رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نشرنا يوم أمس رسالة عضو المجلس البلدي المركزي المهندس جاسم عبدالله المالكي بشأن عتبه علينا في نشر خبر تقرير ديوان المحاسبة وضبط مخالفات مالية بالمجلس البلدي، واعتبر ما نشرناه إساءة وتجريحاً وتشويهاً لصورة المجلس!!! وأننا نشن حملة للإساءة للمجلس البلدي ورئيسه!! وتساءل عن كيفية حصول الجريدة على التقرير رغم سريته وأنه لم يطلع عليه الأعضاء أنفسهم!! واستصغر - افتراضاً - نشرنا لخبر المخالفات المالية في المجلس الذي لا تتعدى ميزانيته المليون ريال وتجاهلنا نشر التقارير السرية لديوان المحاسبة عن الفساد في المؤسسات الأخرى!!
ونستغرب حقيقة من أن رد العضو المالكي لم يتطرق إلى المخالفات المالية التي وردت في تقرير ديوان المحاسبة ولا ما سيتم بشأنها. فهو يقر باستلام المجلس لها رغم عدم اطلاع أعضاء المجلس على التقرير وبالأخص هو شخصيا!! لكنه عتب على الشرق حصولها على التقرير الذي وصفه بالسري واعتبر نشرها للخبر إساءه وتشويها لسمعة المجلس. فالإشكالية عنده ليست في وقوع المخالفات المالية وكيفية معالجة الخلل في التصرف في المال العام، ولكن في نشر الشرق للخبر. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن العضو الموقر - للأسف - لايتابع ما يحدث في بلدنا العزيز قطر. فالشفافية والوضوح في محاربة الفساد والفاسدين وآكلي المال العام أصبحا سياسة عامة في الدولة. وقد سبق للشرق والصحف المحلية الأخرى أن نشرت عن قضايا الفساد التي حقق فيها ديوان المحاسبة والتي حدثت في عدة وزارات وعلى رأسها وزارة البلدية.
ونقول للعضو المحترم إنه ليس من النزاهة في شيء الدعوة إلى إخفاء التقارير التي تكشف وجود مخالفات مالية في أي مؤسسة مهما كبر أو صغر حجمها. وكون ميزانية المجلس البلدي التي تعللت بها لاتتجاوز المليون ريال، فهذا ليس بعذر!! ونذكِّر السيد العضو بإعلان سعادة وزير الاقتصاد في الصحف مؤخراً أن مرتكبي الغش التجاري سيعاقبون بالسجن والغرامة ومصادرة البضائع والنشر في الصحف حتى يرتدع المخالفون.. بل إن مؤتمر النواب العامين الثاني سيعقد اجتماعاً له بالدوحة في نوفمبر القادم يناقش فيه تفشي الفساد في كل دول العالم وأفضل الطرق لمحاربته. واستطيع أن أؤكد لكم ولمجلسكم الموقر أن التستر على المخالفات المالية والاختلاسات لن يكون إحدى توصيات المؤتمر!!!
ولا نتصور أن ديوان المحاسبة قد أرسل تقريره إلى المجلس البلدي ليشيد بدقة أدائه المالي ونزاهة القائمين على التصرف بأمواله. ولم يرسله ليوضع في أدراج المسؤولين حتى لا يطلع عليه أعضاء المجلس بمن فيهم سيادتك!! ولكنه أرسله لتتم مناقشته من قبلكم وإعطاء المبررات والأسباب وراء المخالفات المالية حتى لا تتكرر ولتتم محاسبة المخالفين.
ونستغرب مرة أخرى إنكار العضو المحترم على أحد أعضاء المجلس التعليق على التقرير ونشر دعوته في التحقيق في المخالفات وهو الشيء الطبيعي الذي سيطالب به أي عضو يعرف حقوقه وواجباته تجاه ناخبيه ودائرته الانتخابية. ولا ندري بأي حق يمنعه من ذلك، خاصة أن التقرير ليس شأناً خاصاً. وإذا كان العضو لا يحق له مناقشة شؤون المجلس، فمن أين له أن يناقش قضايا دائرته الانتخابية؟! ثم كيف يحرِّم هو على الآخرين ما يحلُّه لنفسه؟ فإذا كان من حقه أن يخط رسالته التي نشرناها بالأمس ويرسلها لنا، فكيف يعيب على زملائه التحدث معنا بشأن أمور تهم المجلس بشكل عام!! ثم لماذا هذه العزة بالإثم في اتهاماتك التي وجهتها لـ الشرق والموضوع يتعلق بمخالفات مالية فقط ولم نقل اختلاسات أو سرقات للمال العام وهذا قد يحدث في أي وزارة أو مؤسسة؟!!!
وقد اتهمتنا باطلاً بقيامنا بحملة إعلامية ضد المجلس البلدي ورئيسه ولا ندري على ماذا استند اتهامك هذا!! واتهمتنا بأننا نسعى إلى خلق بلبله بهجومنا على رئاسة المجلس هدفها الاطاحة بالمجلس برمته وفات عليك أنكم تؤدون الواجب وزيادة. ثم دعني أسألك جدلاً آملاً أن نجد لديكم سبباً، ما هي مصلحة الشرق في الإساءة أو تشويه سمعة المجلس أو رئيسه؟ هل تعتقدون أننا نمارس ضغطاً لتوجيه قرارات المجلس لتصب في مصلحة ما وهي قرارات نعرف أنها من نوع "محلك سر"؟!! أم في اعتقادكم أننا نسعى لمنصب الرئاسة عندكم؟ ولكننا نستطيع أن نعطيك عشرات الأسباب لكراهية بعض أعضاء المجلس لـ الشرق وللصحافة بشكل عام.
وللعلم.. فكما تتم محاسبتكم مالياً من قبل ديوان المحاسبة، فلنا الحق في محاسبتكم على عملكم وأدائكم كممثلين لنا في المجلس البلدي. وما نراه ونعرفه لا يشرِّف أياً من منتسبي المجلس خلال دورته الحالية. فقد اتهمتنا بالقيام بحملة إعلامية لإساءة وتجريح وتشويه صورة المجلس ورئيسه على الصعيدين المحلي والخارجي!! وتناسيت أنكم أصل البلاء والمشكلة. فاختلافكم - وليتكم تختلفون في شيء يهم الوطن والمواطن - أصبح يعلمه القاصي والداني والتناحر بين الأعضاء والشللية وامتعاضكم من طريقة إدارة جلساتكم أصبحت غسيلاً يومياً تنشره الصحف كلها. وليس لنا إذا رغبنا في الإساءة إلى مجلسكم إلا الاستماع لكم ونشر تصريحاتكم وأخبار اجتماعاتكم العقيمة. فأنتم - وفيكم الخير والبركة - تقومون بأكثر من أي جهة ترغب في الإساءة إليكم.
وقد رأيناك تكرر في خطابك حرصك على "المصلحة العامة" وكأنكم التزمتم بها خلال دورتكم الحالية التي وصل بها الحال إلى مطالبات بعض الأعضاء بتغيير الرئاسة. ونراك تشير إلى "الخلافات التي لا تخدم" وهي السمة الأساسية والإنجاز الوحيد لمجلسكم الموقر. فعلى الأقل أصبحنا نختلف ليعرف العالم أننا نمارس الديمقراطية بأسوأ أشكالها.. وتتحدث عن "الأمانة التي على عاتقكم" ولا نرى إلا أنكم ضيعتموها. وأراك تتحدث "بصفتكم ممثلين عن الدوائر الانتخابية التي تنتظر منكم الكثير من العمل" وأرى أن انتظارهم سيطول إلى أن يشاء الله.
لا ندري إذا كنت تتحدث باسم المجلس عندما أرسلت رسالتك أم تتحدث عن نفسك ودائرتك. ولكننا نستطيع أن نجزم بأن الكثير منهم لايشاركونك رأيك. ونعرف أن منهم مخلصين في عملهم ونياتهم، وأنهم لو أتيحت لهم الفرصة لأداء عملهم كما يجب لكان أداء المجلس أفضل بكثير مما نراه ونسمعه عن مجلسكم الموقر. ولا يختلف اثنان على أن أداء المجلس السابق - رغم كونه أول تجربة من نوعها في قطر - كان أفضل من الحالي بمراحل.
ختاماً.. وبانتظار سماع الطيب من أخباركم، لكم منا ولمجلسكم الموقر التقدير والاحترام.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8766
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3813
| 30 أكتوبر 2026
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
3288
| 03 نوفمبر 2026