين سألني أحدهم: ما العمل إذن؟ قلت إنني لم أتحدث عن حل، لكنني أردت وضع الأزمة في إطارها الصحيح.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1024
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4680
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3327
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1191
| 01 أكتوبر 2026