رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أماني الصقور

مساحة إعلانية

مقالات

120

د. أماني الصقور

كفاءات على الورق

25 سبتمبر 2026 , 12:00ص

في بيئة العمل، لا يحتاج الموظف دائمًا إلى منصب جديد أو امتياز إضافي حتى يشعر بقيمته؛ أحيانًا يكفيه أن يشعر أن له مساحة، وأن قدراته مرئية، وأن وجوده ليس مجرد اسم في قائمة الموظفين. فالمؤسسات لا تتعب فقط من كثرة الأعمال، بل قد تتعب أيضًا عندما تتسع المسافة بين من تُمنح لهم الفرص باستمرار، ومن ينتظرون طويلًا فرصة لإثبات ما يستطيعون فعله.

بعض المديرين، ربما من دون قصد، يميلون إلى الاعتماد على شخص أو شخصين في معظم المهام والمشروعات والفرص المهمة. قد يبدأ الأمر من الثقة، أو سرعة الإنجاز، أو الاعتياد على أسلوب موظف معين، فيجد المدير نفسه مع الوقت يعود إلى الأسماء ذاتها كلما ظهرت مهمة جديدة. ومن وجهة نظره، قد يكون ذلك اختصارًا للوقت وضمانًا للنتيجة، لكنه لا ينتبه أحيانًا إلى أن الاعتماد المفرط على دائرة صغيرة يصنع، في الجهة الأخرى، دائرة أكبر من الموظفين الذين تتراجع أدوارهم تدريجيًا.

المشكلة هنا ليست في نجاح الموظف الذي حاز الثقة، ولا في رغبة المدير في إنجاز العمل، وإنما في أن تتحول الثقة إلى احتكار غير مقصود للفرص. فالموظف الذي لا تُسند إليه مهام حقيقية، ولا يُشرك في المشاريع، ولا تُختبر قدراته، قد يبدأ بالتساؤل: لماذا أطور نفسي إذا كانت الفرصة لن تصل إليَّ؟ ولماذا أبادر إذا كانت الأسماء معروفة مسبقًا؟

وهنا تتغير عقلية الموظف بهدوء. فالشخص الذي كان يأتي بأفكار جديدة قد يختار الصمت، والمبادر قد يتحول إلى منفذ للحد الأدنى، والمتحمس قد يصبح أكثر برودًا وانسحابًا. ليس بالضرورة احتجاجًا، بل لأن الإنسان بطبيعته يعيد توجيه طاقته عندما يشعر أن جهده لا يجد مساحة عادلة للظهور.

أما نفسيًا واجتماعيًا، فإن استمرار هذا الشعور قد يخلق بيئة خفية من المقارنات والحساسية وفقدان الانتماء. وتبدأ العلاقات بين الزملاء بالتأثر؛ فبدل أن يُنظر إلى نجاح أحدهم باعتباره نجاحًا للفريق، قد يُنظر إليه باعتباره دليلًا جديدًا على أن الفرص لا تتحرك بين الجميع. وهنا تخسر المؤسسة شيئًا أهم من إنجاز مهمة واحدة: تخسر روح الفريق.

والأكثر خطورة أن تجميد مهام بعض الموظفين لا يجمّد أعمالهم فقط، بل قد يجمّد خبراتهم أيضًا. فالمهارة التي لا تُستخدم تتراجع، والموظف الذي لا يُمنح تحديات جديدة لن يكتشف المدير أصلًا حجم الإمكانات الموجودة لديه. وبذلك قد تصبح المؤسسة غنية بالكفاءات على الورق، لكنها تعتمد فعليًا على عدد محدود منها.

الإدارة الواعية لا تعني توزيع المهام بالتساوي الحسابي، فالكفاءات والخبرات والمسؤوليات تختلف، وإنما تعني عدالة الفرصة: أن تكون هناك مساحة للتجربة، والتعلم، وإثبات القدرة، وأن يعرف الموظف أن الطريق إلى الثقة مفتوح أمامه إذا أثبت جدارته.

فالمدير الناجح لا يصنع حوله موظفًا واحدًا لا يستطيع الاستغناء عنه، بل يبني فريقًا يستطيع الاعتماد عليه. ولا تُقاس قوة الإدارة بعدد الأشخاص المقربين من دائرة الإنجاز، بل بقدرتها على توسيع تلك الدائرة.

لأن بعض الموظفين لا يغادرون وظائفهم فعليًا، لكنهم يغادرونها من الداخل؛ يبقون على مقاعدهم، يحضرون كل صباح، يؤدون المطلوب، بينما تكون الرغبة في المبادرة قد رحلت منذ وقت طويل.

ولهذا، ربما لا يحتاج بعض الموظفين إلى مزيد من التحفيز بقدر حاجتهم إلى شيء أبسط وأكثر إنسانية: أن تُفتح لهم المساحة… قبل أن تتسع المسافة.

اقرأ المزيد

مساحة إعلانية